الثلاثاء، 19 يناير 2016

لم نعد صغارا (2)

النوم رسول النسيان ، يقدم إلينا ويحمل فى جعبته الراحة مما نعانى والسلام والأمن مما نخاف ، يتسلل إلى داخلنا ببطئ حتى يتملك منا كليا فتستسلم له كل جوارحنا وفى أحيان كثيرة من شدة الاعياء والارهاق نسأل الله أن يعجل ببعثه إلينا وفى بعض الأوقات يكون أوان بعثته لم يحن بعد فيتأخر علينا لحين ولوج وقته ، يأخذنا إلى حيث هناك ، عوالم أخرى وشخصيات وأماكن ربما لم نلقها يوما وربما كانت معنا وفارقتنا وربما لازالت تحيا معنا وربما لم يخطر ببالنا يوما أن نلتقيهم وربما تكون مفاجآته لنا مع عوالم لم نشاهدها قبلا ، عوالم من الجن أو عوالم من الملائكة أو عوالم من الجماد وحكايات من الأساطير ، وحيوانات شرابها اللهب ومشاعر وقودها الندى ، محطات قديمة ومبانى مهدمة وألبسة غير التى نعرف ، أحداث ربما بعضها حدث فى التاريخ يوما فى أوقات غير التى نحياها وربما يكون بعضها لم يحدث بعد وربما بعضها هذا وقته وأحيانا تصادق رؤى النوم أحداث اليقظة ، زخم الكلمات والرؤى والأحداث ، الكل فى آن واحد ، بعض الرؤى نتمنى ألا تنتهى وبعضها نصحو من نومنا وقد نسيناه وكأن لم يكن وبعضها يترك فينا من آثاره الكثير.
أحيانا يعاندنا فلا يقرب ديارنا وكأنه يعاقبنا لطول سهرنا ومجافتنا له ، يجعلنا ننفق الكثير والكثير فى سبيل زيارته لنا ولو لوقت ضئيل ، كل ما يهمنا أن يأتى ، ألا يعلم أن دقائق قليلة منه كفيلة بتغيير كل الإعياء والمشقة التى كابدناها فى يومنا ، نختبئ فيه من أوجاعنا وخسائرنا ، يريحنا من آثام كثر اقترافها ويهون على الأخرين مغبة أفعالنا بهم .
نم يا صغيرى ، أقذف تلك الكرة بعيدا وهرول خلفها ، بيت المكعبات تهدمت أسواره ، الأميرة تتبعها الساحرة تبغى سرقة شعرها ، الأقزام يحيطون الجميلة يحمونها من كل من يكيد لها شرا ، جيرى وتوم يتصارعان فى حكايات جديدة ، الأيس كريم الذى تحبه فى الثلاجة ، مدرستك ترسم لك نجمه فى كشكولك وتلصق لك فى صفحة الكتاب ملصق سبايدرمان المفضل لك ، دراجة جميلة وبابا فى سباق سيارات مع الأخرين ، اصدمهم بابا ، هيا اسبقهم ، بسرعة ..بسرعة بابا .
يبكى الصغير فتصحو أمه من النوم متكدرة تلقمه ثديها عساه ينام ثانية ، يعلو صراخه فتنظر فى ملابسه وتغادر الفراش تنظفه وتبدل له الحفاضه ، تلاطفه وتلاعبه فيضحك بعلو صوته ، تطفئ الأنوار فيبكى مجددا فتلقمه ثديها مرة أخرى فيعاندها قليلا ثم فى النهاية يستسلم لرغبتها وينام مضطرا ، تفرد الأغطية التى سقطت من على ومن على صغيرنا الأخر ، تُقبل الصبى وتضم الرضيع إلى حضنها وتنام .
يصحو الصبى ويطرق على وجهى ببطئ يخبرنى أنه عطشان ، أمد يدى أحضر زجاجة الماء ، يشرب حتى يرتوى وأطلب منه أن ينام مجددا وأغطيه لكنه كعادته يكره الأغطية فيقذفها بقدمه فأعيد الكرة مجددا ، غطى نفسك جيدا حتى لا تبرد فليل الشتاء قاسى ، على مضض يقبل أن يغطى جسده ويحيط وجهى بكفيه الصغيرين ويبتسم ويطلب منى أن أشترى له بعض ما يحب فى الصباح فأعده بأن أفعل ..

تطرب مسامعى ابتهالات الفجر وينادى على رسول النوم ويشتد البرد فأتدثر فى الألحفة فتغفو عينى ثم أغالب شيطانى وأنزع الغطاء عن جسدى وأقوم الى الصلاة ، نسيم الفجر طيب خالى من الملوثات ، صافية هى الأجواء لم تكدرها بعد أثام الخلق ، الكثير غارق فى نوم عميق وبعض من اصطفاهم الله استيقظوا ملبين نداءه ، على عجلة يتلهفون لزيارته ، يطيب لهم ذكره ، وجوههم أسرجة منيرة تشق عتمة الليل ، "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " .

الجمعة، 15 يناير 2016

لم نعد صغارا (1)

انقضى وقت الرياضة الأسبوعى وعاد كل منا الى منزله ، اغتسال سريع وأداء لصلاة المغرب ، تناول لوجبة الغداء تبعها شاى ساخن يعدل برودة الجو بعض الشئ .
صلاة العشاء يتبعها نزهة سريعة بالسيارة لاحضار بعض المسليات التى نستعين بها على قضاء الليل ، برامج منوعات ، ومباراة فى كرة القدم مملة كالعادة ، الصداع يتسلل ببطئ الى رأسى ثم تتعالى أمواجه شيئا فشئ .
شئ يطرف عينى لا اعلم ما هو تحديدا ، بأطراف أصابعى احاول ازالة ما استقر بعينى ، المحاولة أدت الى احمرار عينى ودب الألم فيها ليشغلنى وجعها عما لحق برأسى ، أذهب الى المرآة أحاول رؤية الشئ الذى سكن عينى ولكنى أعود بخفى حنين ، أمسح عينى بطرف قماشة ثم أدخل إلى مكتبى يصحبنى ألم عينى وبقايا صداع يغلف رأسى ...
قلمى وأوراقى بجوار حاسوبى أستعين بثلاثتهم على قضاء ما تبقى من الوقت قبل أن تلفحنى رياح النوم .
نام طفلى الصغير بينما أخيه الأكبر يتنقل بين شاشة الحاسب وشاشة التلفاز ، فى صراع دائم مع أمه عن أى القنوات يستقر الأمر عليها ، هى تريده أن يدعها تشاهد المسلسلات المدبلجة التى ملأت الشاشات أو فيلم او مسرحية وهو يريدها أن تصحبه فى رحلته بين قنوات الأطفال وكل فاصل يتنقل فيه الى قناة أخرى ، الفار الطباخ ، توم وجيرى ، لوجينى ، تنة ورنة ، أندى ، تيمون وبومبه ، سيمبا ، القوقع السريع ، الى اللانهائية وما بعدها ، باظياطير ، السندباد ، سلاحف النينجا ، روبنزون ، الخارقون ، السنافر ..... صرت أحفظ اسماء الأبطال والأحداث التى تجرى فى كل فيلم عن ظهر قلب .
يختلفان فيقدم الصغير الى مكتبى ويطلب منى أن أحدث أمه لتبدل له القناة ويذهب ويجئ وأنا عاكف على قلمى وأوراقى لا أبغى لهما فراقا ، أمه متمسكة بمشاهدة المسلسل وهو يتفق معها على شئ ويطلب منها أن تسألنى أن أسمح له مثلا باللعب على هاتفى لأنه مل من اللعب على حاسوبه ولم يفلح فى مفاوضاته مع امه لجعلها تترك المسلسل وتحقق له ما يريد ، يبقى الصغير برفقتى بعض الوقت يجئ ويروح ويكرر نفس السؤال ، ماما عاوزه تكلمك ، أذهب اليها فتخبرنى أنه يريد اللعب على هاتفى كما توقعت ...ارفض ، أبدل له القناة يرفض ويقول لا أريد مشاهدة ذلك الفيلم شاهدته من قبل رغم أن كل ما يشاهده شاهده مرات يفوق عددها عدد شهور عمره ، أغلق التلفاز وأعود الى مكتبى أكمل كتابتى ، فى الوقت الذى غضب فيه الصغير وغادر ليجلس بمفرده فى الصالة معلنا بذلك عن تأففه من رفضى للعبه بهاتفى .
أحيانا كثيرة يزعجنى بأسئلته وطلباته التى لا تنتهى لكنه يزعج أمه أكثر منى بمراحل ، كأن يسألها مثلا بعد منتصف الليل أن تحضر له نوعا معينا من الطعام فى الوقت الذى يكون فيه هذا النوع غير متوفر بالمنزل فتعرض عليه الانواع الموجودة واحدا واحدا ولكنه يقابل الكل بالرفض الى أن يقبل فى النهاية على مضض ، تحضر له الطعام ولا يتناول منه سوى لقيمات بسيطة لا تكفى لسد جوع رضيع ، تغضب أمه وتشتاط غضبا وتقسم باغلظ الأيمان أنها لن تصنع له شيئا مجددا ولو ظل يبكى أمامها حتى الصباح وفى اليوم التالى يعود لفعلته وتعود لتفعل ثم تقسم  مجددا ...
عندما تجبره على النوم يدعى أنه جوعان ثم يختار أنواع من الطعام تحتاج بعض الوقت لكى تجهز وعندما تقدم له امه وتجلس لتساعده فى تناول طعامه يرفض ويقول سآكل وحدى ويترك الطعام أمامه لوقت طويل ، يغلبنا النوم فننام ونصحو على صوت الرضيع باكيا فنجد الأخر مازال على حاله يعبث بالقنوات والطعام على حاله ينتظر من يتناوله ، وكأن جوعه رحل مع أول فرسخ من غوصنا فى النوم .

دوما الصغار يتشبثون بطلباتهم ولا يتنازلوا عنها إلا بعد أن يتحقق لهم ما أرادوا وتسسعفهم دموعهم دوما فى سعيهم لذلك فيضعف كل منا أمامهم ويحقق لهم مرادهم ، ليتنا مثل الصغار فى التمسك باحلامنا ولكن .......لم نعد صغارا .

بابا عاوز أنام ومش عارف أنام ومش لاقى حاجة اعملها ...حاضر أنا جايلك عشان تنام فى حضنى .

الاثنين، 11 يناير 2016

لفت إنتباه

كثيرة هى المشاهد التى نمر عليها فى حياتنا اليومية دون أن نعطيها أى انتباه رغم ان تلك النظرة ستحدث فارقا كبيرا فى مجتمعنا ان حدثت ولكن لم نمنح أنفسنا الفرصة لفعل ذلك ، حجج وتبريرات كثيرة نستخدمها ونتداولها فيما بيننا لندع عدم التقصير اذا ما وقفنا أمام مرآة تفضح إلينا ذاتنا ، تبريراتنا تسبب لنا الكثير مما الضرر ، اتخذناها مدعاة لنفلت من حساب المرآة لنا ولكننا لن نفلت من حساب مجتمعنا وبيئتنا المحيطة بنا فتلك الأماكن تأخذها بحقها أولا باول وتعاقب من يهمل فى حقها والله منحها الكثير من الأساليب ليتسنى لها معاقبة من قصر فى حقها .
ظاهرة بسيطة لكنها تحوى فى طياتها الكثير من الأثار السلبية المترتبة عليها وهى وضع صناديق القمامة فى غير الأماكن المناسبة لذلك وبمعنى أصح وضع صناديق القمامة فى منتصف الطرق والشوارع وكأن القائمين على عملية النظافة يتفنون فى تضييق السبل على المارة من المشاة والسيارات ، ويتبع كل ذلك بما يزيد الطين بلة ، فهم من جهتهم وضعوا الصناديق فى وسط الطريق ونحن نشغل باقى المنطقة المحيطة برمى القمامة خارج الصناديق حتى تصبح المنطقة المحيطة بتلك الصناديق شبيهة بالمقالب العمومية ، أصابنا الكسل فلا نكلف أنفسنا عناء الترجل من سياراتنا والسير مسافة لا تزيد عن المتر او المترين لوضع القمامة داخل الصناديق ، وإن تغلبنا على كسلنا فنزلنا نقوم بقذف أكياس القمامة فتنثر محتوياتها حول الصناديق فتملأ المكان حولها بكل ما فسد وأفسد .
تتكدس القمامة فتتعفن رائحة المكان فتصبحا مرتعا للحشرات تحوم حولها جماعات شتى وتحيطها الحيوانات من الكلاب والقطط فتنهشها هى الأخرى وتنثرها فى كل فج وكل حسب غنيمته التى فاز بها .
تنتشر الأمراض والأوبئة المعدية وتنتقل الحيوانات المصابة من مكان لمكان فتنقل العدوى لكل مكان تحل به فتفسد الصحة وتنفق الأموال وينزف الوطن .
كانت ولازالت مشكلة تكدس القمامة والقاذورات من أكثر المشاكل تخمة وخاصة فى المدن الكبرى مهما بلغت درجة رقيها ، فإذا من الله على إحدى المناطق وكانت الشركات القائمة باعمال النظافة تلتزم بإيجاد صناديق القمامة وتوزيعها فى أماكن معروفة ، فيكفر سكان تلك المناطق بهذه النعمه ويحولون المناطق المحيطة بتلك الصناديق إلى تجمعات للقمامة فيعملون على إقامة عشوائيات جديدة فى كل منطقة ، بالله عليكم هل تقبلون لمساكنكم أن تكون مغلفة بالقاذورات ؟! .
وللأعزاء العاملين فى شركات النظافة مع اعترافنا بفضلهم وأنهم يقومون بتنظيف ما نفسده نحن ولم يتوانوا ويتكاسلوا فى أوقات كثيرة ولم يحذوا حذو غيرهم ويضربون فى وقت حاجة الوطن الى مساعيهم رغم الاضمحلال الشديد فى أجورهم والعائد الذى يحصلون عليه ، هل أكملتم حسن صنيعكم ونحيتم تلك الصناديق جانبا عن الطريق كى تفسحوا المجال للسير وهل أتبعتم ذلك بتوزيع جيد لتلك الصناديق حسب حاجة المناطق لها وفقا للتوزيع السكانى لكل منطقة مع اختيار مناسب لأماكن وضع تلك الصناديق ، ليكون ذلك عونا على إبراز جمال بلادنا والمحافظة على ثرواتها وممتلكاتها فكم من مناطق أثرية أصبحت مقالب قمامة عمومية والكل يعلم بذلك ولكن ..!
يقولون أننا شعيب متدين بالفطرة فمن أين أتت تلك الأفعال إذن ، إذا كانت كل الشرائع السماوية حست على النظافة وجعلتها من سبل التقرب الى الله ، فالله جميل يحب كل جميل .

عسى أن تكون للكلمات صدى ولا يصدق فينا قول القائل " فإنك تسمع لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى " .

الجمعة، 8 يناير 2016

غصة فى الحلق

أتدرى يا صديقى ما أشعر به الآن ؟
هو ذاك الشعور الذى يعانيه ذاك الذى أنفق عليه والديه كل ما يملكون من أجل أن يتعلم وهو لم يقصر ،  واصل الليل بالنهار حتى يحقق رغبة والديه ويتخرج بأعلى الشهادات ، وعندما تحقق لهم ما أرادوا ، وعلى أعتاب الوظيفة ضاع كل ذلك سدى ، لأن أحدهم والده فلان تقلد الوظيفة نيابة عنه ، لأن والده ليس من أولئك المسموح لأبنائهم بشغل تلك المناصب ، ساعتها لم يدرى على من يلقى اللوم ، على والديه لأنهم كانوا سببا فى ضياع وظيفته بعد كل هذا الجهد ، أم على نفسه لأنه أرهق ذاته كل هذه السنوات ظنا منه أنه بذاك يصف الدرجات تباعا فى طريق حلمه ، أم على غيرهما يلوم ؟!.
أتدرى يا صديقى ما أشعر به الآن ؟
أشعر وكأن شوكة علقت فى حلقى ، كسد صامد فى مواجهة كل شئ ، حصن منيع تهدم على جدرانه كل ما سكبته عليه من ماء وكل ما قذفته نحوه من مأكولات ومشروبات عساه يختلط بها فيذهب معها ، سلك شائك يفصل بين الحياة والموت ، نحاول الفرار مما خلفه ونكد من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى لكن تلك الشوكة أبت ، كأنها أتتها الفرصة مواتية لتفعل بنا كل ما يحلو لها ، كمثل صعلوك قادتك أقدراك لأن تقع فريسة بين مخالبه ، لحم شهى وقع فى طريق كلب جائع يلهث نحوها ويسيل لعابه عليها ، صعلوك يسلط عليك أنواع جنونه وألوان سفاهاته ، يقربك حتى تظن أنه عفا عنك ويبعدك حتى تظن أنه قاتلك ، يعذبك فتصرخ ويبش لك فتبتهج وهو فى كل الحالات يعبث بروحك وفكرك .
تحاول عبثا سكب المزيد من الماء ربما ترحل تلك الشوكة معه  أو تتحرك من مكانها الى غيره  وتعمل بنصيحتهم فتلتهم شطائر من الخبز عساها تلتصق بها فترحل معها ولكن الكل يضيع هباء منثورا ، مقدر عليك أن تعانى ذلك ، وقت كُتب أن تمضيه تعانى سخافات هذا الصعلوك ، لن أدعك ترحل قبل أن تغنى لى ...أغنى لك ..نعم تغنى لى ..ولكنى لا حيلة لى على الغناء ... لابد أن تغنى ، غنى عن سعادتك بأفعالى معك ، عن شعورك وإحساسك المبتهج بلقائنا هذا .
 أتذكر ! سابقا فعلت بى ما يشبه هذا ، كنت أسير فى الشتاء أرتجف دون ستر ولم تنتبه لى ، كانت كل أطراف جسدى ترتعد ولم يلقى أحدا لى بالا ، خرق بالية كنت أغلف بها جسدى وأمام أى تجمع للقاذورات ألقى بجسدى دفعة واحدة ، أبحث عن شئ أدفئ به جوفى من تلك الفضلات التى تلقون بها للكلاب الضالة ، كلاب الشوارع ليست ككلابكم المرفهة التى إعتدتم صحبتها أينما حللتم ، تعدون لها أفخر الأطعمه وتنشئون الجمعيات تطالب بحقوقها وتوفرون لهم أماكن العيش وسبل الحياة ، ونحن ..من نحن ؟! .. لم نساوى فى نظركم الكلاب .
أقلب فى أكوام القمامة عسانى أجد سترة قديمة تخفف منها أحدكم وألقاها فى القمامة ليفرغ خزانة ملابسه من تلك الأشياء التى ما عادت تناسبه ، سترة استتر بها من تلك التى نهشتها الأيام .
أتعلم حتى كلاب الشوارع لا تتعرض لكم ، تهابكم ، لكن متعتهم فى تعذيبنا والسعى خلفنا وملاحقتنا فى اى موضع كنا .
كنت أموت مرضا وجوعا وخوفا وبردا وأنتم تلاعبون زوجاتكم وأولادكم على الأسرة والفرش ، الآن تسألنى عفوا ورحمة ؟! هل سبق وأن أعطيتنى شيئا مما تسأل !. لقد كنت قاسيا جدا بى وكنت ظالما جدا معى حتى أنك كنت تخشى النظر نحوى إذا تعثرت بى فى الطرقات خشية أن تلوث نظرك بهيئتى ، كان وجهك يمتعض وتمنع أولادك من الإماءة الى أو الابتسام فى وجهى حتى ...حتى الابتسامة حرمتنى منها ثم تسألنى رحمة وعفوا .
إن كنت لا تقوى على الغناء إرقص ...أرقص ...نعم إرقص ..تلوى أمامى فوق تلك التجمعات من كسر الزجاج ، أما كنتم تفعلون ذلك فى لهوكم ، كنتم تقهقهون بأعلى ما عندكم عندما ترون الدماء تخضب أقدامنا ، الآن أتتك الفرصة كى ترقص أنت عليها ، أتعلم كم من المرات اتخذت شرائح الزجاج المكسور وسادة لى ؟ أتعلم كم من المرات إخترقت قدمى بينما أسير حافيا لا أملك ما أستطيع به اقتناء حذاء ، كنت أصنع من زجاجات المياه الفارغة حذاء ، أفتحها من الجهتين  وأقطع شطرا صغيرا من الأمام ومثليه من الخلف من أعلى الزجاجة فتصير حذاء أعقد حوله خيطا حتى لا يفر من قدمى .
أتعلم كم من المرات غطى الأرض دمى ؟ لا تعلم ولن تعلم لأنك لم ترانى يوما ولم يخطر فى بالك أن تكون مكانى ، لو جال ببالك ذلك الخاطر يوما لكانت أشياء كثيرة تغيرت تماما ومنها هذا الموقف الذى أنت فيه ، لكنك لم تمنح نفسك فرصة لتفكر بذلك ثم تسألنى الآن رحمة فماذا قدمت لى كى اعقو عنك وأمنحك الرحمة التى تسألها ؟!.
منذ جئت إلى هذه الدنيا لم أرى أحدا يرحمنى ، لم أعرف لى أُما ، ولم يخبرنى أحدهم أنه أبى ، ولم أجد لى إخوة غير هؤلاء الذين يتسكعون فى الطرقات مثلى ويكاد يأكل بعضنا بعضا على لقمة ملقاة فى وسط أكوام القمامة .
كنت أنظر إلى أولادكم وهم فى طريقهم الى مدارسهم يرتدون أفخر الثياب وانظفها وانا لا أجد ما يسترنى ولم يلتفت إلى أحدهم ويلحقنى بأى مكان يعلمنى حرفا واحدا مثلما تفعلون بأولادكم ثم تلومون على أفعالى ، لو أعلم غير ذلك لفعلت ، بسبب وبدون سبب نحن ملاحقون دوما ، منبوذون دوما ، وكأننا شياطين ليس لنا حق فى الحياة ، نلقى امام أبواب المستشفيات حتى نصاب ولا نجد يدا تطبب جرحنا ولا يسمح لنا بالدخول ثم تسألنى الآن رحمة .
قل لى من أين أتيك بها ؟ هو خطأك ، هو خطأكم كلكم ، لو وجدت منكم من رحم بى لكنتم الآن وجدتم منى الرحمة التى تسألونها ، أفعالكم الخاطئة هى التى جعلتنى شوكة فى حلقكم ، أتعلم أنى عندما أسمع عن تلك المكائد التى تفعلونها فى بعضكم وتلك الأشياء التى تدبرونها للتخلص من اولئك الذين ينافسونكم أحمد الله أنى صعلوك لا يملك شئ ولا يسعى لشئ .

أتعلم سأبقى شوكة فى حلقكم مالم تعالجونها ، أعلم ان وقتى مضى ولكن مثلى الكثير والكثير مالم تبدأوا فى علاجهم فاعلموا أن الشوكة ستبقى تنغص عليكم وقتكم وتكدر صفو حياتكم .

الاثنين، 3 أغسطس 2015

يوم مولدى

رمضان فى هذا العام يوافق أغسطس ، تخطاه فقط بثلاثة أيام ، الشمس على أشدها والناس لا يجدون منها ملاذا ولا مهربا ، الفلاحون منغمسون فى نزع الحشائش الضارة من بين أعواد الأرز التى انتصف عمرها وأوشكت على النضوج ، سيقان الذرة تقف شامخة تتراقص أطرافها وبدأت التيجان تزين أوعية الثمار تخبر بأنها باتت على أبواب مهد جديد ، تتراقص أعواد الملوخيا اللينة بجوار تلك السيقان التى بدت لها شاهقة تلامس بعنقها السماء وفى مسافات تركت بين تلك السيقان لتسهيل السير وجريان الماء جلس شاب فى منتصف عقده الثالث يستظل بها من لفح الشمس وقسوتها ويتناول شيئا من الراحة تعينه على الصوم والعمل .
فى صحن البيت جلست سيدة فى عقدها السادس بالقرب من بناتها اللاتى شغلن بطهى وتجهيز الإفطار ، وطفلتين صغيرتين تلعبان بالجوار .
بيت يطل على ترعة صغيرة ، بينهما بساط من الفراغ ترك كحرم للمجرى المائى الصغير ، تحيطه أشجار النخيل وشجرة مانجو ومجموعة متلاصقة من أشجار التين الشوكى ، حظيرة صغيرة حوائطها من الخشب والطين ، تظللها سيقان العنب ، أمامها سيدة شغلت بملأ الأوعية بالماء وبناتها شغلن بعملهن بالقرب منها .
قطع شغلهم صرخة امرأة انتفض الجميع منها فأفزعتهم ....يبدو أن زوجة الإبن البكرى ستضع مولودها الثالث اليوم ....اليوم وهى صائمة وقبل حلول أوان الافطار ..
أرسلت السيدة ابنتها الى بيت الداية " السيدة عزيزة " رحمها الله ، لا تعودى قبل أن تحضر معك وساقوم بتسخين المياه لحين عودتك ، وأرسلت الابنة الأخرى الى بيت والد الزوجة ، أخبريهم أن ابنتهم تلد الآن ، وأرسلت الى الجد ليحضر من الحقل برفقة ابنه فربما نحتاج مساعدة ..يارب يقومك بالسلامة يا بنتى ...
تبدل مظهر اليوم وتغيرت أحوال الجميع وكل منهم سلك جهة معينة لأداء مهمة معينة صغيرة ربما ، كبيرة ربما ، لكن لكل منهم دوره وآثره ...
العرق يصطف مزاحما حباته على وجه الأم التى لم تتخطى منتصف عقدها الثالث وبالقرب منها جلست ابنتها الكبرى التى سنواتها الأربع بثلاثة أشهر فقط ، تمسح عن أمها العرق ، الزوج عاد من الحقل مهرولا فور سماعه الخبر تعلو عينه اللهفه ويغمر قلبه الشوق وكلمات الرجاء وأدعية الأمل غلبت نظراته الى السماء ..." رب هب لى من لدنك وليا " ...
إمتلأ بهو المنزل بالخطوات جيئة وذهابا ، الجميع كخلية نحل لا يكل أفرادها عن العمل ، الكل ينتظر أن تطمئنهم " الست عزيزة " ، الجميع ينتظر قدوم المولود الجديد ، لم يولد حفيدا ذكرا لهذه الأسرة بعد ويأمل الجد والجدة أن يكون مولودهما اليوم ذكرا يمتعون أعينهم بالنظر إليه فى حياتهم ، دعوات قبل الافطار تخترق أبواب السماء ..
صرخت الأم صرخة صمتت بعدها وصمت جميع من حضر وكأنهم نزلت عليهم سكينة زاغت بأبصارهم وأبكمت ألسنتهم ، صمت الجميع مانحين الفرصة لصراخ طفل صغير ان يعلو ليعلن عن قدومه الى الكون ومهد لحياة جديدة ....زغرودة خرجت عالية من فم الداية تلتها زغاريد كثيرة من عمات المولود وخالاته ...غالى الصغير خطى الى الدنيا ..
أسرع الأب فحمل المولود وعيناه كستها الدموع المغلفة بالبهجة والفرح ..الله أكبر الله أكبر ...لا إله إلا الله ..أنهى الأذان فى أذن المولود وقدمه الى جده وجدته ، حمدا الله على ما وهب ، اسمه محمدا وسيكون عند الجميع غاليا ..
كان ذلك قبل ثلاثون عاما زادت عليها سنوات ثلاث ...واليوم مبتدى رحلة جديدة ....

السبت، 6 يونيو 2015

صيف 1997

يقلب عينيه فى السقف الخرسانى ، يتذكر تلك الأحداث التى جرت والمواقف التى مر بها ، ربما لم تخطر فى باله يوما ولم يجول بخاطره أن يمر بمثل ما مر به رغم اعتياده تجرع المشاق .
يطرق كل الأبواب باحثا عن عمل يعينه على قضاء اجازته الصيفيه ويقتات منه رزق يومه ويعد لعامه الجامعى القادم ، يحتاج أن يشترى ملابس جديدة وأن يكون معه ما يكفى لسداد الرسوم وشراء الكتب الجامعيه وما قد يلزمه من مصروفات للتنقل والسفر فى رحلته اليومية الى الجامعه من قريته المختبئة وسط الزروع .
هناك فرصة عمل فى معارض الشريف بالمدينة القريبة ، وقت العمل يمتد من التاسعة صباحا وحتى الثانية عشر ليلا ، الراتب الشهرى مائة وعشرون جنيها ......بعملية حسابية بسيطة وجد ان ما قد ينفقه من مصروفات ربما يقضى على المبلغ ويحتاج الى بعض السلف لاستكمال الشهر .
تعالى نعمل سويا ، اكسسوارات نشتريها من بعض المحلات ونقوم ببيعها ، كل ما عليك هو التجول فى هذه المنطقة أما الثبات اسفل كوبرى الأميرية واعرض على الشباب بضاعتك ، تلك الاكسسورات تعجبهم ، لكنى غير مقتنع بها ولا ارى لها فائدة ، ليس المهم أن تعجبك ولكن المهم ان تبيعها ، ساعات طويلة وحصيلة البيع بضع جنيهات ، كم ستبلغ حصتى ..لا شئ ...ربما سأتحمل تكلفة العودة الى قريتى مما اكتنزته مسبقا .
هناك فرصة عمل فى شركة مقاولات ، قابلنى صباح السبت هناك ، الحمد لله على رزقه وفضله
تعمل مع هؤلاء الشباب ، تنفذون كل ما يطلب منكم ، وقت العمل من الثامنة حتى الرابعة وما يزيد عن ذلك يحسب لكم سهرات ، أجر اليوم ثمانية جنيهات والاضافى تحسب الساعة فيه بجنيه وخمس وعشرون قرشا ، الاجر هنا يتم تقاضيه عن المدة كل خمسة عشر يوما ، أحد مقاولى العمال مسئول عن اعطائك راتبك ، تستطيع زيارة اسرتك فى نهاية الاسبوع ان شئت ، استقل الحافلة المغادرة فى الرابعة والنصف من بعد ظهر الخميس وعد ثانية فى الحافلة القادمة فى الخامسة فجر السبت ،  المبانى أمامك متسعة وكلها خالية جهز لنفسك مكانا ونم فيه ، السوق قريب من هنا على مسافة عشر دقائق او يزيد قليلا ، من هناك اقتنى احتياجاتك ، هناك كافتريا بالقرب ،  تستطيع شرب الشاى ومشاهدة المباريات مساء ان شئت ليست غالية الثمن .
اليوم هناك صبة خرسانية فى العمارة المواجهة ولابد ان تعمل مع عمال الخلاطة ، قرب شكائر الأسمنت إليهم وناولهم أوعية المياه اللازمة لتشغيل الخلاطة ، اعمل بجد حتى لا تعطل العمل ..
قم من النوم مبكرا واصعد الى السقف الأخير ووصل اللى " خرطوم المياه " بالصنبور الرئيسى وأغرق ما تم صبه بالماء ولا تنسى ان تسقى المبانى كاملة ، لا اريد أن أرى قطعة لم تغرقها المياه ، عملك قبل مواعيد العمل يحتسب لك سهرات اضافية .  
يلتفت يمينا ويسارا لا شئ حوله سوى حوائط مشيدة من الطوب الأحمر وفراغ ترك لنافذة وحقيبة جلدية تضم ملابسه ، جمع قطعا من بقايا الأخشاب المستخدمة فى اقامة الأعمدة الخرسانية ونزع منها ما بها من مسامير وصف تحتها قوائم من الطوب فى أطرافها الأربعة  لكى تبدو على هيئة سرير مجهز للنوم ، غطى الأخشاب بعبوات الأسمنت الفارغة وجعل من حقيبة ملابسه وسادة يريح رأسه عليها .
أوشك الأسبوع على الانتهاء واقترب موعد رؤية الأهل بشوق من لم يعتد على فراق بيته يوما ، يعمل بفرح ويسرع لتنفيذ ما يطلب منه وفجأة ألم شديد ودماء تنهمر من قدميه ، قطعة من الخشب بها مسماران اخترقت باطن قدمه ، يجلس مكانه ، يقبض على فكه من شدة الألم ، يسرع اليه زميله فى العمل ينزع الخشبة فيخرج معها المسماران يصحبهما صرخته ، تشعل نيران فى قطعة خشبية ثم تكوى بها ساقه ويجذ على أنيابه من قسوة الوجع .
كهنة قماشية قديمة تقطع وتربط بها ساقه ، يرتاح قليلا ثم يعود ليكمل يومه  وعمله المطلوب منه .
اعتاد العمل بتوالى الأيام وتبدل لون جلده فاكتسى بلون الليل ، انقضت المدة الأولى وتأخر الراتب ، ذهب الى المقاول ليسأله عن راتبه فأمهله وتوالت الاعذار ، ان اردت مرتبك الأن فلن تأخذ سوى مائة وعشرون جنيها ...لكنى  لى أكثر ، لى أربعة ايام بخلاف الاضافى ، هذا ما عندى أو تستطيع الانتظار ليحين دورك فى المرتب ، ومتى يحين دورى ؟ عندما تصرف لنا الشركة المستخلصات المتأخرة ، ولتعلم أنى أقدم لك ذلك العرض وحدك لأنك رجل جامعى ومختلف عن زملائك ...حسنا أعطنى ما عندك ....سامحك الله .
تعالى معى الى سوق المدينة الرئيسى ، هناك يجلس الكثير من العمال ومن يحتاج الى عامل من قاطنى المدينة يذهب الى هناك وتتقاضى اجرا جيدا ، فى الصباح قطع مسافة تقارب الخمسة كيلو من المترات سيرا على الأقدام الى السوق الرئيسى وهناك جلس مع الجالسين ينتظر حتى اقترب النهار من الانتهاء دون جدوى فعادا مجددا وفى طريق العودة مرا بمنفذ بيع مصنع للبسكويت اشتريا منه ...
فى المساء صاحبه يخبره أن هناك شركة مقاولات أخرى والمقاول هناك يعطى العمال أجورهم كل اسبوع قبل عودتهم الى ديارهم والأجر اليومى اثنى عشر جنيها ، العمل هنا بين بين قد يكون شاقا فى يوم وقد يكون مريحا فى الأخر ومهمتنا هى إنهاء كافة الترميمات المطلوبة وتنظيف المبانى جيدا وتجهيزها للتسليم ...وفى ختام اسبوع العمل تقاضى راتبه دون نقصان وانصرف عائدا الى دياره بعد أن اغتسل جيدا وبدل ثيابه وحمل حقيبته التى أعدها فى المساء المنقضى ، السيارة تطرق اعتاب القرية واحداهن تقف أمام بيتها تلوح لها بكلتا يديها ويكسو وجهها ابتسامة .

الخميس، 4 يونيو 2015

طفولة

صبى صغير يحمل على كتفه شكائر الرمال فيصعد بها الى الطابق السادس حيث الشقة المطلوب ترميمها ، مرات متواليات ، رمال وأسمنت وطوب ، ينسال العرق على جبهته فيغطى عينيه ، يشعر بالتعب ، ينظر الى الوقت الذى انقضى فيراه وكأنه لا يمر ، النهار فى أوله ، الله المعين ، بعض الراحة قد تفيد ، رشفات من الشاى ، عليك التوكل يا كريم .
يواصل العمل ، ينقى الرمال جيدا من السن والزلط المختلط بها عن طريق الهزاز ، يضع الأسمنت على الرمال ويخلطهما ببعضها جيدا حتى تختلط ألوانهما فلا تستطيع التفرقة بينها ، يعدها فى شكل دائرى ويجعل فيها فراغا فى المنتصف يصب فى داخله الماء شيئا فشيئا ثم يلقى بأطراف الرمال والاسمنت المختلطة على المياه حتى يختلط الجميع ويمتزج بالماء جيدا ويعيد الخلط مرات ومرات حتى تصبح جاهزة للاستخدام .
يضع " المونة " ناتج مزج الاسمنت والرمال بالماء فى القصعة " الاداة المستخدمة فى نقل المونة " ويحملها الى البناء الذى يبدأ فى صف اللبنات متجاورات بعد أن أنهى تهيئة المكان وتنظيفه من الأتربة وصب عليه القليل من الماء حتى يسهل تقبله للمونة .
ينقل اللبنات ويضعها بالقرب من البناء وينزل الى الطابق الأرضى ليحمل الأسمنت والرمال ثانية ويصعد بالمتبقى منها مرات ومرات ، تسعون درجة سلم أو يزيد قليلا كان عليه تخطيها صعودا وهبوطا مرات ومرات حتى ينتهى من عمله .
يصعد الدرجات وتعلو الشمس فتنهمر قطرات العرق تغسل كده وتعبه وابتسامة مرهقة سكنت على ثغره ، ونبضات تسأل الله المعونة .
تعد المونة بالطلب فكلما أوشكت على الانتهاء جهز غيرها حتى انقضى العمل والآن أصبح عليه تنظيف مكان العمل جيدا وحمل بقايا الرمال وكسر الطوب وشكائر الأسمنت الفارغة الى الأسفل مجددا ، والأخير تنظيف الأدوات المستخدمة فى العمل وتجفيفها جيدا حتى لا يصيبها الصدأ .
ينظف بدنه بمهل فتتساقط بقايا الرمال والأسمنت وحنة الطوب الحمراء من تحت شلالات الماء وتسقط معها جزء من الوجع الذى صاحب يومه ، تتساقط حبات المياه من فوق رأسه وبدنه محملة بمزيج من الألوان التى خضبت بدنه ، يغمض عينيه ويفرغ كل ما لحق به ، يبتسم شاكرا لانتهاء اليوم  ، يبدل ثيابه ويخرج وكأنه ولد من جديد  .
رقبته تؤلمه وقد تركت فيها الأثقال بصمتها وكتفه مازال يشعره أنه مثقل بلبنات كثر ويده وكأنها مخدرة لا يقوى على تحريكها كثيرا .
الأسمنت بدل هيئة يده فأصبح جلدها يبدو شاحبا وأصبح ملمسها خشنا كغزل الصوف يخشى ان صافح أحدهم أن يجرح يده .
يتناول لقيمات بسيطة يتبعها كوب من الشاى ، قام إلى كتبه  فتصفحها وتأكد من عدم وجود واجبات لم ينتهى منها وأعد حقيبته بجدول اليوم القادم فى المدرسة ولم ينسى أن يضع ما حصل عليه من أجرة عن يوم عمله فى حقيبته ليدفعه الى المدرس نظير الدرس الذى حل موعد سداده .
جلس على اريكته مضجعا يشاهد التلفاز فغلبه النوم فاستسلم له .



الأربعاء، 13 مايو 2015

لماذا أكتب

إنما أكتب لأهدى للناس حياة ، أكتب لتقرأ نبضات قلبك ، أنقل مشاعرك التى تخشى البوح بها ليحمل معك غيرك المشقة وليساعدك محبوك فى تجاوزها ، لا لأفشى سرك فلست أعلمه قطعا وإنما أحاول قراءة ما تخفيه عيناك وما تكتنزه مشاعرك وما تفور به خواطرك ، أكتب لجعل المجتمع كله جسدا واحدا مترابطا متكافلا لا يخشى البوح بالنوائب والألام ، لا يخشى اعلان فرحه وسروره ، لا يخشى اعلان حبه وعشقه ، لا يخشى معاقبة على أفكار جالت بخاطره ، لا يخشى معاقبة على جرم لم يقترفه .
أكتب لأن الكتابة حياة ، روح وجسد ، يتداخلان فيتكاملان فيهبان حياة لكل من ذبلت فى داخله الحياة .
أكتب لترى قلبك فى مرآة مصنوعة من حروف غلفتها شرايين روحك فتعيش فيها وتحيا بها وترى ذاتك واضحة جلية امامك لا تقوى على انكارها ، أدفعك لمواجهة حقيقتك وبالطبع أفعل بالمثل مع نفسى وربما يزداد الأمر معى فأجلد ذاتى حتى اقوم مسارها وطريقها وأعيدها إلى وجهتها التى أجهد فى التفكير حتى أراها مقتربة من الاكتمال وحاشى لمثلنا أن يصل ولكن السعى للتذكية والتقويم واجب .
أكتب لأضع أمام أعين كل من يقرأ نبض مجتمعه الذى يحاول البعض تجاهله ولفت نظره بعيدا عنه ، لأدفعه رغما عنه لرؤية ما يفر منه فربما يحزن مما يرى فيعمل فكره فى إصلاح ذلك وتغييره للأفضل ، فرب حروف قليلة تقيم حضارات لا ينقطع ذكرها وآثرها .
كتبت يوما أنى "مازلت أحلم بأن أكون ذلك الكاتب الذى يترك بصمة عند كل من يقرأ كلماته ، أن أكون الانسان الذى يترك أثرا طيبا فى كل من يعرفه " ،  ولازلت أحمل حلمى فى صدرى وأسعى لبلوغه ما تبقى فى جسدى حياة ، فمعتقدى أنى لا فائدة لى إذا لم أترك أثرا ينتفع به من كتابة أو علم أو عمل أو غير ذلك مما يخلد ذكره وينتفع به . 
 قرأت يوما أن بعد كتابة " ماركيز " لروايته الرائعة " مائة عام من العزلة " أقيمت مدينة كاملة تحمل اسم المدينة التى بناها فى روايته ، تمنيت أن يحدث لى مثل ذلك يوما .
أكتب الواقع والحلم ، كتب الألم والأمل ، أصف القبيح والجميل ، أداوى هذا وأبث شكوى هذا وأطبب جرح ذاك ، أحاول أن أنقل الداء ومسبباته وأعراضه وأبحث داخل بطون الكتب والمواقع والعقول حول الدواء المناسب ، أشتت تفكيرك حينا وأشوقك حينا وأهديك رصاصة الرحمة حينا ، أبحث خلف كل حرف أكتبه وكل كلمة قبل أن تنشر حتى إذا قرأت ما دونته نهلت منه ما شئت وأنت على يقين أنك إذا نقلت معلومة مما أبثها بين السطور فى أى أنواع الكتابة التى ادونها أنها صائبة بعيدة عن التحريف والتأويل .
أكتب فأعيش كل حرف أكتبه ، كل حالة أرسمها ، أحاول اختيار الكلمات التى تغلف الكلمات بالموسيقى فكأنك ترى وتسمع وتعيش ما تقرأ وأزعم أنى أحاول أن اجعلك تسمع من صدى كلماتى صوت قلبك .
أتألم ...نعم أتألم عندما أكتب عن الألم حتى أبكى ، وتطير روحى وتلامس حد السماء عندما تكتب عن الأمل والبهجة ، وتغرق ملامح وجهى سمات الغضب حينما أكتب عما يقاسيه وطنى .
أكتب لأتعلم ، لأقرأ ، لأغوص فى أعماق مختلفة ، لأرحل لعوالم مختلفة ، لأعيش حياة غيرى ووجعه وفرحه ، لأرى معاناة الإنسانية وكفاحها منذ بدء الخلق حتى وصل الأمر إلينا ، اقرأ لأرى العالم مع كل كلمة بلباس جديد .
أكتب لأن فى الكتابة حلمى وأعتدت السعى خلف حلمى .
أكتب لأن الكتابة حياة فكيف أحيا بدونها .
أكتب لى وأكتب عنى ، أكتب لك وأكتب عنك ، أكتب للوطن وأكتب عن الوطن ، أكتب لأحيا .


الخميس، 9 أبريل 2015

يوم زفاف الأطفال

صدح فى السكون صوت المؤذن ينادى لصلاة الصبح ، دفع الرجال الأغشية من فوق أجسادهم وأسرعوا الى أماكن الطهارة يغسلون أبدانهم من محل النوم ، فتحت الأبواب ونزع الناس الى مصلاهم ، أقيمت الصلاة ، وخشع الشيخ فبكى وأبكى المأتمون به ، ودعاء الفجر يشق طبقات السماء ، أوقات التسبيح والاستغفار والذكر تحلو فليس أحلى من قرب من تحب وهل بعد حب الله حب .

النساء أدين الصلاة وهرعن الى أوانيهن ومطاهيهن البسيطة وأوقدن النيران وبدأت رائحة الطعام الشهى تداعب الأناف ، أيقظن الأطفال وأمرنهن بالتطهر والصلاة والاستعداد لتناول الإفطار بصحبة ذويهم ، عاد الرجال من مصلاهم واصطفت العائلة حول الطعام فى دائرة يعلوها الحب .

أنهى الجميع إفطارهم وبدأ كل يشق طريقه الى وجهته ، أخرج الرجال المواشى والأنعام من حظائرهم وتوجهوا الى حقولهم ، ساعدت الأمهات الأطفال على ارتداء ملابسهم وأعددن لهم وجبات خفيفة تسعفهم فى وقت الراحة المدرسية .

فى البلدة الطيبة مدرسة واحدة ، طابق واحد ، مائة وثلاثون طالبا موزعون على ثلاثة فصول ، غرفة للمدير ، يلتحق الأطفال فيهم عندما يبلغون السادسة ويغادرونها بعد ان يتأهلوا الى المرحلة التالية وأعمارهم حينذاك تلامس الثانية عشر.

الثامن من ابريل لعام ألف وتسعمائة وسبعون من الميلاد ، دقات الساعة تعلن السابعة والنصف ، نسمات الربيع تقبل خد الصباح والشمس تغازل بأشعتها الوجوه كأم حانيه ، اصطف الطلاب فى ثلاثة صفوف يؤدون التمارين الصباحية ، خمس دقائق لكل تمرين وثلاثة أضعاف ذلك للاذاعة المدرسية والأصوات تتغنى بحب الوطن .

والله زمان يا سلاحى 
اشتقت لك فى كفاحى
انطلق وقول أنا صاحى
يا حرب والله زمان
والله زمان ع الجنود
زاحفة بترعد رعود
حالفة تروح لم تعود
إلا بنصر الزمان
هموا وضموا الصفوف 
شيلوا الحياة على الكفوف
ياما العدو راح يشوف
منكم فى نار الميدان
يا مجدنا يا مجدنا 
ياللى اتبنيت من عندنا
بشقانا بكدنا
عمرك ما تبقى هوان
مصر الحرة مين يحميها
نحميها بسلاحنا
أرض الثورة مين يفديها
نفديها بأرواحنا
الشعب بيزحف زى النور
الشعب جبال الشعب بحور
بركان غضب بركان بيفور
زلزال بيشق لهم فى قبور


أنهى الطلاب طابور الصباح وأشار المشرف الى الصف الأول لينطلق ناحية فصله ، تبعه الثانى ثم  الثالث ، مقاعد خشبية عتيقة ، لكنها أفضل من لا شئ ، الفصول نظيفة لم تعكرها خطوات الأطفال ولا عبثهم بعد ، كل طالب الى مقعده ، وضع الأطفال حقائبهم القماشية بجوارهم وأخرجوا منها كتبهم وأقلامهم ، دخل المعلمون الفصول ، اصطف الأطفال وقوفا ، وبعد أداء التحية أشار المعلمون للأطفال بالجلوس ، يمر المدير يطلب حصرا بالأعداد الموجودة وحصر عدد الغائبين ، اقتربت السنة من نهايتها وأعياد الربيع على الأبواب تشغل الريفين فتسحرهم ألوان الورود ومباهجها فلاشك هناك الكثير غائب ، عدد الحضور ستة وثمانون طالبا .

بدأ المعلمون فى ممارسة عملهم ، عنوان درس اليوم ، " أحمد عرابى " .
على حصانه شاهرا سيفه رافعا رأسه وامام الخديوى توفيق صدح بها عاليا 
 لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم.

أصوات عالية تعلو فى السماء ، طائرات تقدم ، البلدة آمنة ، ريف هادئ لم يعتد تلك الأصوات من قبل ، الفزع علا الوجوه ، الأصوات تعلو أكثر ، دوى أصوات قذف ، أمر المعلمون الطلاب بالنزول أسفل المناضد ، البعض أطاع والبعض خاف ، قذائف متتالية ، صراخ من كل فج ، الأباء ، الأمهات ، الأخوات ، الجميع فزع حتى الحيوانات فى مرابطها ، نيران تعلو من جهة المدرسة ، الكل يجرى ، الكل يبحث عن صغيره ، الكل يبحث عن طفله ، الكل يبحث عن قلبه ، أشلاء وأعضاء متناثرة فى كل جانب ، دماء لطخت الأرض ومدرسة أصبحت مقبرة تملؤها الدماء والأشلاء ، كتب وصفحات غارقة بقلوب الأطفال ، ثلاثون طفلا يزفون اليوم الى الجنة ، خمسون طفلا مصابا الله وحده يعلم مألهم ، وقرية اتخذت الحزن لباسا وأمهات ارتدين الوجع لباسا وأباءً صحبهم الوجع وأسر نزعت منها أرواحها وعيون أطفئت مصابيحها .

يا الله ، عندما يحل الموت لايدع مجالا لشئ أخر يصحبه ، أنانى يأبى أن يشاركه أى شئ فى امتلاك الوقت والنفوس والمشاعر .

ثكنة عسكرية خفية كانت الحجة " هكذا قالت اسرائيل " والعالم كعادته تلتبس عليه الحجج ، شيع أطفال بحر البقر الى ربهم وزفوا جماعات الى الجنه وما كان لنا أن نبقى دون رد فكيف لمن عاش عزيزا أن يدع اللقطاء ينهشون فلذات كبده دون عقاب .

السبت، 7 مارس 2015

الوجه الأخر للألم

أحيانا يباغتنا الألم وهذه عادته بالطبع ،  فيأتى على ما تبقى داخلنا من قوة ويحول بيننا وبين ما خططنا لإتمامه فى تلك الأوقات التى يحل علينا ضيفا فيها ، وأحيانا تعتلى أعناقنا الأوجاع وتتكاثر حولها الهموم حتى يتساقط الألم من أعيننا كقطرات مطر مزجت بالدموع فتزكم انافنا رائحة الوجع ، وأحيانا يفوق الأمر كل ذلك فنصبح مقعدين بلا حراك ، وأحيانا تغيب منا العقول فتصبح فريسة للوجع يعمل فيها أنيابه كيف شاء ، وأحيانا توهن القوى وتضعف وتخور وتصاب الأعضاء بهشاشة تسرى فى ارجائها فلا تقوى الأقدام على حمل الجسد ولا تقوى الأيدى على المساعدة ولا تقوى العيون على قهر الضوء فتبقى مغمضة ولا تقوى الرئتين على احتساء الهواء اللازم لإعاشتها وحتى القلب يصاب فتبطؤ دقاته وتقل شيئا فشئ ، وأحيانا يطغى الألم على مشاعرنا فلا نقوى على البوح بما ألم بنا ونترك أنفسنا مرتعا للضيق يلهو فيها كيفما شاء ، ربما تكون تلك هى النظرة الضيقة التى نستقبل بها الوجع عندما يحل علينا ضيفا ، ولكن ما إذا نظرنا للأمر بعين أخرى واعتبرنا الالم منحة إلهية قدمت إلينا فى الموعد المقدر لها بالتمام لتحول بيننا وبين اعتراض طريق صعوبات ربما كانت تودى بحياتنا وأحلامنا ، منحة تمنحنا الوقت لقضاء أشياء أخرى قدر لها أن تتم الآن فى هذه الأونة ، منحة تبقينا بالقرب من أحبتنا وقتا كنا قد خططنا لقضائه بعيدا عنهم ، منحة تقربنا من ربنا أكثر ، تزيل من ذنوبنا أكثر وأكثر ، تغسلنا وتطهرنا وتردنا أنقياء ، فالبقرب من الله تزول اسباب الألم .