الاثنين، 9 أغسطس 2021

لوحات

 

أقلام ، فرش رسم ، ألوان ، ألواح رسم ، صحف متناثرة ، ملامح غير مكتملة، أدوات مبعثرة ، مقتنيات قديمة ، ملابس وأحذية مهملة ،  صندوق خشبى ، مشغل اسطوانات ، أثاث متهالك ، موقد تدفئة ، كلب يلهث ، أطباق وزجاجات فارغة وقطع خبز وبقايا فاكهة ..

تضعين رأسى على قدمك ، تداعبين خصلات شعرى ، تحصرين الشعيرات البيضاء ، تنزعينها كأنك تخشين علي الشيخوخة ، أخط خطوطا وأربط بينها ، تبدو الملامح وكأنها وجهك لكنه ليس كوجهك فلا أستطيع حصر جمال وجهك فى ورقة كهذه ، لست فى حاجة إلى ألوان فأنت جميلة كما أنت ، ضحكتك كسماء تبتسم وقلبك كثلج صافى ، لما تساقط الدمع ؟ ... فجأة .

رضيع بوجه شاحب ، وعاء لبن فارغ ، وأم بصدر ضامر ، صحن بيت خالى سوى من قطع بالية ، تركن الأم وجهها على يدها ، وأب أقعدته الفواجع ملقى على الحصير كشيخ مئوى أو كشبح ظل وشعاع شمس أرهقته شقوق الجدار فقطعته إربا .

بقرة مغماة العينين ، معلقة بساقية ، يعلو رأسها عمود خشبى ومن خلفها مثله ، ربطت بوثاق يصل ما بينهما ، تدور فتحرك الساقية فيعلو هديرها ، يندفع الماء من فتحاتها ، التروس صدأت لكنها مازالت تعمل ، تنحدر المياه لاخدود صغير تحيطه الحشائش ، أشجار الجميز والكافور والنخيل ، الحشائش نبتت على حافتى الاخدود والشمس تطل مبتسمة ...

قارب صيد صغير ، يبحر فى موج هادئ ، يشد الرجل شراعه ، تعينه زوجته وطفله الصغير ، يرتادى الصياد لباسا فضفاضا ، ويغطى رأسه بقبعة قماشيه ، تعقد المرأة رأسها ، تلمع عينها وهى تجذب حبل الشراع مع زوجها ويصف الصغير الأوانى التى يجمع فيها طرح البحر ، شبكة يرمى فيها فى البحر ونوارس تلحق ونسمات تتراقص وأمواج تعانق حواف المركب ونسيم ماء يقبل الوجوه ..

مقياس حرارة ، جهاز لضربات القلب ، قوارئ نبضات ، جهاز أكسجين ، محاليل معلقة منبثقة منها حقن غرست فى الوريد، وكفوف مبتهلة ، أثواب بيض ، اضواء خافتة ، جسد ضعيف لا حيلة له ، وعيون معلقة بالسماء ، رب يسمع ويرى ويقدر ويلطف ،  وطبيب يزف البشرى ....



الأحد، 8 أغسطس 2021

كُن حيث قلبك

 

الموسيقى الصاخبة هدأت وتبدل اللحن ، المعازف سكنت ، الناى عاوده حزنه والعود اشتدت أوتاره ، عرائس من صلصال ، دمى تتمايل متراقصة ، حنة خضبت بها الأيدى وتشكلت بها ملامح مختلفة ، عيون غطاها الكُحل ، وشعر كليل شتاء طويل لا ينتهى ...

صوت تصفيق لا يكف ومطرب سجن صوته فى حلقه وستار أسدل مرغما ...

انسحب الجمهور من القاعة ، خفتت الأضواء ، انزوى فى ركن بعيد ، شاحب الوجه ، مرتعد الملامح ، على شفا البكاء ولكن العين تأبى ، كيف عجز اللحن فجأة وخرج عن مساره ، كيف خانه صوته وخذلته آلاته ....؟ .

اللحن لم يخرج عن مساره ولم تخذلك آلاتك ، هو فقط مارس شغفه ، مل من القيود المفروضة عليه أن يتنقل بين أشياء ثابتة فثار على كل ذلك واتخذ بنفسه مسارا يخلده ، مارس حريته ، ملك أمر نفسه فاتخذ قراره وعزف لحنه كما يشتهى ، نزع القيود والأصفاد وكسر القضبان وحطم الثوابت ، فر من نفسه  لقلبه وترك لقلبه إرشاده ، القلب يعزف والناس غير معتادون على ذلك ، ودوما تكره الناس من يهديها حقيقتها أو يقدم لها شيئا غير الذى تنتظره ....

دع قلبك يمارس شغفه ، فك قيوده وأطلق سراحه ، تابعه باستمتاع وتأنى ، دعه يخطئ ، دعه يقع ، دعه يصاب ، فى المرات التى تلى ذلك ستجده يقوم وحده ثم يتعلم أن يتجاوز ذلك ثم يتجنب أن يقع فيه ثم يرشد من نفسه غيره الى الصواب .

كن حيث قلبك يرغب فالجوارح دوما تنصاع للقلب ، ملكها وهى له خاضعه ، لذا تنشق عنك وتنقلب عليك إن حاولت إرغامها على إتيان ما يأباه القلب ، الآن استمع الى موسيقاه وحدثنى بصوت قلبك ، ارفع الستار ، انظر الى القاعة ، لن تجد مكانا شاغرا ، الجمهور يشغل كل المساحات حتى لم يعد منفذ هواء ، الآن استرح قليلا ودع قلبك يمارس شغفه .

اللحن ينسال كأنه شلال منهمر ، صوت تصفيق لا يكف وقلب علا صوته وستار يأبى الجمهور أن يُسدل  ...



السبت، 7 أغسطس 2021

طاير يا هوى

 

طاير يا هوى طاير على المينا

رايح يا هوى تخبر أهالينا

قصة الهوى وتفتن علينا

أمرك يا هوى خبر أهالينا

أستيقظ عند الفجر ، العين مازالت ناعسة ، أرفع الغطاء بكسل ، ينبهنى أبى أن إقامة الصلاة قد أوشكت وأنه سيبسقنى الى المسجد ، أسرع خطواتى أتوضأ وأخطو نحو المسجد ، الطريق مظلم به لمبتيين فقط على أعمدة الانارة على ناصية حارتنا وناصية الحارة التالية ، ألمح كلابا متكئة وكلابا تدور حولها فأفزع ، أخاف الكلاب وأخاف العفاريت وأخاف الظلمة ، أتلو الكثير من الأذكار والأدعية التى احفظها ، الكلاب تشم رائحة الخوف ، أرفع صوتى بالدعاء حتى يغطى صوتى على دقات قلبى ، أستعين بالدعوات وأستأنس بها فى  خطواتى حتى وصلت المسجد ولحقت بالسابقين .

جينا يا هوى للبحر جينا

والشط ناسه بعيد عن عنينا

وحشتنا المياه لتدارى علينا

منك يا هوى ومن اهالينا

ننتهى من الصلاة وأعود بصحبة أبى الى البيت يخبرنى أننا سنذهب الى الحقل فاليوم موعد شتل الأرز ، أمس قضينا اليوم من مهده الى بعد المغرب فى الحقل أيضا ، نزعنا النباتات من المشتل ووزعناها بطول الأرض وغمرنا الحقل بالمياه بعد أن سوينا بعض الجوانب والمساحات التى كانت فى حاجة الى اصلاح وتسوية وشددنا الحد الفاصل بيننا وبين جيراننا كى لا تتجاوز المياه حقلنا إلى حقله فتتخطى الحد وأو تنفذ منه فتضر بزرعهم وكنا نطلق على الحد عند زراعة الأرز " الجيرة " .

عارف يا هوى ايه الحكاية

مكتوب على المياه قصتها معايا

وداريتها الموجه خايفة علينا

منك يا هوى ومن أهالينا

الجو كان حارا ، الربيع يودع أيامه والصيف يرسل رسله كى نستعد لاستقباله ، البركة فى الصباح يا بنى وشغلانة الصبح منسية .

ستلحق بنا أمك إلى الحقل بعد قليل بعد أن تجهز لنا الافطار ، نأخذ ملابس قديمة نرتديها أثناء العمل ، نتوجه الى الحقل ويصحبنا اخوتى ، نبدلس ملابسنا فى عشة أمام الحقل ، يتأكد أبى من أن المياه مناسبة وأن الحقل ليس فى حاجة لتشغيل ماكينة الرى لتزويد الحقل بالمياه .

اصطففنا بجوار بعضنا أبى ثم أنا ثم اخوتى ، نبدأ فى غرس الشتلات من نهاية الحقل ونعود بظهرنا تجاه مقدمته ، راكعين نعمل بكلتا يدينا ، كل منا له مساحة مخصصة بعرض متر او يزيد قليلا ، لا ترفع ظهرك فيؤلمك ولا تستند بيدك على ركبتك وحاول أن تحافظ على المساحة المخصصة لك فلا تتسع منك فترهق نفسك وتتأخر عن الصف ..

النهار بدأ يتكشف شيئا فشيئا ، والشمس بدأت تعلو وبدأنا نشعر بحرارتها ، ألمح فى مقدمة السكة " الطريق " المتجه الى الحقل أمى قادمة تحمل فوق راسها " المشنة " تضع فيها الافطار ، تلمع عينى وترقص أنفاسى فرحا ليس رغبة فى الأكل فلم ازداد جوعا بعد ولكن أرغب فى الاستراحة قليلا ...

دايما يا بحر مخبى أسرارنا

ولا عمرك مرة بتحكى أخبارنا

لكن الهوى ماله ومالنا

أمرك يا هوى خبر أهالينا

نتناول الافطار ، بيض وجبنة وقشطة " قشدة " ، طماطم وخضروات وخبز خبزته أمى واخوتى سابقا فى الفرن الرابض بجوار سلم بيتنا ، لم يكن عندنا تُرمس للشاى فأحضرت أمى معها البراد وأكواب نصب فيها الشاى ، جمعنا بقايا الاخشاب واغصان الاشجار الجافة وأشعلنا فيها النار وأعددنا عليها الشاى ، يستعجلنا أبى يقول اسرعوا قبل أن تزداد حدة الشمس ، أضع " القلة " التى نشرب منها الماء وقد أحيطت بقطعة من الخيش ، أغرسها فى الماء يقول أبى حتى تحفظ برودة الماء داخلها فاليوم لازال فى أوله وسنحتاج لتناول جرعات من المياه ....

تصطف أمى بجوارنا ويرتدى كل منا طاقية تحمى رأسه من حر الشمس وحزام لتخفيف ألام الظهر، يشرع كل منا فى غرس شتلاته ، أبتسم عندما أرى المساحة التى كانت منذ دقائق قليلة تشبه صحراء غمرتها المياه فأينما نظرت تراقص الماء تحت نظرك وقد أتست بزى اخضر ، غطتها شتلات الأرز وأخذت تتراقص طربا تتداعبها نسمات الهواء .

تجتهد امى وتسبقنى فأشعر بالغيرة وأعمل بجد فأسبقهم فيخبرنى ابى أنى أهملت المساحة المخصصة لى بسبب تركيزى فى السباق وتجاهلى لحدودى ، يا بنى اجتهد فى عملك ولكن أبدا لا تتجاوز حدودك فتأتى على حق غيرك ، تشفق على أمى وتقول أنها ستنجز المساحة التى تركتها فأبتسم وأعود أتم ما تركت فقطعا لن يغادر أحدنا الحقل وهناك شتلة لم تغرس بعد .

الشمس تعلو والبعوض ينشط يلتهم فى ايدينا وأقدامنا ، العرق يكسونا ، يقول أبى نظرة الى الجزء المتبقى تعلم أنك أوشكت أن تصل فتسرع لإنجاز أعملك ، التعب كله يزول مع أول شعاع تلمسه من ضى حلمك !

طاير يا هوى طاير على المينا

رايح يا هوى تخبر أهالينا

قصة الهوى وتفتن علينا

أمرك يا هوى خبر أهالينا



الجمعة، 6 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 27 "

 

تعرفت على الموظفين بالقسم وما يقوم به كلا من وكيف يقوم به وتحدثنا سريعا حول هذا الشأن وأعطيت ملاحظات بسيطة حول الأفضل فيما يخص عمل كلا منهم وصوبت سريعا ما بدا لى من حديثهم خطأه ، لاحظت كيفية تعاملهم مع العملاء والموظفين من باقى الأقسام وشاهدت نبذة عن المشكلات التى تواجههم بشكل اعتيادى وهذه طبيعة العمل فى مثل تلك الأماكن وعلمت منهم مواعيد عملهم ودوما أحرص على تلك المعلومة تحديدا فى مقدمة كل عمل كى لا أتسبب فى تأخير أيا منهم بعد أوقات العمل .

أقبل صاحب العمل وألقى إلينا التحية وطلب من الجميع أن يتعاون معى ويقدم لى كل ما أطلب وسألنى عن الطريق وكيف كان وطلب منهم احضار افطار لنا فاعتذرت وشكرته وأخبرته أننا تناولنا افطارنا فى الطريق وأخبرته أنى سألقى نظرة عامة أولا ثم أجلس معه نتحدث بعد ذلك .

طلبت عدة مستندات وسميتها لهم لأجمع نظرة عامة حول المكان وتاريخه وتطوره وتطور ملكيته وهيئته ، أحضروا لى مجموعة من الملفات التى جُمع بها مستندات الشركة منذ بدء تأسيسها فتداولت أوراقها بشكل سريع واستخرجت منها المستندات اللازمة لى بشكل مبدئى وطلبت من إحداهن اعطائى صورة ضوئية منها .

طلبت من زميلى عمل عدة ملفات ورتبت معه النقاط الأساسية التى سيبدأ بها عمله والشكل الذى أريده أن يسجله به تحديدا ، بدأت أطالع الملفات بترتيبها وأنتقل من نقطة لأخرى ومن فترة لأخرى مستعينا على ذلك بالمسئول عن كل ملف من الملفات التى أعمل عليها كى أستوضح منه النقطات التى أراها غير مفهومة أو أن يحضر لى المستند للتأكد من صحته .

انتقلت الى مكتب رئيس مجلس الادارة وجلسنا نتحدث وطمأنته على سير العمل من النظرة المبدئية وأن الأشياء التى لاحظتها بسيطة ولا ينتج عنها أخطاء أو مشاكل جوهرية وليست فيها أى شبهات تعمد أو اضرار وأنهم فقط كانوا فى حاجة الى مزيد من التدريب وأن يجدوا من ينقل إليهم ويوجههم إلى كيفية أداء العمل على وجهه الصحيح وأن المشكلة التى أراها أنهم لم يجدوا من يقدم لهم ذلك فاجتهدوا قدر استطاعتهم أن يصلوا إلى الصواب وأن النظام المطبق يحتاج إلى بعض من التطوير فأخبرنى أنهم بالفعل يسعون إلى ذلك وتعاقدوا مع إحدى الشركات المسئولة عن القيام بذلك وبسبب بعض المعوقات المالية والادارية تم تأجيل الأمر على وعد أن يبدأ فى هذا العام .

تحدث معى عن كل من الموظفين ومن عليه المسئولية فى كل قسم ومن يرغب فى الانتباه الى عمله جيدا ونقل الى بعض الشكوك فأخبرته أننى بنهاية زيارة العمل هذه سأقدم له تقريرا مفصلا عن كل شئ ان شاء الله واستئذنت منه وعاودت العمل .

على عجل مر الوقت ولملم الجميع أوراقه ووجدت المكان من حولى أصبح هادئا ولم يتبقى معى غير ذات الوجه الباسم وهى قطعا المديرة المسئولة عن تلك الأقسام التى أعمل عليها والتى أصرت على البقاء بصحبتى حتى ننجز المزيد من العمل ، ولما أقترب النهار على نهايته أخبرته أن ذلك يكفى لليوم وغدا نتم العمل ان شاء الله ، اتصلت بمسئول العلاقات العامة وأخبرته أننا انتهينا اليوم وأن يأتى ليصحبنا الى مكان الاقامة الذى أعده لنا ، وانتظرنا وسط الأشجار المحيطة بالمبنى حتى أقبل وهى تستغل ذلك الوقت وتحدثنى عن صغيرة وكبيرة فى هذا المكان .

شكرتها على حسن استقبالها واعتذرت لها على التأخير الزائد وطلبت منها أن توجه التحية لزوجها وأبنائها وكانت قد قدمتهم إلى سابقا وإلتقطت معهم بعض الصور التذكارية .

الخميس، 5 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 26 "

 

ندخل المبنى الادارى المكون من طابق واحد يتقدمه الكثير من الأشجار المزهرة ، الباب يتوسط المبنى ويمينا يقع مكتب العلاقات العامة وهو عبارة عن غرفة زجاجية يتوسطها مكتب يجلس عليه المسئول وأمامه مقاعد لضيوفه ويلى ذلك مكتب السكرتارية يتوسط كلا من مكتب رئيس مجلس الادارة وقاعة الاجتماعات وعلى اليسار تقع مساحة مخصصة لللاستقبال يليها مكاتب الأقسام المالية والادارية ومن خلفها الخدمات ثم بابان عن اليمين واليسار خلف تلك المكاتب للانتقال الى المبانى الخلفية المنفصلة .

قابلنى مسئول العلاقات العامة وكنا تحدثنا من قبل تليفونيا عدة مرات لترتيب مقر الاقامة والوقت المقرر البقاء فيه معهم لانجاز العمل المنوط بنا القيام به ، وقد راسلنى عدة مرات يعرض علي صور لمقر الاقامة وهل يعجبنى ام لا وان كانت هناك اى اشتراطات احتاجها فى مقر اقامتى .

نجلس فى الانتظار نرتاح قليلا ونتناول مشروبات ساخنة ، أطالع المكان ، أتابع الوجوه والتصرفات وأجرى بعض الاتصالات للاطمئنان على سير العمل مع باقى فريقى وان كانت هناك أى مشكلات تقابلهم وزميلى يخطو خارج المبنى يطالع المكان ويواصل اتصالاته  .

تجلس معى ذات الوجه الباسم ولم تغب عنها تلك البسمة طوال تلك الفترة التى قضيناها هناك رغم الضغط وحجم العمل الملقى على كاهلها ، أعرف منها أقسام المكان وأسلوب ادارته واختصاص كل ادارة ومسئولية كل فرد فيها ومسئولية الاشراف وتعاملاتهم مع الجهات الخارجية وأعرف نظرة عامة عما يقابلهم من مشكلات فى الجهات المختلفة .

أدخل معها إلى مكتبها تتركه لى وترفع المستندات التى عليه تنظمها فى مكتبة حفظ المستندات عن يمينها ، تقدم إلى باقى الزملاء المختصين بالأعمال المالية والادارية ونظم المعلومات وكلما دخل الى المكتب شخص جديد تقدمه لى ، حدثتنى عن المدينة ، سألتنى إن كانت زيارتى الأولى فأجبت بنعم  ولأن كل من فى القسم من السيدات فكل منهم أدلى بدلوه فى عرض وتقديم الأماكن التى يمكننى زيارتها أثناء تواجدى هناك ، ارتحت لتلك المقدمة ولأنى من الأساس سعيت إليها فلا أفضل فى بدايات العمل أن تكون العلاقات جامدة فلابد من التقرب إلى الأخرين بحسن المعاملة والوجه الباسم كى تستطيع انجاز عملك وتحقيق هدفك دون تقصير أو افراط .

القسم به ستة مكاتب والعديد من وحدات حفظ المستندات وكل مكتب يعلوه جهاز حاسوب والجميع متصل بشبكة الكترونية تربط بين كل الأجهزة ، أربعة مكاتب متقابلة ومكتبان متجاوران يتقدمها قاطع من الزجاج تتوسطه نافذتان أمام كل مكتب منهما نافذة للتعامل مع العملاء وتحصيل الرسوم وخلافه ،وحدات حفظ المستندات صفت بشكل أساسى خلف مكاتب التعامل المباشر مع العملاء وكل وحدة دون عليها طبيعة المستندات بها وأسفل المكاتب وضعت خزائن حديدية الكترونية والقسم به العديد من كاميرات المراقبة ..

الأربعاء، 4 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 25 "

 

أتجاوز تقاطع الطرق وعلى اليمين وجدت المبنى المنشود ، لافتة تعلن عن اسمه وألوان مبانيه أعرفها جيدا فتلك عادتهم فى باقى فروعهم ، أمامه مساحة متسعة تصطف فيها سيارات الزائرين والموظفين ، أركن السيارة وأنتظر قليلا حتى يهدأ محركها بعد كل هذا الوقت وكل هذه المسافة ثم أوقفه واترجل منها .

أعدل ملابس وأحمل حاسوبى ، أقف دقائق قليلة أمام المبنى أطالع المنطقة وشكل المبنى وتكوينه ورسم صورة كاملة لهيئته فى عقلى ، أحتاج ذلك لنفسى ولعملى أيضا .

تتجاوز مساحة الأرض الاجمالية خمسة عشر ألف مترا ، مجموعة من المبانى المتناسقة ، يفصل بينها مساحات فضاء ، تركت عمدا  لاستغلالها فى أغراض المبنى ، يبدأ المبنى بسور يحيطه كاملا من كل جهاته تتوسطه بوابة ضخمة لمرور السيارات بجوارها بوابة صغيرة لعبور المارة حيث غرفة الأمن ويتوسطها مكتب يجلس عليه موظفان للأمن يدونون فى دفتر أمامهم بيانات الزوار وجهاز بصمة لتسجيل حضور وانصراف العاملين ، يمسك أحد الموظفين بجهاز لقياس حرارة الجميع ويشدد على ارتداء الكمامة وبعد أن تنتهى من ذلك وعند التوجه الى داخل المبنى تمر أولا بجهاز التعقيم .

أتجاوز بوابة الأمن وبوابة التعقيم وأنعطف يمينا ، يتوسط المبنى طريق يصله إلى أخره كما يبدو لى ، الأشجار ذات الألوان المبهجة زرعت ووزعت بتناسق جميل فى كامل أرجاء المساحة ، عن اليمين المبانى الادارية متفرقة ومقار العمل وعن اليسار نادى مقسم لمساحات مختلفة تمارس فيه الألعاب والأنشطة وكل لعبة منحت المساحة التى تناسبها وأحيطت المساحة المخصصة لها بسور يفصل بينها وبين غيرها ، مدرب يعلو صوته وأمامه اصطفت الفتيات بزى موحد يمارسون ما يشبه الجمباز أو هكذا ظننت فمعرفتى بتلك الأمور محدودة ....جدا ، وعلى مسافة صبية يجرون فى صف حول الملعب ، وخلف ذلك مساحات شونت فيها بعض مستلزمات البناء .

وجه قادم يبتسم لى بعينين ذات عسل صافى ، تعرفنى بنفسها وتخبرنى أن صاحب العمل يمر على الموظفين حتى أتناول مشروبى ثم نلتقى لنرتب جدول عملنا ....

الثلاثاء، 3 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 24 "

 

على اليسار لافتة تعلن عن طريق متجه الى المطار والى مغادرة المدينة مجددا ، أنعطف يمينا وأراجع خط السير على الخرائط الالكترونية ودقائق قليلة أصل بعدها إلى وجهتى .

أتأمل المنطقة بإمعان ، المبانى وهيئتها ومحتوياتها ، سيارة فول يلتف حولها الناس صباحا كسائر الحال فى كل مدن مصر فى صباح كل يوم ، قبل أن يعرج الناس إلى أعمالهم وأشغالهم يهرولون إلى أقرب عربة فول لتناول وجبتهم الصباحية الشهية كما اعتادوها ، أرغفة طازجة ، طبق من الفول يتصاعد منه البخار ، مزود بالليمون والزيت الحار ، فى مهارة وسرعة يعده الطاهى ، شطائر وقطع متناسقة من الطماطم وصحبة من أعواد الجرجير وقطع من البصل وتطوق بالقليل من الخل .

مناضد خشبية قديمة حولها ما يشبها الكراسى يجلس عليها من أدرك الوقت باكرا كى يجد مكانا فيتناول لقمته جالسا فإن لم يدرك ذلك ربما أدرك المرحلة الثانية تناول إفطاره واقفا حول العربة ، فإن لم يدرك ذلك ويجد مكانا لنفسه يبحث لنفسه عن مكان بالقرب يجلس فيه يتناول إفطاره أو يطلبه ساندوتشات يأكلها حيث يحلو له .

رائحة الفول وبخاره المتصاعد وإلتفاف الناس حول العربة وسرعة ومهارة بائع الفول تجذب المارة ، فأكثر من يمر تخطفه الرائحة فلا إراديا ينعطف إلى هناك حيث يدرك نصيبه .

بائع الفول ذو طبع مرح يبدو ذلك من ضحكاته المتواصلة وكلماته مع الناس وما كتبه على صدر عربته " مخطرش على بالك يوم .... تفطر عندى " ....

صيدلية ، محال بقالة ، فاكهة وخضروات ، فرن ، محال لأدوات الصيد ، جراج للسيارات يتقدمه مول تجارى كبير وقبل ذلك مبنى ضخم تعلوه لافتة " ساقية الصاوى  " ...

الطريق مرهق يهونه قراءة الأماكن والتأمل فى البحر والصحراء والجبال وألوانها ، منحدرات وتلال ، هضاب وسهول ، متعرجات ، البحر هناك بعيد وتظن أنك تكاد تلامس بيدك السحب ، سبحانك ربى ما خلقت هذا باطلا ....

الاثنين، 2 أغسطس 2021

لم نعد صغارا "23"

 

لكأنى بهذا الطريق يمتد أكثر وأكثر ، قطعته من صحراء لا ترى بقعة ماء إلا أذا سقط المطر أو انفجرت إحدى المواسير الممتدة لإيصال المياه إلى تلك المدينة المستجدة حتى رسوت على شاطئ البحر أداعبه بيدى وتلامس نسماته وجهى وكأنه العمر يجرى بين رطب ويابس وفرح وشقاء ونجاح وألم .

سنوات طوال وقرون كثيرة مرت قبل أن يعلم أحد ما لهذا المكان من أهميته فيسرع إلى إحسان استغلاله والاستفادة منه والغرق بخيراته حتى أتى القرن العشرون وحمل معه سر هذا المكان وأوشى به الى الناس .

مدينة تشغل مساحة 40 كم من الشريط الساحلى للشاطئ الغربى للبحر الأحمر ، فمن الشرق تظلها الجبال الممتدة من خليج السويس حتى تندمج فى هضبة الحبشة فى الجنوب ، ومن الغرب يروح عنها البحر الأحمر وشمالا وجنوبا تستدفئ بجيرانها .

مجموعة جزر وثلاثة أحياء هى مكوناتها ، ونسبة لشجرة ضخمة لنبات الغردق كان يجتمع عندها الصيادون القادمون من قبائل شتى وأماكن متفرقة سميت ثم حل مكان الشجرة استراحة للملك فاروق ثم ناديا للقوات المسلحة ثم مزارا سياحيا وهكذا الأيام بين الناس دول .

مجموعة من الأبنية ذات الطابع البدوى يسكنها الصيادون هكذا بدأت ولازالت المنطقة القديمة يطغى عليها ذات الطابع البدوى ، ثم اكتشف البترول فتبدل الحال قليلا إلى أن عرفت السياحة المدينة فأصبح من بها من أهلها ربما أقل من زوراها والعاملين فيها بكثير .

تمتد المدينة فى شريط طولى ينحصر بين هضبتين جيريتين فى سهل ساحلى يتباين اتساعه من منطقة لأخرى ، عشوائية وتلاحم فى المبانى وشوارع ضيقة وشوارع تتسع شيئا فشيئا وطرق متعرجة أما المناطق المستحدثة فشتان بين ذلك وذلك .

انعطف بالسيارة يمينا فى طريق تظله الأشجار من جانبيه بمظهر جمالى رائع وكأنك تسير فى مروج خضراء بديعة ، منسقة ومتناسقة  ، أنعطف يسارا وأدور للخلف متجها نحو وجهتى والطريق الجديد كسابقه تماما إلا أن بعض البنايات شغلت يمينه ...

الأحد، 1 أغسطس 2021

لم نعد صغارا "22"

 

أنعطف إلى اليمين مواصلا السير فى الطريق المؤدى إلى وجهتى وقد ضاق الطريق كثيرا عن بدايته ، فى الأفق تبدو بوابة للمدينة التى أطلبها وكلما اقتربت بدت الكثير من الحواجز وعلى الGPS تبدو المسافة باللون الأحمر دليلا على ازدحامها ، بوابة لتحصيل رسوم ثم كمين ، السير بشكل متعرج حسب الحواجز التى صفت ، يطلب الجندى اثبات الهوية فأعطيه رخصة السيارة ورخصة القيادة والبطاقة الشخصية لى ولصديقى فيطلب مننا الاصطفاف فى الجانب الأيمن بجوار السيارات المتوقفة للتأكد من هوية أصحابها وان كانت عليهم أحكاما أو مطلوبون على ذمة قضايا ، بضع دقائق يعيد إلينا بعدها الجندى أوراقنا ويطلب من الشاب الواقف بجوارنا التوجه معه إلى الضابط ، عرفت بعد ذلك أن الاجراءات الأمنية المكثفة على الطريق بسبب قضاء أحد مشاهير الرياضة اجازته هناك وموعد وصوله اليوم تحديدا .

غادرنا البوابة والكمين ومن بعدهما بدأت الكثير من اللافتات الاعلانية تحف جانبى الطريق ، فنادق ، منتجعات سياحية ، تجمعات سكنية ، مدارس دولية ، لافتات لصور مشاهيرى الفن والرياضة ، القنوات الفضائية و حفلات قريبة وتطل صدور الفنانات كأنها تود القفز من اللافتات ونظراتهن تغرقها الشهوة .

مساحة شاسعة بها عدة مبانى ، التى شغلت مساحة صغيرة منها وباقى المساحة لم تبنى بعد وحوطت كامل الأرض بسور عالى وزينت مقدمتها بلافتة لإحدى الجامعات الخاصة .

فى الناحية المقابلة تجمع كبير من العمائر السكنية ذات الطابع الواحد ، أظنها من العمارات السكنية التى تقيمها المحافظة وتبيعها لأبنائها بأسعار كانت قديما مدعمة .

طريق منحرف ينتهى ببوابات كبيرة وتجمع للبنايات الفاخرة التى ترسو على البحر ويقضى فيها الأثرياء اجازاتهم وبعضهم اتخذها مقر اقامته وادارة أعماله ويسمح بالتجول فيها لغيرهم ولكن ليس لكل الأماكن وتقام فيها الحفلات والمؤتمرات الفنية والدعائية .

بنايات صغيرة وقديمة بعض الشئ وهنت جدرانها وشاخت ألوانها لورش ومحال ومقاهى ومطاعم صغيرة لخدمات الطريق .

السبت، 31 يوليو 2021

لم نعد صغارا "21"

 

خفضت السرعة بعض الشئ وغابت مبانى المدينة التى مررت عليها وكأن البحر سحبها معه ، بعض الأدخنة تعلو من وسط المياه فأسأل صديقى يقول انها من ابار البترول فالمنطقة شهيرة بالشركات العاملة فى هذا المجال وأثار الزيوت ووقود السيارات بدأت تتضح على الطرق المتفرعة والاستراحات التى بدأت تبدو بكثرة ومقرات حرس السواحل .

طواحين الهواء تدور متناسقة فى شكل جميل ، وضعت بعناية فى هذا المكان ، شركات تعمل فى الكبريت ، المحاجر ، الأسمنت ورائحة يود البحر تطغى على كل رائحة .

الوقت يمر بصحبة الطريق وتقلبات تضاريسه المحيطة وتقلبات الجو ، فجأة يغطى التراب الطريق فلا ترى أبعد من زجاج سيارتك وفجأة تسطع الشمس فتج الكون بلا كدر كـــ ماء صافى .

فندق بمساحة كبيرة مكون من عدة طوابق ، يمتد ليبسط أطرافه على مياه البحر مباشرة ، يبدو أنه خاليا فى هذا الوقت فالمكان حوله يخلو من سمة حياة .

مقر للشرطة لتأمين الطريق صفت أمامه العديد من السيارات وأقيمت من حوله الحواجز ، كافيهات ومطاعم لخدمة المسافرين ، وجبات سريعة ، مأكولات ومشروبات يطغى عليها رائحة البحر ، حتى ديكور المكان اتخذ من البيئة المحيطة به ملهما .....

أتابع اللوحات الارشادية على الطريق لمعرفة المسافة المتبقية حتى أصل إلى وجهتى ، أتابع الصحراء وكثبانها الرملية وحشائشها التى تظهر على فترات ، أثار السير واتجاهات الأماكن الممهدة ، البحر وموجاته وأبواق السيارات ...