السبت، 6 يونيو 2026

التأشيرة " الأخيرة "

 

ابتعت بعض احتياجاتى من البقالة وصعدت إلى الغرفة وكان أصحابى غارقين فى نومهم ، وضعت الهاتف فى الشاحن ثم اغتسلت وبدلت ثيابى وتناولت طعاما خفيفا ثم استسلمت للنوم .

استيقظت بعد بعض من الوقت على أصوات من بالغرفة معى ، سألونى عن أمى وأحوالها ومن معها وما تم معهم فى الفترة السابقة ، صلينا الظهر وفى منتصف النهار بدأت خطواتنا فى التوجه لاتمام رمى الجمرات ، نزلنا إلى شوارع العزيزية التى لا تكاد تجد فيها مكانا تضع فيه قدمك ، نحاول تجنب سيارات الشرطة قدر الاستطاعة ، نبتعد أحيانا ، نعود ونغير وجهتنا أحيانا ، نندس بين الجموع أحيانا حتى تنتهى شوارع العزيزية وتظهر علامات طرق الصعود الى رمى الجمرات ، العرق يتدفق منا كأنه شلالات ، يلقى علينا بعض أفراد الشرطة وبعض الناس المياه يكسرون بها حدة الحر قائلين " برد يا حاج .. برد يا حاج " ، البعض يوزع زجاجات مياه وألبعض يوزع عصائر ، يحضر صاحبى لى وله نصيبا مما يوزعون ، نواصل السير نساند بعضنا البعض وألسنتنا لا تكف عن التلبية والذكر ، بعض أفراد الشرطة يسألوننا الدعاء ، البعض يتخلل الصفوف يجرى دافعا عجلات متحركة يجلس عليها كبار السن وفى كثير من الأحيان يصيب من تعثر به فى هرولته .

كنت قد جمعت الجمرات التى سألقيها عنى وعن والدتى فى زجاجة صغيرة ومن شدة التزاحم فقدتها وعندما اقتربنا من أماكن الرمى جمعت مجددا ثم بدأت رمى الجمرات عنى ثم عن أمى ، سبع حصيات على كل جمرة ، ومع كل حصاة نقول "بسم الله، والله أكبر، ورغمًا للشيطان وحزبه وإرضاءً للرحمن"  الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، نستقبل القبلة وندعو بعد الصغرى والوسطى ولا ندعو بعد رمى جمرة العقبة الكبرى ، وعندما انتهيت وفى طريق المغادرة وجدت زجاجات كثيرة ملقاة ممتلئة بالحصوات فأخذت منها للمرات القادمة .

يوجهنا أفراد الشرطة نحو الطرق والأماكن التى نمشى منها وعندما اقتربنا على مشارف العزيزية بحث صاحبى فى جيبه على هاتفه لرغبته فى إلتقاط بعض الصور فوجده قد فقد ،  اتصلنا على الهاتف فاذا بأحد أفراد الشرطة يجيب ويصف لنا مكانه وكان عند الجمرة الصغرى فذهبنا إليه وفى هذه المرة كنا نسير فى اتجاه مخالف فكنا نصعد ويقابلنا الكل فى رحلة نزوله فكان الأمر أصعب حتى وصلنا عند الجمرة الصغرى فسألنا عن الشخص الذى اجاب فوجدناه قائدهم ، تسلمنا الهاتف وشكرناه وبدأنا رحلة المغادرة مجددا .

أتمتت رمى الجمرات فى الأيام التالية ثم اصطحبت أمى فطفنا طواف الوداع ثم بحثنا عن حافلة تأخذنا إلى المدينة المنورة حيث عزمنا على زيارة المسجد النبوى الشريف ، قضينا بعض اوقت فى البحث ووقتا أطول فى انتظار أن تمتلأ الحافلة بالركاب ثم تحركت بنا فى طريق استمر ما يجاوز الست ساعات فوصلنا المسجد النبوى وقد اقترب الليل من منتصفه .

توجهنا مباشرة الى المسجد فتوضينا وصلينا وكان صعب على أن أترك أمى وحدها فاستئذنت إحدى السيدات التى توسمت فى وجهها الخير وطلبت منها أن تصطحب أمى إلى داخل المسجد لزيارة الروضة الشريفة وانتظرتهم بالخارج حتى عادت بصحبة أمى ، ثم أجلست أمى بجانب أحد الأعمدة خارج المسجد بالقرب من أفراد الحراسة ودخلت إلى المسجد للصلاة بالقرب من الروضة الشريفة وللأسف لم أستطع الدخول للصلاة بالروضة ، لم أطل البقاء داخل المسجد لكيلا أغيب عن أمى .

خرجت واصطحبت أمى إلى الأبنية حول المسجد بحثا عن مكان نشترى منه بعض الطعام ومكان للمبيت ، دخلت الى سوبرماركت اشتريت منه أطعمة ومشروبات لنا تكفينا الوقت الذى نقضيه حتى مغادرة المدينة وقالت أمى نبقى بالمسجد حتى مغادرة المدينة فجلسنا فى صحن المسجد فى الخارج حتى صلينا الفجر ثم أتكأت بجانبى حتى اقتراب صلاة الجمعة ، خرجنا الى الأبنية حول المسجد مجددا فاشترينا هدايا للأهل ثم عدنا صلينا الجمعه وكنا قد هاتفنا أحد المعارف يقلنا معه إلى مكه فى طريق عودته .

انتظرناه خارج المسجد وانطلقنا سويا حتى لحقنا بالحافلة ثم بدأ فى طريق العودة إلى مكة ووصلناها  بعد غروب شمس الجمعه .

أعدت أمى إلى السكن وأخبرتها أننى سأذهب فى الصباح لعمل عمرة ثم أمر عليها أخر النهار لتجهيز حقائب السفر .

فى الصباح أغتسلت وارتديت الاحرام مجددا ونزلت الى الشارع بحثت عن تاكسى حتى وجدت أحدهم وطلبت منه أن يأخذنى ألى ميقات الاحرام ثم الى الحرم وفى الطريق تعرفت عليه وكان شابا مصريا طيبا يعمل على سيارته بجانب عمله الاساسى ، اتفقت معه ان يمر علي قبيل فجر الأحد كى نذهب لاصطحاب أمى وصاحبتها الى المطار .

وصلت الى المسجد الحرام فمكثت فيه ماشاء الله لى المكوث وطفت ثم سعيت ثم صليت وعدت فحلقت رأسى مجددا وتحللت من الاحرام وبعد أن هدأت الشمس ورطبت حرارة العزيزية انطلقت مشيا إلى أمى ، وجدتها جهزت حقائبها فأحكمت إغلاقها جيدا وأخبرتها أننى سأمر عليها قبل الفجر ، بعض من كان معها سافر قبلها وبعض من كان بصحبتى أيضا فبعض أصدقائى تعجل فغادر مبكرا وبعضهم غادر الأربعاء بعد أن أتم مناسكه وبعضهم غادر السبت وكان موعد مغادرتنا الأحد .

غلبنى النوم فقمت مسرعا وكنت قد تاخرت عن الوقت الذى أخبرت به سائق التاكسى فقمت متعجلا فأتصلت به وكان مازال فى الطريق ثم حدثت أمى لأتأكد من جاهزيتها ثم حملت حقائبى ونزلت مغادرا مكان اقامتى ولم يتأخر السائق ، وضعنا الحقائب بالسيارة وانطلقنا الى حيث امى وصاحبتها وكانتا بانتظارنا فحملت عنهم الحقائب ووضعنها بالسيارة وانطلقنا مغادرين مكة نحو جدة حيث كانت أماكن مغادرتنا مختلفة ، انطلقنا أولا الى حيث مغادرة أمى وصاحبتها فموعد انطلاق طائرتها كان فى التاسعة صباحا تقريبا فوصلنا المطار قبيل السادسة ونزل معى السائق حتى أنهينا كل الاجراءات وساعدناهم على المرور حتى دخلوا الى صالة المغادرة ، ودعت أمى وألتقط معها صورا قبل المغادرة وأصطحبنى الشاب الطيب وعدنا نتوجه الى المطار الملك عبدالعزيز حيث مكان مغادرتى ، وصلنا قبيل السابعة صباحا فرفضوا دخولى الى داخل القاعات فانتظرت بالخارج بضع ساعات حتى الواحدة ظهرا حيث سمح لى بالدخول واتمام اجراءات المغادرة وكان موعد مغادرتى فى الرابعة عصرا .

قبيل المغادرة مباشرة أدركنى صديق لى كان يؤدى مناسك الحج ولم نلتقى مطلقا وكان موعد مغادرته بعدى بقليل فبحث عنى وأدرنى فى صالة انتظار المغادرة وحيانى قبل أن ألحق بالطائرة وكانت قد مرت سنوات عن أخر مرة إلتقينا فيها ومن وقتها لم يقدر لنا اللقاء مجددا .

عدنا إلى القاهرة وبعض الوقت انقضى فى انهاء الاجراءات بالمطار بمساعدة أحد العاملين هناك وعندما خرجت وجدت أخى فى انتظارى ، غلبتنى دموعى عندما استعدت سريعا ملامح الرحلة كاملة فى لحظات .

انطلقنا الى قريتنا ووصلناها عند العشاء وكان الأهل فى انتظارى فقد استقبلوا أمى قبلى بساعات وكانوا فى انتظار موعد وصولى أنا الأخر .

نسأل الله أن يتقبل منا مناسكنا وأن يكتب لنا العودة أعواما عديدة وأزمنة مديدة ... اللهم أمين .   

السبت، 20 ديسمبر 2025

مسائل شخصية --- لمصطفى أمين

 


فى هذا الكتاب يحكى مصطفى أمين العديد من المسائل الشخصية فى حياته وحياة أصحابها ويقربنا إلى هؤلاء الشخصيات أو يقربهم منا ويكشف الأقنعة ويفشى الكثير من الأسرار ، تلك الحقبة التاريخية تحكى من واقع المواقف التى تعرض لها أصحابها فعندما تكون المسألة متعلقة باحد السياسين أو الصحفيين أو أهل الفن أو الشعراء فقطعا ستجد التاريخ يتجلى أمامك واضحا وتستطيع بسهولة الربط بين الأحداث وبين المشاهد التى سمعت عنها قبلا .

بساطة اللغة وسهولة العبارات فكت شفرات المسائل وجعلت شخوصها كانها حية أمامك فتجد نفسك تعانى الألم مع عبدالحليم وتشارك سعد زغلول منفاه وتبكى لمقتل دولت فهمى وتكتشف أن أشد المدافعات والمطالبات بحقوق المرأة هى أكثر من خالفت ما نادت به ، ستجد أم كلثوم تحرص على أن تتصف بالبخل حتى لا يطمع فيها الطامعون وأن صاحب القنبلة ربما يكون أشد الناس حرصا على الخير والنفع وأن القلم كثيرا ما يكون مأجورا .

سترى الخوف فى عينى عبدالوهاب وستضحك مع ريرى التى فتنت القاهرة واخترقت قصورها وتوسطت أميراتها وحفلات أثريائها ، تقترب من منيرة المهدية وتعرف أكثر محمد التابعى وترى رحلة روز اليوسف وتسمع رنة القلم على وجه فاتن حمامة ...

وتعلم أن  كامل الشناوى كان يعتقد أن الناس أربعة " عالم يعرف أنه عالم فهذا حكيم فاتبعوه ، وعالم يجهل أنه عالم فهذا نائم فأيقظوه ، وجاهل يعرف أنه جاهل فاضربوه وعلموه ، وهذا جاهل يجهل أنه جاهل فهذا حمار فاركبوه " .

ثم يتركك فى خاتمة الكتاب مع سلسلة من الألغاز أبقاها الكاتب لك لتحلها بنفسك وتبحث عن صاحبها ...

الخميس، 13 نوفمبر 2025

عندما تتحول الأنفاس إلى هواء

 

اجعل لحياتك معنى قبل فوات الأوان

هذه هى العبارة التى دونت على الغلاف تحت العنوان الرئيسى للكتاب لكاتبه الطبيب " بول كولانثى "  ، صدر عربيا عن مكتبة جرير .

كان من جميل قدرى أن أقتنى هذا الكتاب فلم أكن على علم مسبق بمحتواه ولا موضوعه فضلا عن مؤلفه ولكنى إقتنيته ثقة فى دار النشر والتوزيع التى قامت بترجمته وتوزيعه فى المنطقة العربية لسابق مطالعتى لكثير من اصداراتها والتى دوما تتصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعا فى العالم منذ سنوات طوال .

من مقدمة  هذا الكتاب وحتى غلافه الخلفى قطعا سيترك فيك هذا الكتاب أثرا لن يمحوه مرور الوقت ، وصدقا ما جاء فى تعليق " أتول جاواندى " على هذا الكتاب " أن من يحتضرون هم أفضل من يمكنهم تعليمنا دروسا عن الحياة " .

يسرد المؤلف شيئا من سيرته الشخصية دون إفراط أو تفريط بلغة سهلة بديعة تدفعك دفعا لمطالعة الكتاب حتى نهايته ، يعرض أمامنا الكاتب حياة عائلته وانتقالهم من مدينة لأخرى ومراحل تعليمه وحرص والديه وخاصة والدته على أن توفر لهم أفضل مستوى ممكن من التعليم ثم عشقه للأدب بجانب عشقه للطب ودراسة كليهما والحصول على الشهادات الأكاديمية فيهما ، اختياره مجال جراحة الأعصاب ثم دراسة علم الأعصاب ، مراحل عمله من طبيب مبتدئ إلى طبيب مقيم ثم إلتحاقه بأفضل مراكز الأبحاث ...

من سعيه لمعرفة ماهية الموت ومنهجه فى أن يجعل الناس تحسن تقبله والتعامل معه ، يصف لنا الكثير من المعاناة فيجعلك تعيش مع أول جراحة  شارك فيها وأخر جراحة قام بها وأول مريض عايش وفاته وأحاديثه مع المرضى والأطباء وذويهم فيجعلك تشعر أنك تعيش مع المرضى وتراهم رأى العين فتارة تغلبك الدموع وتارة يطغى عليك الألم  .

يحدثنا عن أحلامه ثم يباغته المرض فيعلمنا بتطبيق عملى " كان القدوة فيه هو نفسه " كيف تعامل مع المرض وكيف استقبل الموت وهو فى عقده الرابع ..

ثم ترك لنا وراءه هذا الكتاب الماتع والفريد فى لغته وموضوعه فهو طبيب يصف لك المرض وأعراضه وعلاجه وكيف تتعامل معه فلقد عرف المرض منهج نظرى وعايشه عمليا عندما اقتحم جسده  واستمر معه حتى وفاته .

يعلمك هذا الكتاب كيف تجعل لحياتك قيمة وأن تحول كل أنفاسك إلى أثر فإن كان ليس بإمكانك بلوغ الكمال لكن قطعا يمكنك أن تناضل للاقتراب من المثالية قدر استطاعتك .

عاجل الموت الكاتب فانتهى منه قبل أن ينتهى من كتابه فأتمته زوجته " لوسى " وعملت على نشره وطباعته وفقا لوصيته فأبقى لنا أثرا سيحفر فى كل من طالع هذا الكتاب ...

أوصى بقرائته بشدة .



الأربعاء، 15 أكتوبر 2025

ع البحر

 

قدر اليوم أن أبتعد عن العمل وأمنح نفسى فاصلا لإلتقاط أنفاسى بعد كل هذه الأيام التى تمضى كانها سلسلة معقدة لا تكاد تتخطى إحدى حلقاتها حتى ترتطم بالتى تليها ، الأفكار تتوارد كثيرا لكن المكان الذى تستقر فيه يكون هو القدر المكتوب لك ، أصف السيارة لترتاح بعض الوقت بعد أن أنهكها الجرى لما يزيد عن ساعتين قطعت فيهما نحو مائة وخمسين كيلو مترا أو يزيد ، أبتاع ساندوتشات من المطعم بالناصية المواجهة للسيارة ثم أبتاع المياه من التاجر الذى يصف فاتريناته على بعد أمتار قليلة .

يشير إلى أحدهم يقول إن كنت ترغب بالجلوس على البحر فأدخل من هنا وأمشى مباشرة وأختار اى من المظلات التى تغطى المقاعد البيضاء أو الخضراء .

دقائق قليلة تتبقى على أذان الظهر والشاطئ خالى تماما سوى من بضع أشخاص فى أماكن متفرقة ، المياه انسحبت إلى الخلف قليلا فتركت مساحة رطبة ، نسيم البحر يداعب أنفى ، تقترب الموجات مسرعة نحوى ثم تجذبها أخواتها من ظهرها فتمنعها من معانقتى ، أحيانا تجذبها بعنف وأحيانا تبسط يدها على كتفها وأحيانا تقفز فوق عنقها فتخلف الكثير من الزبد كرسائل تشى بما فى جوفها .

على بعد مظلتين وعدة مقاعد  يولينى شابا ظهره تجلس عن يمينه فتاة ألقت برأسها فوق يديها المبسوطتين على المنضدة امامها ، يقبل من مطلع الشمس رجلا يحمل الجوارب تلاه اخر يحمل غزل البنات ثم اقبل فتيان يركبون أحصنة يجرون بها على الشاطئ فربما يستأجرها البعض من الزائرين .

أتناول الطعام ثم أطلب كوبا من الشاى ، أحب الشاى شديد السخونة ولكنه فى هذه المرة كان دافئا فالمسافة بين المقهى الذى تعد فيه المشروبات والمقاعد على الشاطئ كافية أن تنسحب الحرارة من الشاى وإن ضفت إلى المسافة البرودة الناتجة من نسيم البحر لكفى ذلك تفسيرا .

تقبل سيدة منتقبة تجلس على مسافة عدة مظلات عن يسارى ثم تلحقها نسوة أخريات ، أعداد قليلة انضمت إلى الجالسين ولازال المكان خاليا ، كل مظلة تحتها أربعة مقاعد أو يزيد يجلس عليها شخصان فقط إلا من رجل أقبل بصحبة ولديه وامرأته .

السفن تبحر هناك فى منتهى نظرى عند المكان الذى يعانق فيه البحر سحب السماء ،  يلقى البحر ما فى جوفه من الصدف وبعض الأسماك الصغيرة التى حملتها الموجات ثم خلفتها وراءها ورحلت فاستسلمت لحتفها ، تسرع قطة سوداء فتلتقط سمكة وتحملها فى فمها وتجرى فرحة تجلس بها بالقرب من مركب صيد نائم بالجوار وعندما تنتهى من الاستمتاع بإلتهامها تعود مرة أخرى إلى نفس المكان الذى إلتقطت منه السمكة تنتظر أن تطل صاحبات السمكة بحثا عنها فتاخذهم إليها .

بعض الشباب يمارسون رياضة الجرى على الشاطئ والبعض من الأكبر سنا يكتفى بالمشى وكنت من أولئك الذين قضوا بعض الوقت فى المشى يمينا ويسارا أطالع الأمواج وألتقط النسمات وألهو بصوت تكسير الصدف .

العصر يقترب ، أسدد المستحق وأحمل محفظتى وهاتفى وأغادر مقعدى ، أسير فى ذات الطريق الرملى الذى ينتهى بسياج من الأشجار التى تحيط المقهى ومن أمامه مكان انتظار السيارات .


السبت، 13 سبتمبر 2025

صلاة القلق

 

إلى جموع الصامتين الذين شهدوا على كل تاريخ لم يُكتب بعد

بهذا الاهداء بدأ " محمد سمير ندا " روايته البديعة " صلاة القلق والتى فازت عن استحقاق وجدارة بالجائزة العالمية للرواية العربية " البوكر العربية " لعام 2025 .

تتناول الرواية فترة ما بعد نكسة 67 ، تستعرض النكسة بشكل مغاير ، العبث بالوعى ، النفوذ والسلطة ، التلاعب بكل شئ والمتاجرة بكل شئ ، يصحبك صوت حليم مع صفحاتها .

جلسات متتالية كل جلسة يطل فيها وجه جديد وكل يحكى حكايته ويروى ملحمته ، يذكر ما مضى وما يتمنى حدوثه وتتقاطع الطرق وتلتقى ، تتلاعب بك الأحداث فكلما تقدمت للأمام أعادتك للخلف ثانية تبحث معها مجددا .

صحراء قاسية وليل موجعة ظلمته ، شيخ يبحث لنفسه عن كرامه ، وقابلة تحمل الفرح والوجع ، شواهى قبلة الولى والصبى .

سائر بليل يفضح الستر وأخرس شاهد على كل واقعة وطاغية يحكم قبضته ، لا يُعرف من أين قدم ولا ما تخفيه سريرته .

قرية منسية تحكى عشر سنوات قاسية ، شجرة جميز ، ترعة صماء ، جمال هاربة وتمثال يخيف رجال النجع وتنتشى النساء بسيرته .

صرخات وجع ، صرخات تمرد ، صرخات خوف وصرخات حرية ، عشرية قاسية على الجميع فلم يسلم من وجعها أحد ، بدأت بانفجار غامض تلاه دوى هائل صم أذان الأجنة فى الأرحام وانتهت نار تسود المشهد " تخترق ستر الليل وتنعكس لمعتها فى الأحداق فتلفظ المشاعل غضبها حمما بين الزروع ، صلاة قلق قد تكون هى المنجية .



الأربعاء، 10 سبتمبر 2025

التأشيرة " 16 "

 

صلينا المغرب ثم اصطحبت أمى وأخرين لنتوجه إلى الحرم لإتمام المناسك والطواف والسعى ولكن الازدحام الشديد واستغلال السائقون للأمر جعلنا ننتظر الكثير من الوقت حتى أتيح لنا استقلال سيارة بسعر معقول ، نعم يزيد عن عشرة أضعاف السعر الطبيعى لكنه معقول وسط هذا الاستغلال وما عند الله خير وأبقى ، انطلقت بنا السيارة حتى الحرم وكانت الساعة حينها قد تخطت التاسعة مساء .

نخطو الى الحرم ولأول مرة تقر عينى برؤية الكعبة المشرفة ، ارفع يدى الى السماء قائلا " اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا " ، يوجهنا الحراس نحو الدرج ونصعد إلى الطابق الأخير فالازدحام شديد .

على مهل طفنا حول البيت سبعة أشواط وصلينا خلف مقام ابراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وازكى السلام ، شربنا من ماء زمزم حتى ارتوينا ثم بدأنا السعى بين الصفا والمروة وقبل أن ننتهى أذن علينا الفجر فصلينا الفجر وتبعته صلاة جنازة ثم أتممنا مناسكنا .

عندما انتهينا كانت الشمس قد أشرقت والنور قد علا سماء مكه ، أما الشوارع فقد كان يتسابق فيها الناس عند قدوم كل سيارة فربما يوافق سائقها على أن يقلهم إلى مساكنهم ، ولم يكن حظنا بأسعد من غيرنا فقد جرينا يمينا كثيرا وشمالا كثيرا وطلبت من أمى وصحبتها الجلوس على الرصيف حتى نتمكن من إيقاف سيارة بأجر معقول وانقضى بعض الوقت حتى أذن الله بذلك .

فى الطريق لم يكف السائق عن محادثة أصحابه وأخبرنى انهم كونوا مجموعات لمتابعة حركة السير وأى الشوارع أيسر خاصة فى هذا الازدحام ورغم أننا لازلنا فى الصباح إلا أن الازدحام كان شديدا جدا فاستغرقت السيارة بعض الوقت حتى وصلنا ، غادرت انا اولا بالقرب من مسكنى واخبرت أمى أن لا تنزل ثانية وبأننى سأتم عنها رمى الجمرات ، ودعتهم ثم أتمت أمى وصاحبتها وزوجها المسير لدقائق معدودة حتى وصلوا مقر إقامتهم .

الأحد، 7 سبتمبر 2025

التأشيرة " 15 "

 

غادرت المنزل انعطفت ناحية اليسار ثم اليمين حتى وصلت الى الطريق الرئيسى فإذا بازدحام كأنه يوم الحشر فلم أرى مثل هذا الزحام من قبل ، أشرت إلى تاكسى فوقف لى فوجدت سائقه يحمل احدى جنسيات جنوب شرق اسيا كعادة الذين يقودون السيارات هنا فسألته عن الأجر فقال مائتا ريال فتركت السيارة ونزلت لشدة المبالغة فى المبلغ الذى طلبه ، فتحت الخرائط مرة ثانية وقررت أن أذهب إلى أمى سيرا على قدمى فكما تشير الخرائط أن المسافة قريبة وفى كل الأحوال السير أفضل فى هذا الوقت لولا ملاحقات الشرطة والحرارة والرطوبة التى لا تحتمل .

استعنت بالله وقطعت الطريق إلى الجهة المعاكسة وانطلقت سيرا متتبعا أثر الخرائط ، تجنبت أفراد الشرطة فى البداية ثم لم أجد بدا من سؤالهم عن وجهتى ، انعطفت يمينا فسرت فى شارع يأخذ فى الارتفاع شيئا فشيئا ثم منه اتجهت ناحية اليسار الى شارع أخر فى طريق السير فيه كصعود جبل ثم انعطفت منه ناحية اليمين وكان العطش قد بلغ بى مبلغا لا يحتمل فوجدت أحدهم يجلس أمام بيت وبيده زجاجة مياه فطلبت منه شربة ماء فأعطانى الزجاجة وقال لها دعها لك فشكرته وواصلت السير .

انعطفت يمينا حسبما تشير الخرائط ثم مرة أخيرة إلى اليمين فوجدت البيت المنشود ، صعدت الدرج حتى وصلت الشقة التى يفترض أن تقطن بها والدتى ومن معها ، طرقت الباب ففتح لى أحدهم فسألتهم عنها حتى اتأكد أن العنوان صحيح فأسرعوا بالنداء عليها .

ما يزيد عن الشهر لم تقر عينى برؤية امى ولم أسمع صوتها فى الأيام الأخيرة ولم أعرف عنها أى شئ ، كان يقتلنى الخوف عليها مما كنت أسمع أنه يحدث وحدث وعايشته بنفسى من أفعال ، تصاعدت دقات قلبى وأنا أنتظر قدوم أمى وسبقت الدموع عينى ، أقبلت أمى بوجه كالقمر وسكينة ملائكة السماء ينبع من عينيها النور ونظرة حائرة فلم تكن تعلم من الذين أتى سائلا عنها ، حتى رأتنى فترقرت الدموع فاختلطت بأنفاسها  .

عانقتها كثيرا ولم تصدق أمى أننى أمامها فأخبرتها أنى وصلت أمس للتو وتوجهت مباشرة إلى عرفات ولم أقصى عليها شيئا مما حدث معى كى لا تحزن ، أقبل معارفنا الذين كانوا بصحبة أمى من أهل قريتنا فسلمت عليهم وجلسنا سويا ثم اتصلت على أسرتى فى البلد كى يتمكنوا من محادثة أمى والاطمئنان عليها .

السبت، 6 سبتمبر 2025

التأشيرة " 14 "

 

انتهينا من رمى الجمرات وانطلقنا متجهين نحو العزيزية الشمالية حيث المكان الذى استئجرناه مسبقا كى نقيم فيه أيام الحج ، قادنى صاحبى الى المسكن وافترق عنا صاحبينا فقد اتخذوا مسكنا أخر ، الشوارع مزدحمة جدا وسيارات الشرطة فى كل ناصية ، وصلنا البيت وركبنا المصعد الى الطابق الثالث ، فتح صاحبى الغرفة وقال ان تلك الغرفة التى نقيم بها وكنا قد دفعنا لها مقابل الايجار قبل سفرنا بفترة ودفعنا اكثر من الخرين لأن بالغرفة دورة مياه خاصة بنا، خمسة اسرة مغطاة بفرش بيضاء ، تلفاز ، مكيف هواء لا غنى عنه فى هذه البقعة أبدا ولا تقوى على إيقافه ولو لدقائق من ليل أو نهار وتساعده المراوح ايضا .

وضعت حقيبتى وألقيت بجسدى على السرير بملابس الاحرام فلم أحلق شعرى بعد حتى أستطيع التحلل من إحرامى ، تواصلت مع أسرتى وهنأتهم بالعيد وسألتهم عن أمى وأخبرتهم أنى سأحاول اليوم الوصول إليها مهما كلف الأمر ثم استسلمت للنوم حتى خارت قوايا وغرقت كليا   .

ساعات قضيتها فى النوم وعندما استيقظت وجدت الغرفة امتلأت ، عرفنى أصحابى على الأشخاص الأخرين ثم تناولنا بعض الطعام ، توضأت وصليت ونزلت الى الشارع بحثا عن حلاق كى أحلق شعرى حتى أستطيع التحلل من إحرامى ، تجولت فى عدة شوارع محيطة إلى أن وجدت أحدهم وكان يقف أمامه الكثير من الحجاج فى انتظار دورهم وغيرهم انتهوا منه فخرج ورأسه مخضبة بالدماء من فعل موسى الحلاقة ، شاب يجلس على كرسى أمام المحل يحصل الأجر ويعطيك ورقة صغيرة مدون عليه رقمك ، محل صغير يعمل به ثلاثة من الهنود أو من الجنسيات القريبة منهم ، يجلس المنتظرون فى الخلف ممن سمح لهم بالدخول كى يتقدموا للحلاقة ، يصطفون على مقعد صغير ، أشار لى أحد الحلاقين فتقدمت ودقائق قليلة كان قد انتهى منى ، خرجت حامدا الله أن رأسى لم تخضبه الدماء مثل الذين سبقونى ، انعطفت ناحية اليمين ثم يمين أخر حتى وصلت البيت الذى نسكن فيه ثم صعدت إلى الطابق الثالث ودخلت إلى الشقة التى بها غرفة إقامتى ، جهزت ملابسى ودخلت إلى الحمام فاغتسلت ثم خرجت فصليت العصر وأخبرتهم أنى سأبحث عن أمى .

هاتفت الرجل المسئول عن سفر والدتى والمرافق لفوجها وطلبت منه أن يرسل لى الموقع الذى يقيمون فيه وفتحته على خرائط جوجل فوجدته لا يبعد عنى كثيرا .

السبت، 31 مايو 2025

التأشيرة " 13 "

غربت شمس يوم عرفة وانطلق الساعون نحو مزدلفة لأداء صلاة المغرب والعشاء جمعا وقصرا ، أتكئ على صاحبى يدعم أحدنا الأخر ، بلغ منى التعب مبلغه ، اللسان لا يكف عن الذكروالتلبية والعين لا تجف من الدمع والقلب يغمره الشكر والعقل مهموم على والدتى .

الكل يخطو نحو مزدلفة وكأننا فى يوم الحشر والناس ملتحفون بإحرامهم متجهون إلى محشرهم ، المسافة بين عرفات ومزدلفة في حدود سبعة كيلومترات ، كيف لأمى أن تمشى هذه المسافة ؟، أدعوا لو أن حافلة حملتها مع ركابها هى وصاحباتها ، توزع بعض العصائر والمياه والمأكولات ، يحضر لنا صاحبى منها ، الإعياء يغلبنى ، نجلس بجوار جذع شجرة ، نأكل ونرتاح قليلا ثم نواصل السير .

نصل إلى مزدلفة فنبدأ بالصلاة ثم نهاتف أصحابنا ونبحث عن مكان جلوسهم حتى نلحق بهم ، نجلس سويا جزءا من الليل ثم ننطلق لنقترب من مسجد المشعر الحرام ، نبيت الليلة فى مزدلفة ، الزحام شديد وافترقنا عن بعضنا بسبب التدافع ، الكل يفترش الأرض ولا موضع لقدم ، هنا تماما كيوم الحشر ، لا تعرف من الأمير ومن الغفير ، لا تعرف من الغنى ومن الفقير ، وقطعا أتكلم عن الذين يسعون ويسيرون معنا ويجلسون بالقرب منا بخلاف الذين خصصت لهم أماكن وخيام مكيفة وأعدت لهم وسائد وفرش يتكئون عليها .

وجدت وصاحبى مكانا جلسنا فيه بجانب سور من السلك وأمامنا مباشرة منافذ المياه التى لا تخلو من أحد يشرب أو أحد يتطهر ، والمياه يندفع تحتنا ونحن جلوس ولكن لا مكان أخر نذهب إليه ، نقضى الوقت حتى يقترب الفجر فنجمع الحصى ثم ننطلق لمسجد المشعر الحرام لندرك الفجر فى أول وقته وهناك كان الزحام أشد فلم نستطع دخول المسجد أو حتى الاقتراب أكثر فانضممنا لصفوف المصلين بالخارج فصلينا ثم دعونا الله ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) .

نجمع حقائبنا ونبحث عن صاحبينا وننطلق نحو مشعر منى لرمى جمرة العقبة الكبرى ، الجنود يرشدون الحجاج للطريق ويطلبون منهم أن يشملهم الدعاء ويرطبون بالماء أجسادنا ورؤوسنا .

سبع حصيات نرمى بها الشيطان فنكبر وندعو مع مرى كل حصاة ونقول "  اللهم اجعله حجا مبرورا وذنبا مغفورا،  بسم الله والله أكبر رجمًا للشيطان ورضا للرحمن ، اللهم اجعله حجًا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا ، الله أكبر الله أكبر الله أكبر" . 

الأربعاء، 8 يناير 2025

التاشيرة " 12 "

 

بحثت عن مرافقى وعمته فلم أجدهم وكيف لى أن أجدهم فى وسط كل هذه الأفواج ، أخذت أسير بين الجموع التى أقبلت من كل حدب وصوب تلبى أذان الحج ثم ركنت خلف حافلة ووضعت حقيبتى وجلست ، تناولت بسكوتا وتبعته بعلبة من العصير ، أرتحت بعض الوقت ثم قمت مجددا لأبحث عن أمى .

سألت ضابطا كيف أصل إلى مسجد نمرة فأخبرنى ، فعدت إلى الجهة الأخرى كما قال وأخذت أبحث عن طريق الوصول إلى المسجد حتى وصلت ، كان الجميع يستعد لغروب شمس يوم عرفة ، الأعمدة تقذف بالمياه فوق رؤوس الملبين فترطب شيئا من حرارة الشمس التى يبدو أنها استعدت بكل قسوتها لهذا اليوم وكل فى حاله مشغول .

أسير ناحية المسجد ، أمامه وجدت تجمعا من الناس يبكون حول جسد مغطى فانخلع قلبى فزعا ، أخذت أقلب فى الوجوه بفزع ودوع عينى تسبقنى ، أبحث فى كل وجه عسى أن أجد أحدا أعرفه ، ثم سمعت كلاما أنها كانت تحدث ابنها على الهاتف للتو ، اقتربت من الجسد المغطى وسألت صاحباتها فعرفت هويتها ، خلفتهم ورائى ودخلت إلى صحن المسجد .

أخذت أدور على الصفوف بالمسجد صفا صفا ، أذهب هنا وهناك ، حتى وقفت على رؤوس النيام ، أحاول أن ألتقط بعينى أحدا من بلدتنا أسأله عنهم ، ظللت أبحث وأبحث حتى وصلت إلى الجهة الأخرى من المسجد ووجدت الناس يتجمعون أمام المسجد فى تجمع ضخم ، تسللت من بينهم بصعوبة حتى وقفت فى مكان مرتفع فى المؤخرة أطالع الوجوه عسى أن تلتقى الأعين .

حلقى غلبنى وجف كعادته معى فى هذه الرحلة فلم أقوى حتى على النطق ، بالإشارة طلبت ماء من احدى السيدات ففزعت من عدم قدرتى على النطق وأعطتنى الزجاجة وعندما هممت لأعيدها لها ورفضت وطلبت منى الاحتفاظ بها ، بدأ الجميع فى مغادرة عرفات فجلست أرتاح قليلا فقد غلبنى الإعياء .

 جاءنى اتصال من صديق لى كنا قد رتبنا للاقامة معا ولكنه سبقنى وسافر قبلى بفترة وعانى كثيرا أيضا فى محاولات التخفى من الشرطة والانتقال من مكان إلى مكان حتى يسر الله له الأمر ، أخبرنى أنه أمام مسجد نمرة واتفقنا أن ينتظرنى فى المكان الذى يقف فيه وأنا سأحاول الوصول إليه وكانت معاناة شديدة فى تخطى الصفوف والسير بين الجموع المتجهة إلى ناحية أخرى وبعد سعى وبحث وصلت إليه ، شعرت براحة غريبة وتعانقنا كثيرا حتى بكت عينى ، قال لى أجلس ، أعطانى تفاحة وماء وعصير ، سألته عن أصحابنا الأخرين فقال أننا سنلتقى بهم بعد قليل  .