السبت، 11 سبتمبر 2021

ضحكتك فيها كهربا

 

الظلام خائف ، يجثم على حافة الليل برفق خشية أن ينتبه له ، يشمه بلسانه كأفعى ، ثم يتوغل فيه بخفة كـ حلم .

الأصوات تشطر الصمت ، تفرق بين عراه ، وتفجر مسامه ، فيصدح منها النغم ، كلمات تعزف ، يتردد صداها ، لحن وغنوة .

الصوت هذه المرة كان صوت زغاريد ، أصوات النساء كتصفيقهن يجذب بعضه بعضا ، النساء تزغرد وكذا أبواق السيارات ، أيقظ الضجيج الكلاب فارتفع عوائها مشاركا فى العُرس ولا عجب أن تسمع صياح الديوك أيضا ..

تدافع السيارات ، يُحدث زوبعة من الغبار والأتربة ، تقتحم أنفك عنوة ، كل شئ يحدث فجأة وبسرعة ، تكون جالسا تناجى قمرك وترقب الظلمة التى تتسرب كأنها سجين يفر من سجنه وفجأة : المنطقة التى كانت مٌغلفة بالعتمة تحيلها مصابيح السيارات الى نهار وكأن السجين شوهد وهو يفر فانطلقت صافرات الانذار فأسرع نحوه الجنود فأُمسك به وأُسر، الصمت حمل أمتعته وأختبئ فى كوخه ، صليل المفاتيح واصطكاك الأبواب ...

قمر آفل ونجوم غائبة وسماء حزينة وفتيات ضحكاتهن رنانة ، تسمع لحديثهن دويا كـ طنين النحل .. خادمات يسرين عن ملكتهن ...

لا أعتقد أن النساء فى حاجة إلى موسيقى ، يكفى فقط أن يجتمعن وتتفق أصواتهن ، قطعا ستسمع ألحانا بديعة ، فرحة و شجية ، هادئة وصاخبة ، ثم ينشر السكون جنده ويفرض سيطرته فلا تسمع إلا الهمس ... وسعال عجوز يدخن بشراهة ، وأطفال وكأن الليل انشق عنهم فخرجوا يجرون خلف كرتهم ..

يتحدثن ، يحكين أحداث الليلة حتى لا يفوت على إحداهن ما رأته الأخرى  ، فستان العروس يكشف أكثر صدرها وعندما حملها العريس ودار بها ظهر "اللانجيرى" الأبيض ، عن فلانة التى كانت ترتدى ملابسا فاضحة أكثر من اللازم ، عن التى كانت ترقص " فاكرة نفسها صافيناز " فيتقافز نهداها امامها حتى أوشكا على الخروج مع صوت الجاسمى ضحكتك فيها كهربا ....، وبنبرة خبيثة واضح أنها لم ترتدى سوتيانا عمدا لتلك اللحظات ، عن نظرات الرجال التى كادت أن تنخلع على صدرها ومؤخرتها ، عن الغيرة التى بانت فى عيون صاحباتها فقفزن بجوارها كى لا يدركن حظهن من العرض ... وبنبرة خبيثة  " مش طبيعى يا حبيبتى " .

عن العريس وأنه كان يستحق من هى افضل منها ، عن وسامته ومكانته ، عن عائلته وثروته ، عن النادى الذى أقيم به العرس ، عن أصدقاء العريس الذين أحاطوه وكانوا يرتدون ملابسا خاصة جهزوها لهذا العرس ، عن الأغنية التى رددوها سويا ، " كان هيموت على بنت أختى بس باباها موافقش .... عنده لها عريس أحسن ".

 عن الجاتوه الذى كان ينقصه السكر والشيكولاته التى ينقصها الكاكاو والمخبوزات التى كان ملحها قليل ، عن مفارش المناضد التى لم تكن نظيفة بما يكفى ، عن الست وأبنائها الذين كانوا يلتهمون الطعام إلتهاما ، عن المشروبات التى لم تكن باردة .

النساء يستطعن الإتيان بكل المشاعر والأحاسيس فى نفس اللحظات ، ينتقلن من ذم الى مدح ، ومن سب إلى قبلات وأحضان ، ومن بكاء الى رقص وفرح ، لسن منافقات ولكن طبيعتهن كذلك ، تغلبهن عواطفهن فيندفعن بالكلية الى اى شئ يتحدثن فيه فتنهمر الكلمات والمشاعر دفعة واحدة .... الليلة كانت حلوة قوى يا عمو ربنا يفرحكم بأخواتها يارب ، كانت أجمل عروسة ولو لف الدنيا مش هيلاقى فى ضفرها ...

انتهى الحوار بضحكات "مشبعة بالرغبات" أيقظت كل المنطقة وأيقظت الشهوة لدى البعض وأحضان وقبلات وتمنى أن يدرك الفرح جميعا قريبا ...

الخميس، 9 سبتمبر 2021

وليلة أخرى

 

الليلة الوضع مختلف ، السماء خالية تماما حتى النجمة الوحيدة البعيدة غادرت أيضا ، السحب هرعت إلى أسرتها ، القمر والنجوم اختفوا خلف أسراب رمادية ، الهواء قدم باكرا ، تتمايل الستائر وأغصان الشجر ، نفس المصابيح موقدة ، السيارات نائمة فى أماكنها ، إحداهن ربما شعرت بالبرد قليلا فتدثرت بلحافها ، مذاق الشاى يزداد لذة ، كل شربة تزيح أمامها شيئا من أثار الصداع ، سعف النخيل يتمايل راقصا ..

عيناها صافيتان هادئتان ، صوتها دافئ ، خجلها مُربِك ، تنظر إلى فتذوب ضلوعى ، وتحمر وجنتى وتجرى الدماء فى عروقى ويسيل العرق على جبهتى وتسمع ازيزا لنبضات قلبى ..

شفتاها شهيتان فتُؤكل ، يخرج من فمها رحيق يُمتص ، عسلها يُسكِر ، سحرها آخاذ ، ودود تشتهى قربها ، تقترب فتخشى لهيبها ، ناعمة كـ أفعى ، قوية كـ لبؤة ، وفية كـ ذئب ، غامضة كـ سر ..

الشارع الليلة نشطا ، خطوات كثيرة ، أطفال يعبون بدراجاتهم ، تعلو صيحاتهم ورنات كثيرة تطرق الهواتف ، وأبواب لا تكف عن الارتطام وشرفات خالية .

باب يفتح فيخرج منه شاب يرتدى شورتا يصل الى ركبته وفانلة منزوعة الأذرع ، يجذب خرطوما بيده ، يثبته بصنوبر الماء ثم يفتحه فتنتفخ جنبات الخرطوم ثم يقفز الماء يعانق الشجار والشجيرات والعشب فتفوح رائحته تعانق رائحة الليل ، ثم ينثر المياه أمام بيته ، يرى بعض المارين فينتظر ثم يواصل بعد أن يتخطوا بيته ....

البيوت ناعسة وأكثرها نائم ، العتمة تغلف واجهاتها ، يأتى الليل فتنزع عباءة النهار على عجل ، ثم تبدأ فى رحلة الخمول حتى تتوغل إلى أقصاها ، متلاصقة يحمى بعضها بعضا ، متقابلة يرقب بعضها بعضا .

المساحة التى تصطف فيها السيارات كانت قريبا مروجا خضراء ، أشجارا وشجيرات وعشبا منسقة ومتناسقة ، فل وياسمين وريحان ، كانت تلامسها حبات الندى فتملأ المكان بهجة ثم أهملت فحزنت فذبلت وافترستها الزواحف وغطتها الأتربة وأفات البشر ، شاخت وذبلت فتساقطت أوراقها ، كـ حالى بدونك ، هش لا أقوى على الحركة ، ضال لا أعرف وجهتى ، حزين يئن قلبى بحرقة ، شارد يظن الناس بى جنون ....

شفتاك ليل ، مكتنزتان كـ وجع ، شهيتان كـ حلوى ، معذبتان كـ وطن ، فائرتان كـ بركان ، جامحتان كـ ثورة .

عيناك مخيفتان كـ صحراء ، غامضتان كـ عدو ، هادئتان كـ بحيرة ، لا معتان كـ نجمة ، غاضبتان كـ ثورة .

الأربعاء، 8 سبتمبر 2021

عيش وملح

 

الوقت لازال باكرا ، السماء تنفض أثار النوم عنها ، الطيور تهز أجنحتها من الندى الذى بللها ، النسائم تجول تدفع بما بقى من رائحة الليل ، يرفع الغطاء أو ما تبقى منه بعد أن سقط أكثره من عليه ، يزلف إلى الكنيف ، يفرغ مثانته ، أصوات اضطراب معدته عاليا ، تستيقظ زوجته ، تأخذ كوبا لتصب عليه الماء من الطست الرابض بجوار الزير فى صحن الدار ، الكنيف بجوار السلم ، يفرغ الرجل وتسرع زوجته تصب عليه الماء ، يغسل يده ووجهه وتفرغ ما تبقى على رأسه الذى يغمره الصلع ، فوطة أو هكذا كانت يوما يجفف بها أثار الماء ، يفتح الباب الخارجى ، يلتفت يمينا حيث الحوش الذى يستخدمه كزريبة تبيت فيه أغنامه وماعزه ، مسورة بسور من غاب ملطخ بالطين ، بابها الخشبى فى قوائمه يتوسطه صاج قطعه من برميل قديم ، الكلاب نائمة أمام البيت والزريبة ، ترفع رأسها تلتفت إليها ، تطمئن أنه هو فتعاود نومها ، يعود إلى الحجرة ، جدرانها طينية عريضة ، سقفها خشب وبوص ، صورة قديمة لأمه معلقة على الجدار تكاد الملامح أن تختفى منها ، بالغرفة السرير الذى ينام عليه ، سرير زواجه ، كان فراش الزواج هذا السرير المصنوع من ذلك الخشب الردئ ، ليس خشب تحديدا ولكنه تبن مضغوط ، وضعت عليه مرتبة دعمت بالعديد من الكراتين الفارغة ، مغطى بملاءة بها الكثير من البقع ، والباقى دولاب وأوعية وأوانى الطهى ووبور .

يحضر المنقد "المصنوع من الصاج " من فوق الفرن النائم فى صحن الدار ، يحضر الكوالح من الشيكارة المركونة على السلم ، يجلس ، يرص الكوالح على الموقد كأنه يبنى كوخا أو عشا ، يضع واحدة أسفلها ويرش عليها قطرات من وبور الجاز ، يشعل ثقاب الكبريت فتنفر النار تلتهم الكوالح ويتعالى الدخان ، يملأ كنكة بالماء من الزير ، يضع عليها بعضا من شاى التموين من العبوة الخضراء المتروكة فى كرتونة تحت السرير بجوار الزيت والسكر وبعض الحبوب المحفوظة ، ينتظر حتى يقل الدخان ثم يضع الكنكة على الموقد ، يجذب الشيشة المتكئة على قائم السرير ، الجوزة " الشيشة " عبارة عن علبة بيروسول فارغة صنع بها ثقبا توضع فيه مقدمة عود من البوص بعد أن يكون قد فرغ من كل ما فى داخله جيدا كأنه ناى ، وتوصل بحجر "قطعة فخارية " تربط على فتحة الزجاجة ، تستخدم كوعاء للمعسل والفحم ، يغير المياه الموجودة فى العبوة ، ويقوم يرتدى الصديرى والجلابية ،  تضع زوجته المشنة بجواره ، تهدأ النار وتبقى حرارتها ولونها ، تسخن أرغفة الخبز وتضع ما يسخن أمامه ، قطعة جبن مع قرون شطة حارة ومزيج من المخللات ، أعواد رجلة وسريس ، يقطع الرغيف لقيمات كبيرة ويلتهمها ويبلعها بسرعة ، يكب فوقها الماء من " القلة " التى باتت ليلتها فى الشباك تبردها نسمات الليل ، يناول ابنه رغيفا فيتمعض وجهه فتضع الأم امامه طبقا البيض فتعاوده بشاشته ، ينادى الابنة فتتأخر فى الرد فيسبها ، وينادى مجددا فلا تجيب ، أخيرا قدمت فيقابلها بحذاء كاد أن يرشق فى وجهها لولا أنها انتبهت ، يا " بنت الكلب " لما لا تردين من اول مرة ؟ ، تبتسم له وتقدم له طبقا فيه بعض الكعك وطبق فيه عسل أسود ، فتهدأ ثورته ويواصل طعامه ، ينادى زوجته أن تحضر بعض الملح يرغب فى أن يغمس فيه الكعك ، جرعات أخرى من الماء ، يتجشأ ويبعد الطعام من أمامه ، يجذب كوبا زجاجيا ويضع فيها سبع معالق من السكر ، يصب الشاى الذى مل من الغليان فى الكنكة ، يترك متسعا لإضافة اللبن الذى أحضرته ابنته ، تجلس زوجته تجهز له الشيشة ، يخرج المعسل من علبة كرتونية مكتوب عليها " دخان عباس " ، تضع المعسل أولا فى الحجر ثم تضع الفحم بعد أن طاب فى الموقد ، تضبطه بالماشة ، يضع مقدمة الجوزة فى يده ويبدأ فى تناول جرعته ، يجلس مستندا ظهره على الحائط ويرفع وركه الأيمن ، يخرج الدخان من فمه وأنفه فيلطخ جو الغرفة ، اعتادت زوجته عليه فأدمنته حتى أنها أصبحت تشاركه وخاصة فى سهرات الخميس ، لكن الابنة لم تعتد ذلك بعد فتسارع تفتح الشباك من الخارج حتى لا تكتم الغرفة بعد أن عبئها الدخان ، حجر يليه حجر يليه حجر ، شهيقا يملأ صدره ، ينتهى فيترك الشيشة ويلقى بعض الماء على بقايا النار فى الموقد فيطفئها ثم ينزع الحجرعن الجوزة ويفرغ ما فيه فى الموقد وينظفه جيدا بالماء ، ثم يرمى الماء الذى فى " علبة البروسول " المستخدمة وعاء للشيشة فيخرج الماء برائحة الدخان العطنة ، يجففهم جيدا ثم يضعهم فى كيس بلاستيكى ، ويغلق عبوة الدخان جيدا ويضعها فى جيب الصديرى الذى يرتديه أسف الجلابيه ، يتحرك قائما ويشير لابنه ليلحق به ...

يفتح باب الحوش ، فتتسابق النعاج فى الخروج والماعز أخف منها فيسبقها وكبش يتعدى على صاحباته ، يسير الابن فى مقدمة الموكب يتبعه الأغنام والماعز والجحش الصغير الذى ماتت أمه مؤخرا وفى المؤخرة يسير الاب تلحقه الكلاب تمنع النعاج والماعز من أن تزوغ هنا أو هنا ، يخرجون من الحارة الضيقة مخلفين وراءهم زوبعة من الغبار والأتربة ، تتبعهم دعوات الأم بالرزق واشمئزاز الجيران الذين ضاقوا ذرعا بالغبار الذى اقتحم صدورهم وبيوتهم عنوة ...

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2021

هذه ليلتى

 

الليل ، الهدوء ، السكينة و السكون ، السماء خالية تماما ، أقلب وجهى فيها ألمح نجمة وحيدة بعيدة ، تومض ويخفت ضوءها ، أسمع صياح ديك ، شجرتان أولاهما فى اليمين والأخرى عن اليسار وسط مساحة خالية تصطف من حولهما السيارات ، تركن سيدة سيارتها ، تترجل منها هى وأولادها ، بعد قليل أسمع صوتا جماعيا يعلو ، سنة حلوة يا .... سنة حلوة يا جميل ، يتبعه تصفيقات وصوت غناءهم مجتمعين ، يمر اثنان ، رجل وامرأة يتحدثان سويا ، يسعون بخطوات سريعة ، يحاول أن يبطئ الرجل من خطواته لأن أنفاس زوجته تعلو خلفه ، بعض المصابيح مضاءة فى الشرفات ، ضجيج إغلاق أبواب السيارات ، الطريق الرئيسى قريبا من هنا لكنه فى الليل هادئ ، تمر عليه بين الفينة والفينة بعض العربات والدراجات البخارية ، يلهو الأطفال بألعابهم ، فرغوا من إلحاح أمهم عليهم للانتهاء من واجباتهم أولا قبل النوم ، فالنوم يأتى دوما والجوع والتعب والعطش كلما كان هناك واجبا لابد من إنجازه ، أمسكت هاتفها وشردت مع عالمها ، أكواب الشاى باللبن كما هى تائهة وسط كتبهم وأقلامهم ، تصرخ فيهم ليشربوها قبل أن تصير باردة ، مكعبات ملقاة فى كل مكان ، أقلام ألوان ، أحجار شطرنج ، كرتون السهرة انتهى ، يمسكون الهاتف يشاهدون اليوتيوب ، المطبخ يئن من الأوانى التى تركت دون غسيل .

يترجلون من السيارة وصفارات انذارها تعلن إغلاقها ، اصطكاك الأبواب الحديدة يعلو ، تقف فى الشرفة تروح وتجئ ، تمسح حبال الغسيل ، ثم تبدأ فى نشر الثياب ، تتساقط منها بقايا المياه التى ظنت أنها نجت من العصر .

تجذب ستارة الشرفة ، تطفئ الأنوار فيها ، ستارة واحدة مجزئة الى قطع متساوية متجاورة ، تفرق بين شطرين ، تلتفت نحوى ، تلمس بيدها شعرها ثم تطلق صراحه فيتناثر حول وجهها ، أسود كماء محيط ، ترفع كوبا بيمينها ، ترتشف بعضا منه ...

يعلو صوتها من هناك ، يبدو أنها فى حديث مع زوجها ، هكذا اعتدتها ، دوما فى شجار ودوما لا أسمع للزوج صوت ، فقط أراه ينزل مسرعا ، يركب سيارته ويغادر ، مرة واحدة سمعت صوتا يعلو فوق صوتها ويرد لها الصاع صاعين ، عرفت أنه ابنها ....

نسائم الليل خفيفة ، تتوغل خفية فتتحرش بأوراق الشجر وأغصانه ، كل البيوت تحفظ عاداتها ، من اعتاد اشعال المصابيح لنثر الضى يفعل ، ومن اعتاد اغلاق الشرفات والنوافذ يفعل ، ومن اعتاد اختلاس النظرات يفعل .

يقف فى شرفته ، يرتدى ملابسه الداخلية البيضاء ، يشعل سيجارته ويلقى بصدره على سور الشرفة الحديدى فتتساقط الأجزاء المحترقه وأعقاب سجائره على الغسيل المنشور لتوه ..

سيارة قديمة ، ألمانية الصنع ، يبدو أنها أنتجت فى أربعينات القرن الماضى ، سوداء تغطيها الأتربة ، يهدر موتورها بقوة ، يحاول الفتى تشغيلها ، تحتاج لعدة دقائق ، يخرج بها على فترات متباعدة ، يحاول تشغيلها للمحافظة على بطاريتها وعلى موتورها ومكوناتها من العطب ، نعم السيارات يصيبها العطب أيضا كذلك كل ما يترك دون حركة يعطب أيضا ...

بكاء رضيع يعلو ، يبحث عن أمه لتلقمه ثديها ، شدة الصوت تدل على الجوع ، أو تدل على وعكة بالبطن وربما يحتاج لتغيير حفاضته وربما يرغب فى النوم ، الأمهات والأطباء يستطيعون معرفة السبب من نوع البكاء ودرجته لكنى بالطبع لا أعرف ...

طرقات فى الأعلى ، يبدو أن جارى يحاول تحريك شيئا من أثاث شقته كعادته فى الليل ، يجذب باب الشرفة بقوة ، اسمع صوت ارتطام الأبواب ، تهتز بقايا زينة رمضان المعلقة فى الشرفات ...

تخرج إلى الشرفة ، تمسك بهاتفها ، تترك شعرها معكوصا من الخلف ، ترتدى قميصا يكشف ذراعاها ومنابت صدرها ، تنحنى للأمام فيطل أكثره ، تعتدل بعد وقت ، تلتف وتمشى مختالة يتصاعد دخان من فمها  ، الهواء بدت رسله  ، النسائم تداعب الخد بلطف والنجمة مازالت تومض وحيدة وصوت يعلو ...هذه ليلتى .

الاثنين، 6 سبتمبر 2021

لم نعد صغارا " 36 "

 

تم اخلاء المكتب من المستندات التى عليه بعض استئذان المديرة التى كانت ودودة جدا معنا ، سيدة خمسينية شقراء يعلو وجهها ابتسامة لا تفارقها ولا تخلو يدها من حبات الكرامل وكذلك مكتبها عليه علبة مملوءة بالبونبون بخلاف الأقلام والأدوات المختلفة والتى تم استخدامها بالفعل فى العمل .

أحضروا المستندات المطلوبة وتباعا كان يتم توفير ما يطلب وما لم يكن متوفرا كنا نسجله على ان يكون متوفرا غدا حتى لا يتم تعطيل العمل وشغلنا بعملنا حتى انتهى النهار .

أغلقنا حواسبنا وجمعنا أشياءنا وانطلقنا مغادرين المبنى ،  ركبنا السيارة ، نحاول أن نسير على هدى الأمس وعندما اختلطت علينا الأماكن شغلنا الGPS مجددا ، ركنا السيارة واشترينا حاجاتنا من المتجر ، اغتسلنا وصلينا وأجرينا بعض تليفونات الاطمئنان على الأسرة ، وقت قليل فى الشرفة نستنشق بعض الهواء وتفكير فى كيفية قضاء الوقت المتبقى لحين قدوم رسل النوم .

يقلب صاحبى فى هاتفه كعادته يبحث عن أماكن للزيارة واماكن للتجول وأماكن لقضاء الوقت ، يعرض على أشياء كثيرة ، يقول ان الوقت متأخر لترتيب رحلات سفارى أو ما شابه ذلك ، نبدل ثيابنا وننزل ونترك اختيار الوجهة لما يتيسر لنا .

ننزل الى الشارع ، نقود السيارة ، نقرر التوجه الى متحف الاحياء المائية وعندما وصلنا الى المكان كان على وشك الاغلاق فلم نتمكن من الدخول ، نعود مجددا نسير فى الشوارع والمناطق المختلفة ، نزلف من مكان لأخر ، نبحث عن البحر ، يختفى خلف الفنادق والنوادى التى حصلت على حصلت على امتياز المناطق المطلة مباشرة عليه وبالتالى لا سبيل للاستمتاع بالبحر فى المدينة الا من خلال ارتياد تلك الأماكن ، نعود الى مكان اقامتنا نركن السيارة ونقرر مواصلة البحث لاستكشاف المنطقة على أقدامنا ، نجد صاحب الأمس يمر بسيارته فيتوقف لنا ويشير أن تعالوا معى ، يدور بالسيارة ويمر من شارع الممشى الى مسافة طويلة فيه ويخبرنا أن البحر خلف كل تلك الأبنية التى عن يميننا وأقرب نقطة له من خلال هذه المقاهى ، ثم يزلف بنا الى شارع " شيرى " ، ندخل من شوارع جانبية متفرعة الى أن نجد مكانا يركن فيه سيارته ، شكرناه واستئذناه أن يذهب هو كى لا نعطله أكثر وأرشدنا الى كيفية العودة الى مقر اقامتنا .

شارع سياحى يتوسط المدينة ، يرتاده زائروها والقادمون اليها من شتى بقاع الدنيا خاصة وأن هناك العديد من الفنادق والمنتجعات الحاصلة على تقييمات عالية تقع بالقرب منه ، تكثر به البازرات والمحال التى تستهدف السواح بشكل خاص ، تحول الى ممشى مميز وأصبح قبلة للجميع ومتنزها آمنا للأسر والسواح على السواء ، أغلق فى طريق السيارات وأقيمت به العديد من الأكشاك الأمنية وأنشئت به الحمامات العامة وزينت مداخله ببوابات جميلة وزرعت به الأشجار التى أحاطت الممشى من جانبيه فأضفت على المكان سحرا خلابا ، أقيمت به كافتيريا وأماكن للجلوس ومسارات للمشاة ، فضلا عن المطاعم والمحال ذوات السماء الرنانة المنتشرة فى أرجائه .

تجولنا بعض الوقت فى الممشى ثم دخلنا الى مطعم على ناصيته ، المطعم مزدحم فى طابقه الأرضى فصعدنا الى الطابق العلوى ، فاصل من الزجاج يحول بين الجالسين بالمطعم وبين المارين فى الشارع الرئيسى ، الأضواء مبهرة ، مصابيح تلمع كالنجوم ، تناولنا غداءنا ونحن نرقب السيارات والمتجولين بجانبنا .  

الأحد، 5 سبتمبر 2021

رائحة الزمن " تتمة "

 

تجمعات لمياه الصرف ، فى نفس مدخل الشارع القديم ، تدور من حولها النسوة حتى لا يمس الطين ثيابهن ، المبانى شاخت ، طحالب خضراء تكونت على الجدران ، تدور عينى فى اللافتات المعلقة ، أبحث عن لافتة بعينها ، أخيرا وجدتها ، مر عليها سنوات طوال ، تغطيها الأتربة كليا ، مقر لعيادة طبية لطبيب شهير وزوجته ، توفى منذ سنوات كثيرة تقارب العشرين ومن يومها وهجرت زوجته فتح العيادة مجددا وتفرغت لتربية الأبناء ، علمت أن ابنه الصغير سيعاود فتح وتشغيل العيادة مجددا ، سألت الله له المغفرة والرحمة فلم تخط قدمى هذه العيادة يوما إلا ووجدت الكثير عنده يعالجهم ويقدم لهم الدواء دون أن يتقاضى مليما واحدا ، يكفى أن تقول فى العيادة فقط أنك من بلدة كذا أو أى بلدة قريبة منها ....

سيارة ترجع للوراء وسيدة تمر شاردة فأدركها قبل أن تصدمها السيارة ، تاجرة خضروات تشيح للسائق وتتشاجر معه لأنه توقف قبل مكان فرشتها بمترين وتأبى مغادرة السيارة قبل أن يتحرك المسافة المتبقية ، يتحرك وينزل من السيارة غاضبا لينزل لها حاجاتها ويترك الباب مفتوحا فيغلقه شاب مار بالجوار .

فى هذا المكان تحديدا كان يجلس باعة الكتب والجرائد ، أفتش جيدا حتى أتعثر فى مساحة ضيقة على حانوت الكتب ، كشك شديد الصغر يجلس فيه رجل خمسينى ، تحيطه أعداد قليلة من الكتب وأمامه وضع طاولة خشبيه صف عليها اعدادا محددة من الجرائد اليومية و أقل منها من اصدارات المجال الثقافية والمتخصصة ومجموعة كتب فى الادب والفكر والتاريخ والسياسة والفلسفة ، بعضها قديم يصفها فى رف عن يساره ، أرى شطرا مقطوع فى غلاف كتاب تاريخ ، أتصفحه ثم أشتريه منه ، الأوراق صفراء رائحتها تفوح ، كأن الذى غير لونها توالى السنون ، أتصفح الكتب الموجودة وأختار مجلات بعينها تصدر مصحوبة بكتاب ثم اختار بعض الكتب فيعرض على غيرها وكأن أول مشترى يمر عليها منذ سنوات ، ما غادرته إلا بعد أن حصلت منه على غنيمة طيبة فى مجالات مختلفة ، طلب منى معاودة زيارته فى اليومين التاليين وسيحضر لى كتبا جيدة وباقى أجزاء لكتاب اقتنيته منى ، ولكن الوقت لم يمهلنى لأفعل .

كانت هنا سينما درجة .... ليست مصنفة اصلا  ، تعرض عدة افلام فى اليوم ، عربية وأجنبية ، يتسابق أمامها طلبة المدارس والعاطلين عن العمل ، خاصة عند تغيير العرض مع صباح الاثنين من كل أسبوع بخلاف السينمات الأخرى التى كان العرض فيها عادة يبدأ الأربعاء ولا تقدم سوى فيلم أو اثنين فى أكثر الأحوال  ، يبدأ العرض فى العاشرة صباحا ويستمر وتتكرر الأفلام ويمكنك أن تبقى حتى تغلق السينما أبوابها .

محلات جزارة معلق عليها الذبائح ، غطيت بأقمشة بيضاء مخضبة ببقع من الدم ، الجزار يرتدى ثيابا قصيرة ، يمسك بيديه سكاكين يعالج بها اللحم ، محال لبيع الأوانى المنزلية المصنوعة من الألمونيوم ، ورش للحديد والكريتال ، روائح الفسيخ إلتهمت خبث الحديد  ، سلاسل حديدية ، أحجار لسن السكاكين ، فؤوس وأدوات زراعية معلقة على صدر محل ، مقاطف وحبال ، أدوات معمار ، موازين ، حصر بلاستيكية ، لفات مشمع ، مواسير ستائر ، مفصلات وكوالين ، ورش أخشاب تتقدمها أبواب خشبية وشبابيك وكراسى ومناضد وشماعات ، نشارة الخشب تملأ الارضية وتتناثر امام الورشة ،  بيوت تشبه بيوت الريف كأن مونتها الطين ، يبدو أن طلاءها كان يوما أخضر ، لم تبقى منه سوى رائحته بعد أن أرهقته السنون .

المناطق كما الأشخاص تتشابه ، نفس الملامح ، الشوارع الضيقة ، الحوارى والأزقة ، نفس الروائح ، نفس الانكسارات والهزائم ، الأشياء الساذجة نفسها ، الحماقات ذاتها والعجيب أن المصائر نفسها أيضا .

هنا كانت صوامع ومخازن القمح التى كان منها يطعم القطر كله وبها مكن الله نبىه يوسف " عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام " فى تجاوز مصر للسنوات العجاف ،  هنا كانت زراعات القمح منتشرة فى كل الأراضى ، هنا كان الخير ينثر مع البذور،  إلى ان استخدمت الأرض فى مد الطرق ونزعت ملكيتها للاغراض العامة كما يقول من كان يوما يزرعها  فضاع القمح وانتشرت البطالة بين المزارعين وضاع عليهم قوتهم وما بقى من علامات القمح سوى مسمى هذه المدينة .

السبت، 4 سبتمبر 2021

رائحة الزمن

 

أستغل وقت الانتظار الذى فرض على أثناء تواجدى فى المدينة التى لم أزرها منذ نحو عقدين من الزمن ، فأنزل الى الشوارع أقضى بها بعضا من هذا الوقت ، التوقعات أن المدينة ستكون قد اختلفت كليا كما هو الحال فى باقى الأماكن ، المحال التى كنت أعرفها ستكون قد اختفت وحل محلها غيرها ، الأبنية ستكون اختلفت ، الأماكن القديمة قطعا ستكون هدمت وأنشئ بدلا عنها الأبراج ذات الارتفاعات العملاقة ، ولكن المفاجأة أن كل شئ كان كما كان ،  حتى أننى كنت أخشى أن أضل الطريق ولكنى وجدتنى ذلك الفتى الذى كان قبل ما يقارب الثلاث عقود يحمل حقيبته المدرسية ويسير فى طرقات وشوارع تلك المدينة ، الأرصفة كما هى مكسرة تتقافز عليها السيارات وسباب السائقين يصطدم بوجوه وأسماع المارة ، باعة ملخصات الكتب المدرسية القديمة يفترشون الشوارع كما هم ، يشترونها بأسعار زهيدة من الأسر التى انتهى ابناؤها من أعوامهم الدراسية ويعيدون بيعها للطلاب الجدد بسعر معقول ولأن مناهجنا ثابتة كما الأهرامات " باستثناء ما يحدث مؤخرا من هدم " تطوير " للمناهج ،  فان تلك الكتب لا تختلف عن الجديد منها سوى فى تاريخ الاصدار ، يتوسطون باعة الخبز الناشف والفاكهة والخضروات ، مكتبة العلوم والمعارف تتقدم محال الحدايد ، كشرى الزعيم ، محل عصير يجاور محل الحلاقة الذى صففت فيه يوما شعرى مستخدما كريمات " فرد " الشعر كـ " معاطى " الطالب الوسيم الذى تغلب على تصرفاته البلطجة دون أن يمتلك فى جسده أيا من مقوماتها ، كان يعجبنى شعره الذى صفف بتلك الكيفية وعندما كان يجرى أو يتحرك كانت خصلات شعره تتقافز وكأنها أعلنت النفير ، كم علقة تلقيتها لأمتنع عن تلك التسريحة وكم من جنيهات أنفقتها لاقتناء تلك الكريمات والمثبتتات التى تتبعها ، نفس بائعى الحقائب والأحذية حتى ان المعروضات يبدو الغبار مستقرا عليها كأن الحداثة ضلت طريقها إلى هذا المكان ، رائحة الحلوى والفطائر والجبن تتداخل مع روائح الأسماك والفسيخ ورائحة المبانى والشوارع ورائحة الزمن .

المقهى القديم ، مقاعده ومناضده وشيشه ، بائع الأحذية الجلدية يقف مقابله ، متاجر الصاغة ، مجوهرات وفضيات ، محال اقتحمت مربعا كاملا ، فاترينات العرض تجلب المارة من الرجال والنساء ، الفتايات أكثر من يقضين الوقت أمام تلك الفاترينات ، كل منهن تمنى نفسها وتحلم بلحظة تتخطى فيها عتبة المحل متعلقة بيد أحدهم يشترى لها ما يعجبها من المعروضات ثم يتركون أمر السعر لرجال الاسرة يفاصلون ويتفاوضون فى المصنعية قدر الاستطاعة ، وتقضى هى الوقت ترقص على أصوات الطبل والمزمار مع رفيقاتها ..

السكة الحديدية يجرى على قضبانها أعمال الصيانة ، الأكشاك المقامة على أرصفتها أصبحت خاوية ، كان الكشك الذى يتصدر الرصيف تعلق عليه بوسترات الألبومات الجديدة والكاسيت يصم الأذان بجديد الاصدارات والفرشة تحتوى على الكتب والجرائد اليومية والاسبوعية تفوقها عددا الصحف الصفراء تتقدمها الصدور النافرة وأخبار عن فضائح لا تنتهى ، حوادث ، النبأ ، النجوم ، الاذاعة والتلفزيون ، روز اليوسف ، أسوكة وجلابيب وسراويل واسدالات ، كتب ومصاحف وأشرطة كاسيت ، وقارئ يصدح بدعاء ليلة القدر ..

قصر الثقافة يطل على ترعة يسمونها بحرا ، كورنيشه كما هو فقط سقط جزء منه فى المياه فإلتهمته ، مجلس المدينة والبريد ، ممر ضيق بين المبانى الحكومية وبرمج ضخم قالوا أنه مملوك لواحد قضى ممثلا للدائرة فى البرلمان ما يقارب العقدين من الزمن ، الممر ينزل الى فراغ واسع يفترشه الباعة القادمون من القرى القريبة ، الكوبرى الذى دوما مزدحما وخاصة يوم الاثنين حيث الموعد الاسبوعى لسوق المدينة ، المساحات المتروكة لمرور السيارات او الناس صغيرة ، لا تجد موضع قدم الا افترشه بائع ، بيض وألبان وجبن ، زبدة ومش ، بقوليات ، أقفاص وصوانى وصناديق ، أطقم منزلية ، ملابس داخلية ، شرابات ......

 موقف سيارات تملؤه العربات ذات الصناديق المفتوحة من الخلف ، الوسيلة الرئيسية لنقل المواطنين فى هذه الأماكن ، عرقين من الخشب ، كل منهما يوضع فى ناحية من السيارة ، متقابلان ، يصطف فوقهما الركاب ، ست أشخاص هنا ويقابلهم مثلهم فى الجهة الأخرى ويمكن الاتفاق على أن يكونوا خمسة فقط شرط رفع الأجرة طبعا بما يغطى تكلفة السادس أو يزيد ، فضلا عن الذى اتخذ من الاكصدام مقعدا ، الواقفين بالخارج معلقون بين الاكصدام وسقف السيارة يكادون يجعلون مقدمة السيارة ترتفع لأعلى لولا الجالسون فوق الكبود أعلى السيارة الذين يحفظون للسيارة توازنها ...

نفس العربات أيضا تستخدم لنقل المواشى والماعز والأغنام للأسواق ولكن بعد أن ينزع الكبود وترفع العروق الخشبية ...

أشجار عتيقة تتقدم مبنى يماثلها فى العمر ، ترتفع أمامه بوابة حديدية ضخمة ، تحتاج لعصبة رجال لزحزحتها عن موضعها ، مديرية الرى ومبنى للصرف الصحى ، فيلل تطل على الجانب الأخر للبحر ، احتفظت بهيئتها كما هى ، ألوانها صفراء واهية ، كأنها شاحبة ، كلت من توالى السنون ، جمعية قديمة تكدست فيها شكائر الأرز والسكر وبراميل الزيت وكراتين الشاى ، عصير قصب شهى ابتسامة صاحبه تزيد لذته ، وصيدلية احتفظت بكل شئ تتصدرها لافتة " اجزاخانة مصر " .

لم نعد صغارا " 35 "

 قضيت الوقت فى اجراء بعض التليفونات لترتيب العمل لباقى الفريق والتحاور معهم فيما قابلهم من مشكلات وما تم معهم بخصوص الأعمال الموكلة لهم لانجازها واستبدلت بعض المهمات وعدلت فى بعض المطلوبات بناء على ما يستجد من احداث .

النهار مختلف ، ضياؤه يملأ الصدر بالشغف ، النسمات الطرية تبدأ أولا ثم تتفجر بعدها الشمس تملأ الكون ثم تأخذ تيارات الهواء تمر كل حين تحرك السكون وتعطر الجو فتغدو الطيور وتروح سعيا على رزقها .

طلبت اليوم غرفة مستقلة بعيدة عن أماكن التعامل مع العملاء حتى يتاح لنا الوقت الكافى لانجاز الكثير من العمل وحتى لا يكون الموظفون مشغولون بأشياء عديدة فلا يتمكنوا من تقديم المستندات المطلوبة لنا وقد يخطئوا فيما يقومون به من أعمال فتحدث المشاكل بسبب التشتت فى أكثر من عمل فى وقت واحد .

غرفة الاجتماعات لم تجهز بعد ، أجروا بعض الاتصالات وعليها انتقلنا الى مبنى بالخلف ، تخطينا مساحة خضراء فرشت أرضيتها بالنجيلة ، فى المواجهة المكتب الذى سنقضى فيه يومنا ملحق به مكاتب أخرى للخدمات المتعلقة بمدير المبنى وعلى اليمين مساحة أعدت لممارسة بعض الأنشطة المرتبطة بالعمل وعلى الشمال مبانى أخرى تابعة للعمل وكلها بنايات من طابق واحد ، صفت فى شكل مكاتب متوالية  .

العمل هنا مقسم فى شكل أبنية ، كل بناء يشغله قسم محدد ويحيطه سياج يفصله عن البنايات الأخرى وفقط الأقسام المالية والادارية العامة هى الملحقة بمكتب رئيس مجلس الادارة أما كل البنايات الأخرى ففى داخلها ما يخص نطاق عملها فقط .

المكتب متسع وتنظيمه أضاف الى مساحته اتساعا ، مكتب كبير عليه مستندات تخص مدير المبنى وحاسوبه وشاشة يراقب من خلالها سير العمل فى الأماكن التابعة لاشرافه وكعادة مكاتب السيدات لابد من اللمسة النسائية التى تبث فى المكان حياته وتشرح الروح للعمل وتعين على تخطى صعاب النهار ، الورود موزعة بشكل بديع فى ارجاء المكتب ، المكتبات ووحدات حفظ المستندات تحيط المكتب من يساره فى المقدمة منضدة للاجتماعات تحيطها بعض الكراسى وأمام المكتب منضدة صغيرة عن يمينها ويسارها كرسيان ، على يمين المكتب مكتبة تضم بعض الشهادات والجوائز والتكريمات ، وعلى الجدران لوحات تحوى صورا ضوئية خلدت بعض الذكريات .

الأربعاء، 1 سبتمبر 2021

عشاء برفقة عائشة

 

مجموعة قصصية للدكتور محمد المنسى قنديل

مقتطفات منها /-

عشاء برفقة عائشة

اخفض صوتك ، هذا المطعم مثل المكتبة ، لا يجب التحدث فيه بصوت عالى ، الهمس يجعل الأمر أكثرر حميمية ، هذه هى الفكرة .

الشمعة التى بيننا متوهجة ولكنها لم تنقص ، طرفها المدبب مازال كما هو ، الخيط التى تنشب فيه النار لا يحترق ...

حالة طوارئ

كان الصمت سائدا حتى أن ذرات الهدوء تراكمت فوق بعضها ، الشارع الذى لم يكن يخلو من السيارات والشاحنات أصبح قفرا ، الريح خائرة وقطرات الماء التى كانت تتساقط من الصنابير قد توقفت ، حتى الثلاجة القديمة كفت عن الطنين .

شئ أخر كنت أكرهه فيه ، هو ذلك الغموض الذى يحيط به نفسه ، غموضا يجعله كئيبا مثل يوم ضبابى

كنت قد سمعت صوت اطلاق الرصاص بالفعل ، وسط هدأة الليل ورعبه وظلمته ، لحظتها خشيت الاقتراب حتى من النافذة أو اضاءة النور ، لحظتها تقرفصت فى إحدى أركان الغرفة وخبأت رأسى بين ركبتى ، شعرت بعد ذلك بالخجل ....

ذلك الوجه المسكين المشع الملئ بالدهشة والخوف والوجع والشوق المحض والوله والتوق ...

لماذا يجعل كل لحظاتى الشاردة تتجمع رغما عنى ، وداعات وآمال ضائعة وأحلام كلها مطفأة ، كأن فى بريق هاتين العينين شئ من بقايا الكون ، أخر النجوم قبل أن تخبو وآخر الشهب قبل أن تهوى ، أضواء تضيع ولكنها لا تتبدد ، تبحث عن حدقتين مثل هذه فتسكن فيها وتتحول الى بريق دافئ ، جارح وأسيان ، كأنه قد وضع خلاصة روحه فيها ....

المنزل على منحدر النهر

القمر مكتمل يفرد ضوءه على الزرع وهامات النخل واسطح البيوت – كل شئ ينبض بحياة مضيئة باردة .

تمتلئ الدروب بروائح البهائم واللبن الرايب والعرق وصابون الغسيل الرخيص .

الساحة مليئة بأكوام القش والنوارج والبقر الغافى والبشر الملتفين فى الأجولة .

مياه النهر دائما ما تكون غاضبة ، تحمل عروق الشجر والحيوانات النفقة والكثير من الغرقى ....

اجذب مقود الحمار وأنا ارتجف من البرد والخوف ، تضاءلت اصوات النهر والرياح والذئاب ولا يبقى إلا ذلك النباح المسعور ، كأن البيت كله ينتفض معه ...

أشم رائحة المنزل قبل أن أدخل ، مخمل عطن وهواء راكد مشبع بالغبار وافرازات سوس الخشب وتحلل الأطعمة وأنسجة الملابس ...

ترفع يدها بسرعة وتفتح ثوبها من أعلى ، يبدو صدرها فجأة ساطعا أمام عينى ، نهدان نافران للأمام ، متصلبان من الخوف والرغبة ، تتصلب عيناى على قمتيه الورديتين ..

يبدو القمر شديد الاقتراب من النهر ويبدو النهر شديد الدعة ، ويهب علينا هواء دافئ لا ندرى من اين يهب ثم يبدأ البيت فى الارتفاع من أسفل المنحدر ..

تميل على وتمس وجهى بشفتيها ، آخذها بين ذراعى ... ، يتشابك جسدانا ، شفتاها الباردتان الرفيعتان تتحولان الى الدفء والامتلاء ، تستكينان بين شفتى ، أعاود تقبيلها ، أسمع صوت الريح مختلطا بأنفاسها المتلاحقة وهى تتعلق برقبتى وتبحث عن منفذ تدخل منه الى جسدى وتختبئ بداخله ...

غابة بلقيس

كنت منهكا من شوارع المدينة التى جبتها عشرات المرات ، حفظت روائح الأرصفة فى الأحياء المختلفة وطيف الأضواء فى النوافذ وتشكيلات السحب فى الليل ونازعت الكلاب الضالة نفس الطعام ...

ليدى هوم

أعبر جسرا فوق نهر عطن ، تنحدر الشمس فوق المعابد المدببة الأطراف ، وتلمع السقوف التى يزين قرميدها الأحمر ثعابين ذهبية اللون ، تماثيل بوذا الصغيرة عند كل ناصية ...

لم يبق أمامهم سوى تلك الأرض السبخة ، مستنقع من البحيرات الراكدة والأنهار المتشعبة ليس بعدها إلا البحر الأجاج ، أرض لا يريدها احد ، لا تنمو فيها غير أعشاب السافانا وأشجار العوسج ، ولا يقيم بها إلا الثعابين وبنات آوى ...

لا تحزن من أجلى يا صديق ، على كل واحد منا أن يرضى بالحياة التى توهب له ، ربما كان فيها بعضا من الشقاء والمهانة ولكنى قمت فيها بعمل طيب ....

الحب يخفت والروح تتلاشى وكل صيرورة هى حياة جديدة ، حتى الروح ليست دائمة ، كل شئ هو ائتلاف زمنى مؤقت ...

تتبدد السحب وتنفرط الطيور ولا تظهر زرقة البحر ، نواصل الارتفاع حتى تتسلل قطعة من الغيوم الى داخل السيارة ، تتجول بين الرؤوس مثل حلم ضائع ...

زبيدة

أتوسل إلى الرجل الذى يتوسل إلى ، أرى على وجهه تجاعيد وجه أبى ، ونظرة الجوع التى أعرفها حين لا يفى الزرع بحصاده وحين يغدر بنا النهر وتخذلنا البذور ، تمتد عروق الطين فى مسرى الدم فيختلط لحمهم بلحمى ، عاريا ومهانا ولا نجد من يستره .



وبور الجاز

 

ألحم بلاستيك ، أغير فونية ، بعمر البوابير

فى نفس المكان وبجوار شجرة قديمة ، اعتقد أنها أقدم ما تنفس بهذه المنطقة ، يجلس نفس الرجل ، يستند إلى جدار من طين ، يقدم مع مطلع النهار" مرات قليلة كان يأتى بعد العصر " ، ثيابه باليه ، بها ثقوب كثيرة من تطاير الشرر وسقوط نيران اللحام ، يداه سودوان من أثار الزيوت والشحوم ودخان وبار  "بوابير"  الجاز .

يفرد قطعة قماش بالية على الأرض ، يصف أمامها حاجاته ، يشعل وابوره فيخرج اللهب أزرقا أو قرمزيا او برتقاليا أو أحمر، يعلو صوت الوبور ، يصف عليه سكاكينها المستخدمة فى اللحام ، يمر على الحوارى ويطرق البيوت وينادى " بصلح بوابير الجاز ... " ، يعلم الناس مواعيده فيجهزون له وبارهم المعطلة والتى تحتاج الى اصلاح ، يصلح كل ما يخص البوابير وفى اوقات متقدمة أصبح يحضر واحدا منها جديدا لبيعه ، يقوم أيضا بلحام أى ثقب فى الحديد أو النحاس أو الألمونيوم وأيضا لحام كل الأشياء البلاستيكية " أحذية ، مناضد ، كراسى ، طبالى ، أوانى بلاستيكية ...." ، يذهب بما جمعه من البيوت ويصفه حوله ويجلس ليبدأ عمله ، يصف حوله زجاجات بلاستيكية قديمة بها الزيوت والشحوم التى يستخدمها وقطع من البلاستيك يستعين بها فى أعمال اللحام وأعواد من الحديد والقصدير لأغراض اللحام أيضا .

حقيبة عتيقة ، يخرج منها ابر التسليك ، فونى البوابير ، أرجل ومفاتيح وكل ما هو فى حاجة إليه ومعه أيضا بقايا بوابير قديمة يستبدل منها قطع الغيار التى لا يجدها متاحة عنده جديدة .

يمسك الوابور بيده ، يقربه إلى وجهه ، يضغط على عينه بشدة وهو يفحص البابور ليرى موضع اللحام ، أكثر المواضع التى تحتاج الى لحام تكون بجوار الكباس او ثقب التزود بالكيروسين أو بجوار أعلى الوابور مالم يكن هناك ثقبا بالخزان ونادرا ما يحدث ، يغير المكبس ويسلك الفونى بالابر ما لم تكن بحاجة الى تغيير .

لا أعلم إن كنتم أدركتم وبور الجاز ام لا ، فإنه الآن أصبح يعد من التحف ويعدونه قطعا فنية فى بيوت بعينها ، على كل الأتى وصف مبسط للوبور الذى عايشته بعيدا عن تلك التحف  .

خزان نحاسى على شكل اسطوانى ، به فتحتان جانبيتان وفتحة علوية ، الفتحات الجانبية تستخدم احداها لتفرغة وتعبئة الجاز وبها مفتاح لتفريغ ضغط الهواء كليا أو جزئيا ويستخدم ايضا لايقاف تشغيل الوبور ، والفتحة الثانية بها الكباس " مكبس الهواء " الذى يستخدم لضغط ودفع الهواء الى داخل الخزان فيزداد الضغط الداخلى فيخرج اللهب من الفتحة العلوية المثبت عليها ماكينة الاشتعال وهى عبارة عن ثلاث مواسير من النحاس الاحمر بدايتها متصلة بالفتحة العلوية للخزان وتلتقى فى نهايتها بنقطة واحدة حيث يتم تركيب الفونية وهى مكعب نحاسى به ثقب صغير دقيق يتجه للأعلى لنفث بخار الكيروسين ومن ثم يشتعل البابور ، يقف الوابور على ثلاثة أرجل حديدية وأحيانا اثنتين ممتدة أفقيا أعلى الموقد وتستخدم أيضا لحمل الأنية المستخدمة بالطهى وقد تدعم بحمالة حديدية منفصلة لحمل الأنية الأكثر ثقلا ، كل أجزاء الوبور متصلة ببعضها بلحام من القصدير.

ما يتقاضاه الرجل قروش قليلة لم تصل الى الجنيهات الا فى السنوات التى انقرضت معها هذه الحرفة تقريبا فالبيوت اليوم خلت من وبار الجاز ولم يعد هناك من من يفكر فى لحام أشيائه البلاستيكية والنحاس أصبح ذهبا ..

كيس به بعض السكر ومثله به تلقيمات من الشاى وكوب زجاجى مشطوف من مقدمته وكنكة منزوعة اليد ومستبدلة بسلك حديدى ، أرغفة خبز فلاحى وقطعة جبنة قديمة يتسابق الدود على التهامها ويسبح فى بركة المش المحيطة بها ، رائحتها نفاذة تصطدم من يقترب ان كان من الكارهين لهذه الروائح مثلى وتجذب من يحبها وهم لو تعلمون كثير ، يلتهم الرجل افطاره بيدين راضيتين ، لا يعبأ بما علا يداه من أثار الدخان ولا ما إلتصق بهما من رائحته وتنزل اللقيمات الى بطنه فيتجشأ ويغرقها بشربة ماء من الكوز البلاستيكى الذى لا يختلف عن كوب الشاى سوى فى اللحامات الكثيرة الظاهرة فيه ، يبتسم للمارة ويحمد الله ، فى الأيام الأخرى يمر على الأسواق بالبلاد المحيطة ينادى بكلماته المعتادة

ألحم بلاستيك ، أغير فونية ، أغير كباس ، بعمر البوابييييييييييييير ....