الجمعة، 20 أغسطس 2021

بعد ما يناموا العيال

 

مجموعة قصصية للأستاذ / عمر طاهر ، صدرت عن دار الكرمة بالقاهرة فى 2021 ، تحتوى مجموعة من القصص القصيرة والتى بلغ عددها تسعة عشر قصة متنوعة ، يتسلل فيها الكاتب الى بيوتنا وحياتنا وما يدور فيها من احداث وحكايات ومواقف ، ببساطة وبراعة تسرد القصص وتحكى فتسحب منك بساط الوقت دون أن تدرى .

أنثى العسل

مشهد بين زوجة وزوجها ، مدرس اللغة العربية التى خشيت أن يكون من العينة التى تعرضها أفلامنا فتفاجئ به حبيب عاشق ، يدخل الى المطبخ ليتذكر أيامه قبل الزواج وليعد طعام اليوم ، تبحث عن شئ ترتديه يعجبه ، تطرق الشهوة عتبتها ، تسقط الأنية وهو يحاول أن يحضر بعض الأطباق فتسرع إليه لتعرف ما حدث فينظر اليها فى خجل ويخبرها فتساعده ويجهزان مائدة الطعام على ذكرى ليلة عرسهما ....هذا الرجل لا يستحق أبدا أن يشعر يوما بالوحدة .!

يجيد الاسبانية

شاب يعانى الوحدة تزوج والده بعد سنوات على رحيل أمه بعد أن خيره والده بأن يتزوج هو بفتاة ترضى أن تخدمه وتخدم والده او أن يتزوج والده بسيدة من قريتهم تقوم على حاجتهم ، ثم حملت السيدة فتبدل حال الفتى وأصبح يقضى ليال خارج البيت رفقة أصحابه ، يقف على ناصية الشارع يخرج دخان السجائر من أفواههم ، تعلو ضحكات أصحابه ويكتفى بابتسامة ، كتب قصة قصيرة ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعى فاضطرب قلب الأب وسعى يبحث عما يحدث لابنه مؤخرا والتحليل النفسى لما وراء القصة ، نصحته زوجته بان يكتب لابنه تعليقا طيبا على قصته وليرى رد فعله ، يطلب من زوجته اعداد الشاى ويفتح الباب يسمع خطوات تصعد على السلم ..

فتاة تشعر بالوحدة فى الثمانينات

تهوى القراءة تشغلها عن كل شئ حتى عن زوجها الذى جعله ذلك يمل منها ، يقول أنها تهمل كل شئ من أجل القراءة ، تقرأ فى خلسة وكلما أقبل عليها خفت الكتاب حتى فقدته وعندما رأته مرة أخرى سارعت الى اقتنائه ، تبغى معرفة النهاية ماذا حدث لبطلتها ، تتخيل نفسها هى وأنها قصتها ، يلقى زوجها بكتبها ، يجلسان سويا لمشاهدة التلفاز ويقضيان الكثير من الوقت معا .

بعد ما يناموا العيال

سائق يعمل لأحد رجال الأعمال الذين اعتادت زوجاتهم أن تفسدن عليهم أوقاتهم ، فى سهرة عشاء تحدث مشادة معتادة ، تغادر مع صديقتها ثم ينزل مسرعا خلفها يحمل فى يدع كيسا يقدمه لسائق ويطلب منه أن يترك له السيارة يقودها بنفسه وأن يعود لمنزله ، يفكر فى حال صاحب عمله وفى حاله ، يحمد الله على نعمة الزوجة بنت الأصول ونعمة الأبناء ، ينظر الكيس الذى فى يده فيفتح اللفافة فيتصاعد من الكباب والكفتة بخارهما ، يشير الى تاكسى ليسرع الى بيته ، يتمنى أن يدرك أولاده قبل أن يناموا حتى يستطيعوا سويا تناول هذه الوجبة ولكنه يعلم جيدا أن أمهم لا تسمح لهم أبدا بتجاوز العاشرة مساء ، لابد من النوم قبل ذلك كى يستيقظوا مبكرا نشطين فيدركوا مدرستهم ، يفتح باب شقته فيجد الأضواء خافتة والأصوات ساكنة ثم ......

أبو يسرا

فارق الدنيا بعد صراع مع المرض ، يسرا كانت قد تفرغت للعناية به بعد ان اصابته الجلطات المتلاحقه ، تعينه فى كل شئ صغيرا كان أو كبيرا ، تدلك له ساقه قبل أن ينام ، زوجها مثلها بار بوالدها ، حتى أنه حمله من الطابق الخامس لعربة الاسعاف ، بينما كان يلقى نظرات سريعة لابنته كلما أفاق ، رغم أن لها أخا يصغرها إلا أن والدها أختار أن يناديه الجميع دوما "أبو يسرا " ، لم تمنعه اصابته ومرضه أن يرقص لها فى عرسها على أغنية " خظوة يا صاحب الخطوة " .

سيرة المرحوم ، المتوسط ، فنجان الست ، ثرثرة الركاب .... وقصص أخرى .



الخميس، 19 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 32 "

 

أسير بخطى ثقيلة ، أسجل كل شئ بعينى ، حتى التفاصيل الصغيرة ، أسماء المحال وأفكر ان كنت قد شاهدت هذا الاسم فى مكان أخر ، ألوان البنايات ، الشوارع والممرات ، ديكورات المحال ، وجوه الناس وتعبيراتهم ، العيون التى تشى بكل شئ ، لغة العيون والاشارات موحدة فى العالم كله لا تحتاج الى اجادة لغة بعينها لتقرؤها ، عيون تملؤها الدهشة ، عيون تلمع بالحب وعيون عابسة ، ضحكات بأصوات تجلجل ويد على الوجه تدارى الخجل ونظرات حائرة .

الصمت فى حضرة الجمال واجب ، اطلق لعينك العنان تحط حيث شاءت ودع قلبك يحلق وافتح صدرك دع النور يدخله .

اذا كنت لم تقدر على الوصول لشاطئ البحر فاجلس هنا فى هذا المكان تحديدا ، انظر أمامك تماما ، شم رائحة اليود ، تشبع بها ، دعها تتسرب فى مسامك ، القمر هناك، يشق ظلام الليل ، ينثر ضوءه الفضى ، يرقب مكانك ، يحمل البحر على وجهه ، تلمح سفينة تبحر وقاربا يمر ، النسمات تحمل زبد البحر ، تلقى به على خدك ، تنتشى ، تنتعش روحك ، تغنى وترقص حولك ، تدور متعلقة بيد جميلة مرت أمامك ، فإلتصقت بها وداعبتها ودعوتها إلى رقصة الروح .

مسرح أقيم ما بين الفندق والمطعم الذين تجلس أمامهما ، فرقة تعزف ألحانا ومغنى يطرب بروعة ، تسمع صوت العود وبكاء الناى واوجاع الوتر ، البعض يرقص ، البعض يشرد ، البعض يصمت وكل الناس فى حال .

تقرر العودة ، فتمشى بذات الخطى المتثاقلة ، ترقب كل شئ ، تحفره فى ذاكرتك ، تلتقط بعض الصور ، تنعطف يمينا من حيث جئت ، ترى بهو الفندق الواسع ، يجلس فيه الكثير من مرتادى الفندق يدور حولهم العاملون .

الصخب لازال مرتفع وأصوات الغناء والموسيقى تتداخل فلا تعرف شيئا مما يقال من تلك الأصوات الصادحة من أكشاك الأشياء السريعة ، نشترى الأشياء التى نحتاجها من البقالة الصغيرة فى المبنى الذى نسكنه ، يجلس بجوار كلبيه أبيض وأسود ، كل منهما مقيد بسلسلة حديدية ، بجواره يجلس صديقه وأمام المعرض المجاور تقف مائلة الجسد .

نصعد الى شقتنا ، نشعل الأنوار ، أقف فى الشرفة ، أرقب مياه حمام السباحة الزرقاء ، يجلس حوله مجموعة صغيرة ، فى الشرفات المقابلة بعض المقيمين يجلسون أيضا وبعضهم يقف مثلى ، فاترينة عرض لمتجر داخلى أو لعله نهاية متجر ، فيها المانيكان ترتدى بيكينى .

أحضر حاسوبى وأجلس فى الشرفة ، أتصفح بعض الأشياء السريعة وأدون بعض الملاحظات حول العمل الذى قمنا به اليوم ، أتناول كوبا من الشاى ، أشاهد حلقات " ما وراء الطبيعة " ..

عجوزان يجلسان أمامى ، مقعدين يتوسطهما منضدة ، فنجانين من القهوة وزجاجة مياه وصوت همسات يتسرب .

تخطو نحو المدخل على اليمين ، ترتدى شورتا قصيرا يكاد يغطى مؤخرتها و من الأعلى ما يشبهه لا يكفى لتغطية الصدر وشعرها ينسدل على رقبتها ، تتعلق بيد أحدهم .

الأربعاء، 18 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 31 "

 

الليل أرخى ستاره والمصابيح وأنوار الطرق والشوارع ولافتاتها أنيرت ، الجو كان ممتعا بالنهار وفى الليل أشد روعة ، الناس خرجت الى الشوارع ، يغتسلون من تعب النهار ، يمتصون بعض الهواء النقى ، يقتربون من البحر ، كى يخرج إليهم الهواء وليدا فى أطوار مهده الأولى ، يتسنشقونه ويدعونه يتسلل الى رئاتهم ، صدورهم فى حاجة الى الكثير كى يزيل عنها كل ما علق بها ، الهواء يزيل التعب والهموم التى لحقت بالمرء أثناء يومه ، نقضى أيامنا فى سعى وعمل ، تقابلنا الكثير من المشكلات ، وتقع على عاتقنا الكثير من الهموم وتزعجنا الكثير من الأشياء التى ربما لم تخطر ببالنا وقتها  فيتحول الوقت الى سباق للنجاة ، للبقاء ، لتجاوز المحن ، ثم يجرى الوقت ويمضى كل شئ وكأن شيئا ما كان ، نسمات الليل تفعل كل ذلك .

نغادر المبنى ننعطف يسارا ، الطابق الأرضى بالمبنى مكون من محال تجارية تبدأ بمقهى يليه محل لبيع المستحضرات العطرية ثم بقالة صغيرة و محل للحيوانات الأليفة ويفصل المبنى ممر الى داخله ثم تعاود المحال التجارية كرتها حتى ينتهى جانب المبنى المطل على الممشى .

فى الجهة المقابلة نادى بوابته ضخمة ، مقسمة الى اثنتان احداهما صغيرة لمرور الزوار واجراءات الأمن والسلامة والأهرى لمرور السيارات ، لاحظت أكثر مرتاديه من السائحين .

يلى النادى فندق كبير تمتد مساحته الى الممشى من الجهة الأخرى تجاوره الكثير من المحال أصحاب العلامات التجارية الشهيرة ونقطة للشرطة فى تقاطع الشارع مع الممشى .

خلف المبنى يسارا عدة أكشاك لبيع المشروبات الباردة والساخنة والمأكولات السريعة ، يصدح منها صوت غناء عالى و نصبت خلفها العديد من المقاعد والمناضد ليجلس عليها مرتاديها وتمتد حتى تتقطع مع الممشى .

الممشى طريق كبير يصل الى ما يقارب 7 كم ، على يمينه اتخذت الفنادق مقراتها كى تمتلك البحر كاملا فكل منها يمتد من الممشى الى البحر فلا يستطيع احد الاستمتاع بالبحر الا بدخول الفندق ، بعض الكافيهات والأندية منحت نفس الامتياز لبعض المساحات التى تجاور الفنادق فأضحت متنفس الناس الأرخص وأقصد هنا الأرخص من أسعار الفنادق تحديدا للاستمتاع برائحة البحر ولون مياهه ورطوبة نسيمه .

قطعا لم نعرف ذلك إلا بعد بعض الوقت فقد قررنا البحث عن البحر ونعلم أنه قريب ، بحث فى خرائط جوجل واتخذنا المسار وكلها تشير انها بجانبنا المدينة تنتهى على الخريطة واللون الأسود يشير الى ان المياه تحيطنا من كل جانب ، مشينا طويلا نحاول الوصول والخريطة تمتد ولم نعد نعرف الطريق حتى وجدنا محل بقالة فأشترينا منه مشروبا باردا وسألناه فاخبرنا بذلك .

البازارات اتخذت الجانب الأخر من الممشى وفيها تجد كل شئ وأكثرها للخدمات السياحية ، الممشى يتوسط كل ذلك ، أعدت به الكثير من المظلات وخصصت به الكثير من الأماكن للجلوس أشجار النخيل تسهر على حراسته من جانبيه يرافقها أعمدة الانارة ودوريات للشرطة ، يتوسط الممشى اكشاك ومقاهى كثيرة وبعض المحال التجارية ، بيوت الهدايا ، لعب الأطفال ، باعة ورد ، باعة ذرة ، ملتقطى الصور الفوتوغرافية " حتى فى عصر التكنولوجيا هذا مازال منا الكثير يفضل تخليد الأوقات بالصور الفوتوغرافية " ، أجانب ينزهون حيواناتهم ، الأغلب يسير فى شكل مجموعات ، أطفال يجرون بعرباتهم وأضواء وأبواق السيارات تعلو فى الطريق المجاور .



الثلاثاء، 17 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 30 "

 

انتهى صاحبنا من الاختيار ثم وقفنا برهة ننظر لنختار المكان الذى نود الجلوس فيه ، المطعم من طابقين اختارنا مكانا يقع فى الجانب الخلفى للطابق الاول ، موائد مختلفة وكل مائدة معدة لتناسب أعدادا محددة ، على كل مائدة وضعت الادوات الاساسية التى تحوى التوابل والملح ، علبة مناديل ، زجاجات مياه ، شوك وسكاكين ومعالق ، قائمة بأنواع وأسعار ما يقدمه المطعم ، يسجل الويتر ما طلبه صاحبنا ويسأله ان كان يود اضافة أصناف أخرى ، نغسل ايدينا ثم ننجلس ننتظر تناول الغداء .

الليل قد فرد شراعه على المدينة وبدأت ابواق السيارات تعلو وتداخلت أصوات المارة فلا تكاد تقف على كلمة ، زبائن المطعم أكثرهم من السائحين ، وجوههم وملابسهم تشى بهم ، يجيد العاملين فى المطعم اللغات التى يحتاجونها فى التعامل مع الزبائن ، والابتسامة رسول يكفى لكل استقبال .

شقراء طويلة ، ينسدل شعرها ، ترتدى فستانا قصيرا يكاد يستر بعضا منها ، زرقته تكاد تتساقط منه ، وشم على كتفها  " قرأت أن وشم الجسد من مسببات الاصابة بإلتهاب الكبد الفيروسى والايدز " ، رائحتها طغت على رائحة السمك ، صديقها شديد الحمرة يرتدى سترة بيضاء وسروال قصير ، ينافس صديقته فى مسابقة اى الأقدام أشد نعومة وبياضا ، وبرفقتهم طفلين يشبهانهما كثيرا ، يصعدون للطابق العلوى ! .

بيضاء بشعر كليل صحراء حالك سواده ، ترتدى تنورة حمراء ، تملأ ضحكتها وجهها يرافقها شاب تطغى عليه الملامح المصرية لكنها لا تبدو كذلك ، فى هذه المدينة الجنسيات والأعراق تتداخل كثيرا ، يقررون الجلوس على المائدة المقابلة لنا .

السلاطات أولا ثم الخبز ، الأرز وبعض شرائح البطاطس والجمبرى المقلى ، شربة سى فود ثم باقى وليمة الأسماك التى اختارها صاحبنا ، وجدت طبقا يحوى سمكة ضخمة فسألته عنها قال تلك التى كنت تداعبها منذ قليل " قاتل أم مصاص دماء " ، بالطبع لم نستطع إلتهام كل هذه الوليمة فطلب منا مضيفنا أن ناخذ الطعام معنا فوافقت وطلبت منه أن يغلفه جيدا وقدمناه لحارس الأمن بمقر اقامتنا .

غادرنا المطعم وركبنا السيارة وعدنا الى شوارع وطرق الغردقة لنراها ليلا هذه المرة ، أكثر الطرق والمناطق هادئة تكاد تخلو سوى من القليل جدا من السيارات المارة ، الطريق يتجه نحو الارتفاع وعندما تدور حوله وتنحدر يمينا ينخفض مرة ثانية ، المبانى حوله تبدو خاليه يغلب عليه شكل الفيلل والشاليهات التى لا يزيد ارتفاعها عن طابقين وبالطبع ألوانها مميزة .

ينتقل من شارع الى شارع ومن تداخل الى تداخل حتى وصلنا منطقة بها الكثير من البازارات ومحال الملابس التى تطغى عليها النقوشات المختلفة فأخبرنا أننا فى مقدمة الممشى السياحى .

توجهنا نحو المنتج الذى نقيم فيه وكان بجانب الممشى السياحى فشكرنا مضيفنا على حسن الضيافة واعتذرنا له على ارهاقنا له كل هذا الوقت ، نسيت أن أخبركم ان مضيفنا يشبه الأجانب كثيرا ، لم أكن أعلم ان التواجد والتعامل الكثير مع الأجانب يكسبك صبغتهم ولونهم ، قد تكسبك بعض صفاتهم أو الكثير منها لكن أن تصبح شكلهم فيما هو خارج الهيئة من تفاصيل هذا غريب ، شعره طويل منسدل يصل الى كتفه ، يرتدى حول عنقه سلسلة من الفضه وفى يديه العديد من الاكسسوارات التى لا يعلم مثلى ما يطلقون عليها ، عيناه زرقاوان أيضا ، سألته من أى المحافظات هو فأخبرنى أنه من محافظتى ،  غادرنا السيارة وأمام المنتجع وقفنا ، توجهنا نحو حارس الامن وطلبنا منه أن يتناول عشاءه ، صعدنا الى الشقة التى نقيم بها ، صلينا العشاء ، بدلنا ملابسنا ولازال الوقت مبكر جدا فأجرينا بعض الاتصالات للاطمئنان على أحوال أسرنا ورتبت تليفونيا عمل الغد مع باقى الشباب بالمقر الرئيسى لنا ثم قررنا النزول مجددا للتنزه لبعض الوقت وشراء سكر وشاى ومياه للشرب .



الاثنين، 16 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 29 "

 

ننزل سريعا ، نترك سيارتنا ونركب معه فى سيارته ، اغانى وموسيقى أجنبية تتناسب مع المدينة ، يخبرنى أنه لا يفضل الاستماع الى الموسيقى العربية ، وعموما لم يعد فى الموسيقى العربية المنتشرة حديثا ما يشبه الموسيقى العربية ولا الذوق العربى الذى توارثناه بعيدا عن ما يعرف بأغانى المهرجانات فلا تنتمى هذه لأنواع الموسيقى وانما هى نوع من الصخب المزعج والضوضاء المقننة ، اتخذ صاحبنا دور المرشد وبدأ يعرفنا اول اسم المنطقة وأشهر المعالم بها وكيف ننتقل منها الى أى منطقة أخرى داخل المدينة باستخدام وسائل النقل الداخلية وأماكن وقوفها تحديدا ، واذا أردتم استخدام تاكسى اتفقوا أولا مع السائق فكل شئ هنا قابل للفصال والسائقين اعتادوا التعامل السياحى ، على كل حال المدينة صغيرة ويمكنك المرور عليها كلها فى اقل من ساعة بالسيارة لكن لدخول الشوارع والمناطق تحتاج وقتا أكثر ، نظم المرور لبعض الشوارع هنا أماكن للدخول وأماكن للخروج وأماكن أيضا لانتظار السيارات وكل المداخل والمخارج مراقبة بالكاميرات التى وضعتها ادارة المرور للتأكد من الالتزام بالدخول والخارج من الأماكن المحددة .

الكثير من المبانى تحت الانشاء ، الأجانب أعدادهم لا بأس بها بجنسيات مختلفة رغم ضعف السياحة الذى تعانيه البلاد فى العقد الأخير فضلا عن أثار وباء كورونا على العالم كله والذى جعل أغلب الأنشطة والمجالات متوقفة تماما لاسيما الأنشطة السياحية لذا سمعت الكثير من المعاناة فى المعيشة من العاملين والقاطنين هنا فى الأيام التالية ، يخبرنا أسماء المناطق والأماكن التى نمر عليها ، الفنادق منتشرة بمستويات وتقييمات مختلفة ، تقريبا شغلت كل المساحة التى تطل على البحر وكذلك الكافتريات والأندية ، فقط منطقة المارينا ترسو عليها قوارب الصيد وهناك يمكن رؤية البحر والاستمتاع به دون الحاجة للدخول الى فندق أو الجلوس على احدى الكافتريات او الاندية التى منحت امتياز الانتفاع بهذا المكان .

حى الدهار وهو يمثل المنطقة الشعبية بالغردقة ، مكتظ بالسكان ، المبانى يغلب عليها الطابع العشوائى ، الشوارع اتساعها مختلف ، كباقى المناطق الشعبية فى مصر ، المحال التجارية تبيع كل شئ ، مخابز ، أطعمة ، عصائر ، فواكه وخضروات ، منطقة السوق القديمة ، محال الأسماك منتشرة  بكثرة كعادة المدن والمناطق الساحلية ولاسيما  منطقة "حلقة السمك" ، فى هذه المدينة يمكن شراء الاشياء العادية بأسعار غير عادية تماما اذا رغبت فى شرائها من ماركت من أصحاب الأسماء التجارية المنتشرة هنا حتى ان كنت لم تسمع عنه من قبل فى أماكن اخرى ، ـأهل الصعيد هم أكثر ساكنى المدينة برفقة قاطنيها البدو والقليل من المحافظات الأخرى سعيا نحو لقمة عيشه  .

دار بنا بعض الوقت حول مناطق المدينة المختلفة ثم سألنا عن الطعام الذى نرغب فى تناوله فتركنا له حرية الاختيار فقرر الذهاب بنا إلى مطعم أسماك شهير ، فى ميدان مزدحم بعض الشئ توجهنا منه ناحية اليمين فى شارع متجه نحو مسار مخالف للذى كنا نسير فيه ثم كانت الكثير من المحال التى يبدو على مظهرها الخارجى أنها محال تقدم الخدمات السياحية ...

على مهل حتى وجدنا مكان لركن السيارة فى الشارع المزدحم ، واجهة المطعم فخمة ومساحته واسعة ، رائحة السمك تسبق كل شئ ، الموظفون حريصون على ارتداء الكمامات ومستلزمات تعقيم منتشرة ، ابتسامة فى الاستقبال كالعادة والعديد يرشدون رواد المطعم نحو أحواض الأسماك التى وضعت فى جوانب المطعم فى تصميم بديع ،  وبها الأسماك أمامك تمرح لا تعلم أنها ستكون بعد دقائق قليلة طعام لهذا الذى يشير إليها بإصبعه كقاتل يخدر فريسته ! ، أنواع شتى من الأسماك ما نعلم منها وما لم نعلم ، وقفنا نداعب كابوريا عملاقة برفقة بعض الاستاكوزا ،  تركنا لصاحبنا حرية الاختيار فاختار وليمة تكفى لضعف عددنا أو يزيد .



الأحد، 15 أغسطس 2021

لم نعد صغارا " 28 "

 

انقضى يوم العمل الأول وسرنا بالسيارة خلف مرشدنا ، دوران للخلف ثم توجه ناحية اليمين ثم السير فى طريق على اليسار ، الطريق تظلله الأشجار من جانبيه ، شديد النظافة ، والشمس قد خفت شعاعها واكتست السماء بالحمرة والنسيم يجرى خلف أغصان الأشجار والطيور تعاود مساكنها .

ندور للخلف ثم ننحدر ناحية اليمين ، مبانى فارهة ، محال تجارية ، مطاعم شرقية وغربية من أصحاب العلامات التجارية الشهيرة ، صيدليات ، مشفى ، مقاهى " كافيهات " ، أندية ، جانبى الطريق يتوسطهما ممشى ، غرست فها الأشجار والحشائش بامتداده وأعدت فى كل مسافة أعمدة كهربائية تنير بشكل جمالى يضفى على المكان رونقا على طول مساره ، ندور للخلف وبجوار مبنى ضخم تحت الانشاء نصف سياراتنا ، نغلق السيارة جيدا ، نحمل حقائبنا وأشياءنا ، نسجل بياناتنا عند بوابة الأمن ، نزلف إلى المبنى يمينا ، البوابة على اليسار ، وبعد المدخل بحوالى خمسة أمتار تقع بوابة المصعد على اليسار ، نصعد ثلاثتنا للدور الثالث ، باب الشقة مواجه لباب المصعد يسارا .

منتجع سكنى يجمع عدة مبانى تفصل بين كل مبنى والأخر ممرات تصل بين مداخل ومخارج المنتجع ، شقق ذات مساحة متفاوقتة ، تستغل للاقامات السريعة ، للسائحين والمصطافين وزوار المدينة وقليل من اتخذها محلا لاقامته المستمرة ، يتوسط المنتج حمامات سباحة ، أحيطت بمجموعة من المقاعد لقاطنى المنتجع ، يعمل مسئول النظافة على الاهتمام بها وتنظيفها صباح كل يوم ، المياه زرقاء صافية ، قطة تحاول شرب الماء ، محاولات عدة من هذه الناحية وتلك ، انخفاض المياه عن معدلها الطبيعى جعل القطة تحاول محاولات عدة حتى نجحت فى تجرع بعض الماء .

استوديو " هكذا يطلقون على هذه الشقق " ، مساحة صغيرة مكونة من صالة مقسمة الى جزئين أولهما فور تخطى الباب الرئيسى وعن اليمين مطبخ على الشكل الأمريكى جهز بشكل حرف " L " أعدت عليه مستلزمات الطعام والشراب ، بعض الأطباق والأكواب ، ميكروويف ، أسفلها بوتجاز " لم نستخدمه قط " ، يليها ثلاجة جهزها مضيفنا ببعض الجبن والعصائر والخضروات وشطائر اللانشون وبعض أكياس الفينو ...

والجزء الثانى به سرير وكنبة من التى تستخدم فى النوم يواجههما الحائط وبه صنع ديكور وضع به التلفاز وجانب به بعض الكتب المترجمة والروايات ، وبعض ادوات الديكور الصغيرة ، تكييف متهالك لم نستفد منه سوى شكله ، مروحة آيلة للسقوط ورغم أننا فى الشتاء إلا أن الطقس هنا أحيانا يستدعى ذلك ، الشرفة تطل على وسط المنتجع ، حمامات السباحة ، والمبانى المقابلة والمجاورة ، كل الشرف زجاجية تكشف ما خلفها لذا يضع أغلب المقيمين ستائر تستر ذلك ، أغلب الشرفات جهزت بها مقاعد وترابيزات للاسترخاء وأوقات السمر  .

حمام يتوسط الشقة خلف الجزء الذى فصل كمطبخ ، يليه الغرفة الرئيسية وبها سرير ودولاب وكوميدينو ، خلف الباب شماعة للملابس وللغرفة نافذة زجاجية تطل على وسط المنتجع وهى أقرب لليسار والستائر تحجب الرؤيا وتعطى الغرفة مساحة العزلة اللازمة للنوم والاسترخاء .

يستئذننا مرشدنا على وعد ان يعود إلينا بعد ساعة لنذهب سويا لتناول الغداء ولنقضى بعض الوقت نرى فيه المدينة على عجل ، نبدل ملابسنا ونفرغ ما فى حقائبنا فى أماكنها ونصلى ولم نكد ننتهى حتى وجدناه يهاتفنا يخبرنا أنه بانتظارنا أمام المنتجع .



السبت، 14 أغسطس 2021

الترياق

 

لا أعلم عن ماذا سأكتب اليوم ، لكننى أحتاج إلى الكتابة ، الكتابة أصبحت عندى ترياق شفاء ، تصيبنى نوبات كثيرة من الأرق ، الخوف والاضطراب ، نوبات من الكسل ، الضعف والخمول ، نوبات من الملل ، اللامبالاة وفقدان الهدف ، تزوغ منى رأسى ، أفقد قدرتى على السيطرة عليها ، تدور عينى فى كل صوب وناحية ، تقلب بين الأشياء المبعثرة ، المهملة ، الملقاة هنا وهناك ، حتى تسقط عينى على أقرب ورقة وقلم ، أجرى تجاههما ، أقبض عليهما بقوة ، أعانقهما وأخبئهما بكل ما أوتيت من فطنة ، أفر بهما لمساحة من العزلة ، بيضاء ، فراغ نثر بسخاء  .

وحيدٌ ، بعيدٌ عن كل هذه الأشياء التى تعكر مزاجى وتفسد مذاق وقتى وتكدر صفو تفكيرى .

الليل وأنت وقمر تطل أنواره ، البحر ، الشجر والنسيم ونظرة لها فعل السحر ، الصمت هو صوت الحب وأنفاسك تذيب الثلج والشوق هو ما فى عينيك .

الورد له فى روايحه لغات تجمع بين النار والجنة

حكم الزهور زى الستات لكل لون معنى ومغنى

أحب زهر البنفسج رمز الجمال الحزين

عبيره يفرح ويبهج ويسعد المحرومين

احب ريحته ولونه ..... واجعل هداوته وسكونه .....هدية للى يصونه

ما تهادى بيه غير الجمالات .....اللى العيون بيها تتهنى

حكم الزهور زى الستات لكل لون معنى ومغنى

عطرك هو سفر لسنوات بعيدة ، صوتك هو موج أزرق ، الليل معك ، الوقت معك ، ورياح تشتهى وصلك .

طريق تحف الأشجار جانبيه ، يبدأ ويمتد ، كحالى فى انتظارك ، ومياه تساقط تغسل ضفائرك وظل طويل وقبعة وحيدة ..

أه من القرنفل دا ريحته تشغل

ساحر ويسحر قاتل ويقتل

يجعل حبيبك هواه مشعلل

ويكيد عزولك ويبات مفلفل

شقى وشقاوته سبب غلاوته

وادى حلاوته وادى حلاوته

ياللى تحب الحلوبات شوف القرنفل واتمنى

حكم الزهور زى الستات فى كل لون معنى ومغنى

لا أعلم ماذا سأكتب اليوم كعادتى ، لكننى أحتاج إلى الكتابة ، إلى السحر الذى تنثره الحروف ، إلى اللذة التى تتركها الكلمات ، إلى عبير يأتى معك وجمال يزين ثغرك ولهفة تعلوها لهفة .

وحشة عند لقاء ، وحشة عند غياب ، وحشة عند عناق ، ووحشة فى التمنى ، سماء يكسوها لون قرمزى ، وشمس خفت شعاعها ونسيم طرى يداعب خدك ...

أجمل هدية أقدمها لبنات بلدى

أقطفها من جنتك يا ورد بلدى

أحمر فى يوم حرقتى

أبيض فى يوم سعدى

أصفرمن الغيرة ع اللى سبب وعدى

قبل الملبس والشربات يقدموك ليلة الحنة

حكم الزهور زى الستات لكل لون معنى ومغنى

يسعفنى صوت " فوزى " ، يقطف الزهور من البستان أمامى ، يغرد عن كل ما تلمسه يده وتداعب رائحته أنفه ، ينظر إلى مبتسما أردد خلفه ....

حكم الزهور زى الستات لكل لون معنى ومغنى

دا لكل لون معنى

ولكل لون مغنى

لكل لون معنى ومغنى



الجمعة، 13 أغسطس 2021

العصارى

 

يشغلنى عمل الأرض بينما أبحث عن فرص للعمل ، أعمل بالأجرة مع الفلاحين فى أعمال الزراعة ومع عمال البناء فى أعمال المبانى والتشييدات ومع عمال المحارة فى التشطيبات ، أجمع مبلغا صغيرا من المال يمكننى من الاتفاق مع أحدهم على أن يعطينى تدريبا فى الكمبيوتر على أساسياته ومبادئه .

فى وسط القاهرة ومنطقة بدأ فيها ميلاد مصر الجديدة ، شيدت على طراز حديث ، الكثير من القصور والمبانى الفاخرة ، ذات الطابع الخاص ، ومع مطلع الصباح أحط قدمى ، برفقة صاحب لى للعمل بمطعم يعمل به ، أتأمل المبانى وطرازها الرائع ، رؤوس الأعمدة ، الزخارف والفنون ، دوما تلك الأشياء تخطف عينى فور رؤيتها وتشغل قلبى فأسافر معها حيث بداية العمل فيها وانشاؤها ، أتأمل أحوال العاملين على ذلك وكيف استطاعوا انجاز مثل تلك الأشياء فى غياب التكنولوجيا التى نمتلكها اليوم ورغم امتلاكنا لها إلا أننا لا نستطيع أن نأتى بمثل ما استطاعوا .

أتعرف على العاملين بالمطعم وكان لى سابق خبرة بالعمل من قبل تمكننى من معرفة ما على القيام به ، يدير المطبخ طباخان ماهران أكبرهما خمسينى العمر يعمل بالتدريس بالأزهر وبعد عمله يعمل طباخا فى هذا المطعم ، طيب المعشر حسن اللسان إلا أنه كان دائم الخلاف مع أحد العاملين ولم يكن ذلك الشخص جيدا بالقدر الملائم ، ذات يوم وبعد أن قضيت وقتا معهم فى العمل قال لى " لو أنى ابنتى كبيرة بما يكفى ما ترددت عن تزويجها لك " ، الطباخ الثانى يكبرنى بسنوات قليلة " عبدالنبى " شخص طيب حسن الخلق ، كان يحرص على تعليمى والتعامل معنا باحترام ، كنا نصلى سويا وذات يوم قال لى " أحرص على أن تعمل عملا صالحا يدخلك الجنة فإنى سأدعوا الله أن أكون رفيقك ...." ، يدير المطعم شخصان أحدهما هادئ الملامح محب للعمل والثانى شديد المكر لا يهمه سوى ارضاء صاحبة المكان ، يطرق مسامعى صوت أنشودة تصدع من المسجل أدارها أحدهم بالمطبخ " انى ذاهبة يا أمى ... ألبس أكفانا زهرية ... أحمل بين جوانب صدرى .... قلبا ينبض بالحرية ..... اسمى أيات يا وطنى .... وملامح وجهى شرقية .. أبلغ عشرين من العمر..... وينادونى يا ثورية ...لا أخشى الموت يا أبتى ... فالروح للقدس هدية ... بل أخشى أن تبقى بلادى ... وهما لوعود وردية " تدمع عينى رغما عنى  .

زفاف إحدى أقاربنا ، الجميع مشغول هناك ، أختى بالقرب تنتبه لحالى ، أتلوى فى الفراش ، أصرخ بصوت عالى ، ينز العرق من جبهتى نزا ، تجرى أختى نحوى تبكى لا تعلم ما تفعل ، ترسل ابنة جارنا لتنادى على أبى ، يأتى الجميع مسرعين ، يضمنى أبى ، تجفف أمى عرقى ، يُرقينى أبى ، يُرتل على القرآن ، يُحاول تمالك نفسه ، تنزل دموعه صامته تغطى لحيته ، فيرخى شاله على وجهه كى لا أراه ، تمسح أمى على صدرى ، أنظر إليهم ، عيونى صامتة ، أسمع همهمات وكلمات ، يحاولون اسناد ظهرى الى الخلف كى استطيع تناول الدواء ، تزوغ عينى وأغرق من جديد .

أقضى الليل على بقايا خشب ، غطيتها ببعض شكائر الأسمنت الفارغة ، أستيقظ مبكرا ، ظهرى كأن كل ضلع منه يسير وحده ، الشمس ساخنة .

صابر فتى طيب ، لم ينل حظه من التعليم ، جاء من قرية بعيدة يبحث عن قوته يومه ، كحالنا جميعا ، لعله يعود إلى أهله وذويه بما يعيلهم ويعينهم .

أذهب مع صابر للبحث عن عمل نعمله اليوم ، أخبرنى أن العمال يتجمعون فى أماكن معينة وكل من فى حاجة الى عامل يقوم له ببعض الأعمال يذهب إلى هذه الأماكن ويصطحب منها العمال الذين يحتاجهم وأجرها يفوق كثيرا العمل الذى نعمل به وتحصل عليه فور الانتهاء من العمل ، نمشى مسافة طويلة فى صحراء ممتدة ولا نرى الابنية إلا ما ندر ، يقول إن هذا الطريق مختصر ، نصل إلى المكان ، نبحث عن مطعم قريب ، نتناول ساندوتشات فول وطعمية ، نجلس بجوار العمال على الأرصفة ، كلما توقفت سيارة بالقرب يجرى الجميع نحوها عسى أن يستطيع الاتفاق مع صاحب السيارة على العمل ، يبدو أن اليوم ليس هو المأمول ، ينتصف النهار والصيف فى الصحراء نار ، أطلب منه العودة إلى مكاننا ، نعاود ثانية مشيا ، الشمس تلفح أقفيتنا ، نمر على مصنع تصدر منه رائحة الخبز والحلوى ، نجد منفذا لبيع منتجات المصنع ، نشترى منه كيسا مملوءا بالبسكويت ، ونواصل السير حتى نصل .

فى العصارى نجلس فى المساحة الخضراء التى تتوسط المبانى والمصانع ، يخرج العمال من المصانع وقد انتهت ورديتهم ، يركبون العربات التى اصطفت لاعادتهم الى بيوتهم وقد حملت معها العاملين بالوردية الثانية ، بعضهم يعيش فى المساكن القريبة فيقطع المنطقة الخضراء متجها إلى مسكنه ، البنات عددهن أكثر ، هكذا عادة مصانع الملابس والأقمشة ، شباب يلعبون الكرة ، وزعوا أنفسهم فريقان ، جلسنا نشاهدهم ، يقولون أن هناك مباريات اليوم لنذهب الى المقهى الكائن بجوار المطعم نأكل ونشاهد المباراة ، لكنى لا أطيق الجلوس على المقاهى ولا تروق لى .

فى السوق التجارى ، يفترش الباعة كل طرف ، أحب الصلاة فى المسجد الكبير الذى يتوسطه ويجاوره مستوصف يجمع عيادات تقدم الخدمات الطبية بأسعار رمزية ، نقتنى بعض الأشياء من الباعة ، الخبز من الفرن الكائن بجوار المقاهى وكذلك الطعام ، مقهيان أحدهما يحمل اسم مقهى الأهلى والأخر يحمل اسم مقهى الزمالك ، يمتلكهما شخص واحد غالبا ، يعمل بمبدأ " اللى تغلب به إلعب به " ، لذا أطلق على المقهيين هذين الاسمين ، جدران المبانى المحيطة علق عليها باعة شرائط الكاسيت بوسترات الألبومات الجديدة التى طرحها المطربون فى هذا الصيف وصوت فؤش يعلو " القلب الطيب .... قلب حنين .... قلب كبير.... زى البحر.... لما بيوفى .... ولما بيدى .... بيدى كتير ... " .

أصحو فى الصباح مع أذان الفجر ، أجد جسدى وسريرى غارقا بالماء ، لا أذكر ماذا حصل ليلة أمس ، يبدو أنها كانت ليلة عصيبة عليهم ، ألتفت أجد أمى بجوارى تبتسم لى ، أختى نائمة على الكنبة المقابلة ، وأبى يتساقط منه ماء الوضوء ، أطلب منهم ان يعينونى على القيام لأداء الصلاة ، خذنى معك الى المسجد يا ابى ... " .

الخميس، 12 أغسطس 2021

الرابعة والنصف عصرا !

 

كل يوم ولأربع سنوات وفى نفس الموعد ما تغير إلا قليلا نرتاد القطار من نفس المحطة وفى العربة الثانية عادة نجلس رفقة أصدقائنا ، تبدأ رحلة القطار من القاهرة ويمر علينا فى طريقه ويوصلنا إلى مكاننا فى طريقه فنتركه ويتم رحلته صحبة غيرنا .

فى القطار تلتقى بكل شئ ، صاحبت الكثير ، موظفين يسافرون كل يوم ، يستقلون القطار للذهاب الى عملهم ، اشتراك برسوم أقل من سداد ثمن التذكرة يوميا ، القطار كثير ما يكون مزدحما خاصة ان لم ندرك موعد السادسة يكون القطار الاسبانى المميز الذى يليه موعده فى السابعة صباحا وهو موعد مناسب للكثير من الموظفين كما أنه لا يتوقف الا فى محطات قليلة فيقطع الطريق فى وقت أقل ...

نستقل قطار العودة عادة فى الرابعة والنصف أيضا فنصل إلى وجهتنا وقد كسى الليل الدنيا ، صوت الباعة يغطى القطار ، ساندوتشات ، حاجة ساقعة ، سجاير ، ميداليات مفاتيح ، كراسى محمولة " كانوا يصنعون كراسى صغيرة من اعواد حديدية يربط بينها بعدة سوست ومفصلات صغيرة تمكنهم من ثنى وطى الكرسى واعادته لوضعه الملائم للجلوس عليها " يقتنيها رواد القطار المستديمين الذين يعانون عادة من عدم اللحاق بمكان فيتخذون من ذلك الكرسى الصغير مكانا للجلوس فى أى مساحة خالية يجدونها وكثير من يجلس على المساحات المخصصة للحقائب والأمتعة وكثير معلق على الباب.

 وقتنا فى القطار طويل ، حفظنا وجوه الناس وحفظ الناس وجوهنا واسلوبنا وحفظنا حتى الأماكن التى ينزلون فيها ويركبون منها ، حكى لهم أحدهم ذات مرة كل شئ فى حياته وكانت المرة الأولى التى نلتقى فيها وعندما غادر القطار سألنى أصدقائى " تعرف الرجل دا من امتى ؟ " .

دعاء خمرية الملامح بعينين صافيتين وطلة هادئة ، تجلس برفقة والدها فى المقعد المقابل لى ، يبدو على هيئتهم البساطة ، قالت لى أن والدها يعمل بالصيد وأنهم يقيمون فى منطقة بالقرب من السويس ، حدثتنى ووالدها بالكثير عنهم قبل نزولهم من القطار ونظرة لا تنسى قبل المغادرة وتلك أيضا كانت مرة وحيدة .

نرمين طالبة الزراعة الدلوعة ، دوما فى حالة ابتهاج ، دقيقة الحجم لكنها تجمع حولها الكثير ، ندا طالبة متمردة على وضعها ، تحاول أن تعيش خارج جلبابها ، قصة شعر قصير على طريقة " شرين – اه يا ليل ، وكانت بدايتها وقتها " وكانت ايضا تشبهها كثيرا ، ساره طالبة الطب ذات الضحكات العالية والتى كانت دوما تدفعنى لنهيها عن ذلك حتى لا يظنها الناس فتاة غير محترمة ، رحاب هادئة الملامح تحاول أن تحفظ لنفسها أسلوبها ، رشا تتمرد على القرية التى خرجت منها ، تنكرها ، تنتقل من قصة الى قصة وأحبائها تخطى عددهم سنوات دراستها .

تدور عينها فى المدرج ، أعلم أنها تبحث عنى ، أشير إليها ، أسالها عن احوالها وأحوال ذويها ، أعرف منها بعض الأخبار ، نتعاهد ان نلتقى ولم نلتقى ثانية .

أمام المبنى أقف اتحدث مع أصدقاء لى ، ألمحها من بعيد ترمقنى بعينها ، وعندما زلفت إلى المبنى سألتنى لما كنت بالخارج و لم تدرك المحاضرة ؟ ، يكسو شفتيها " روج " لم أرها تضع ذلك من قبل ! .

تحت أحد الكبارى وفى منطقة شعبية من مناطق القاهرة وما أكثرها ، أقف أتغطى بالكوبرى من الأمطار الشديدة ، أحاول بيع أشياء لا قيمة لها ، عمل جديد عرضه على جار لى ، أن يصطحبنى معه الى القاهرة اساعده فى تجارته وعندما ذهبت وجد أن الاشياء التى تباع اكسسوارات تلبس فى اليد والرقبة والقدم  للفتيان والفتيات ، فضلا على أنه لا يوجد مكان أساسا لعرض السلع فالشارع هو مكانك ، تحمل بضاعتك فى حقيبة بالية وتحاول أن تروجها ، تمر الليلة ولم ابع سوى بجنيهات قليلة ، أعود إلى المسكن ، سطح عمارة قديمة ، السطح مقسم الى غرف كثيرة ، كل منها صنع فيها صندوق خشبى يستغل للنوم ، يسكن فى هذا السطح عدد كبير مقابل ايجار شهرى منخفض ، علمت أن كل سكان السطح من العاملين فى مثل هذه الأعمال أو المحال والمطاعم القريبة وحمام واحد يستخدمه الجميع ، فى الصباح غادرت عائدا إلى قريتى.

أسمع أصواتا حولى ، الحرارة لا تنخفض ، جسمه كأنه يرفض العلاج ، عيناه حمروان كشمس ، وأنفاسه كـ لهيب ، سعاله جاف قوى ، جسده ينتفض بقوة كأن أسد ينهش فى لحمه ...


الأربعاء، 11 أغسطس 2021

السادسة صباحا

 

الصداع يفتك برأسى ، أرى الدنيا تدور من حولى بشكل غريب ، عينى زائغة ، لا أقوى على إتيان أى حركة ، أشعر بأن جسدى بركان يفور ، تتساقط الحمم على جبهتى تغطى عينى ، أهى تلك اللحظات الأخيرة التى دوما يفر منها المرء منذ ولادته ، لحظات الصدق والاعتراف ، تدرك أنك مفارق لا محالة ، تحاول أن تخلص نفسك من كل خبث وتنقى قلبك من كل شائبة ، تذكر كل الذين فارقوا قبلا ، تستحضر صورهم وذكرياتهم ، تراهم رأى عين ، تحدثهم ويحدثونك ، ينادون عليك ، يمدون إليك أيديهم ، يرسلون إليك الأشواق وأيات اللهفة .

تشعر بحركة من حولك كثيرة ، تراهم وتنظرإليهم ولا تستطيع أن تكلمهم ، تقلب عينك فيهم وكل ما تحركوا زاغت عينك معهم ، يجففون عرقك ، يحاولون تخفيض الحرارة بالكمادات ، يضخون على رأسك وأطرافك الكثير من الماء ، تشعر الكون من حولك قد ضاق والأبواب كلها مغلقة ، حتى الأنفاس لم يعد لها متسع .

تمر حياتك أمام عينيك فى شريط عرض مستمر ، السنوات لخصت فى لحظات واللحظات فقط صور ، ليست كل الصور بنفس الوضوح ، بعضها أراه جيدا وبعضها ملامحه باهتة جدا وبعضها قد أظلم تماما فتجده سواد حالك .

صبى صغيرتصحبه أمه لبيت جدته وأخواله، يحب الذهاب هناك ، المكان متسع ، أمامه طلمبة للمياه ، بنى امامها حوض لسقيا الأغنام والمواشى والماعز ، يتزودون منها بالمياه اللازمة للشرب وللطهى ولكافة مناحى الحياة ، المياه داخل المنازل لم تمد بعد والاعتماد كلية على المياه الجوفيه باستخدام الطلمبات ، فى البلدة كذلك أكثر من صهريج رئيسى فى أطراف البلدة ووسطها ، يتزود منه الناس بالمياه اللازمة لحاجاتهم اليومية ، الصهريج موزع فيه حنفيات ضخ مياه متعددة كى تسمح لأكثر من فرد بالتزود من المياه فى نفس الوقت .

طلمبة المياه التى أمام بيت جدتى مكانها حافة الترعة ، أقيمت أمامها مصلية صغيرة ، فرشها من القش وكنا نبدله باستمرار كى يكون طريا لينا على رؤوس السجد .

أمام البيت حظيرة البهائم مقامة من طين وأخشاب وزرعت فى أطرافها عنبة فتفرد أطرافها وجدائلها حول سطحها وأعمدة الحظيرة ، ثم مساحة خالية كنا نستغلها فى تشوين بعض الحاجات ونلعب فيها عندما تكون خالية وأحيانا نربط فيها البهائم أوقات العصر ، خلفها غرف للتشوين والطيور ، يحيط ذلك نخيل طرح بألوان ومذاقات لا يوجد نظيرها بالناحية كلها وشجرة مانجا عتيقة وخلف البيت الحقول يتقدمها أشجار تين وعلى اليسار بيوت جدتى وأخوالى .

جدتى جميلة رغم سنها ، بياضها ثلج ، عيناها زرقاوان ، واحدة من خالاتى فقط هى من أخذت عنها لون العيون هذا ، طيبة رحيمة ، لا تتكلم إلا قليلا ، نطقها حكمة ، طول الوقت تعمل فى أشياء ، لا تجدها جالسة فارغة اليدين مطلقا .

غرف لخالى وقد اتخذها لزياراته للبلدة وكان قد انتقل للاقامة بالمدينة حيث عمله بالجامعة، تفتحها لى جدتى أستذكر فيها دروسى وقد سمح لى خالى بذلك ليوفر لى مكانا مناسبا للتعلم والمذاكرة ، كتبه وأدواته القديمه ، أوراقه وخطه المنمق الهادئ وكلماته التى تكاد من جمال كتابتها تنطق نفسها ، مصلاة قديمة ومصحفه وأوراقه .

وأحواض ورد وريحان ونعناع زرعها خالى أمام غرفه نتهافت عليها فى أعياد شم النسيم نتسابق الى قطف الورد منها قبل أن يسبقنا أحد .

شاب يافع ، أقف فى وسط شارع كبير بإحدى المناطق الممتدة على الطريق الدائرى ، نعد المأكولات ، كباب ، كفتة ، حواوشى ، طرب و فراخ ، نبدأ العمل فى الظهيرة ويمتد بنا العمل حتى الفجر ، أمامنا مكان ضخم لطلاء السيارات ، وعن اليسار مقهى يرتاده الكثير ولذا كان اختيار هذا المكان لاعداد باترينة العرض وفرن الشوى فيه ، يمر علينا متعهد الفحم دوريا وكذلك متعهدى الفراخ والخضروات والخبز وكنا إذا احتاجنا المزيد ذهبت إلى مقارهم لاقتناء ذلك .

فتيات جميلات بدا لى ذلك جليا من تلك الصغيرة التى اعتادت على الشراء منا وعندما تأخرت يوما قدمت اختها الكبيرة لتبحث عنها فتأكد لى صدق حدسى ، أم بطه تبحث لابنتها عن عريس وأخوها يدرس فى معهد ويظن نفسه أعلى أهل المنطقة شأنا ومسجد صغير رواده معدودون  وكلاب شرسة تجلس فى منتصف الشارع ، أم بيتر طيبة القلب وأولادها رائعون و عم سعودى يبحث عن مجال يستطيع أن يعمل فيه وبناته جميلات وحنان لها من اسمها نصيب .

اليوم من صباحه فى منطقة التجنيد لاجراء الكشف الطبى لمعرفة ان كنت ستلحق بالخدمة العسكرية ام ستعفى منها أم ستؤجل خدمتك ورفيق طريق يتحدث كثيرا ويمنى نفسه وسائق تكاد السيارة أن تغلبه فتنقلب بنا ....

أنتبه على أصوات تنادى على ، تحاول إفاقتى ، اسندوه جيدا ، أجلسوه كى يستطيع تناول الدواء ويد أمى تمسح على صدرى وعينى شديدة الاحمرار أشعر كأنها تغلى .

قطار السادسة صباحا يجرى معى صديقا وتتساقط فوقنا الأمطار ....