الاثنين، 9 سبتمبر 2019

لم نعد صغارا " 11 "


إنتقل التفكير الى زاوية أخرى حيث تخطط لمستقبلك فلابد من السعى نحو بلوغ الأهداف المنشودة ، العمل هو السبيل فلابد من إعطائه الأهمية الأولى حتى الوصول للمبتغى .
تتوالى الساعات التى أمكثها فى العمل أو بالمعنى الدقيق فى مكان العمل لعل وعسى تتحسن الأمور ، وشيئا فشيئا يمن الله على وأستطيع إدخار مبلغا من المال ، فكرت أن أستفيد به فى التقديم لاقتناء مكتب بمكان جيد للتخلص من كثرة الانتقال وتغيير مقر العمل بسبب القيم الايجارية التى تتزايد بشكل لا يعقل ، بحثت كثيرا بصحبة بعض الأصدقاء وقضينا اياما نسعى على أقدامنا نبحث عن مكان مناسب ولكن المبلغ كان صغيرا أكثر مما نظن فلم يمكننا من التقديم على أى شئ وفى خضم سعينا وبحثنا تعثرت برجل طيب القلب عرفته سابقا فى أعوامى الأولى فى هذه المدينة ، كان يعمل بالأمن فى الشركة المالكة للعقار الذى كان به مقر عملى ، جلست إليه وتحدثت معه مرات ومرات ، أخبرنى أن لديهم بعض أصحاب الوحدات يريدون بيعها وأنه يستطيع التحدث معهم فى الأسعار ولكن كانت المشكلة دوما فى أن المبلغ المدخر صغير يقل أحتاجه إلى أربع أضعافه كى يستطيع اقتناء تلك الوحدة الصغيرة التى يتكلم عنها ، استخرت الله وطلبت منه التحدث إلى ملاك الوحدة ليصل معهم الى السعر الأخير وكيفية السداد وكان الأمر أن تم تخيض السعر قليلا لكن السداد نقدا غير أن الوحدة مستحق عليها بعض الأقساط للشركة المنشئة للعقار ولم يحن موعد استحقاقها فيستطيع المشترى الجديد أن يتم سداد الأقساط حينما يحن موعد استحقاقها وكانت تعادل ربع المبلغ تقريبا .
وللمرة الأولى ألجأ إلى الاقتراض وليس اقتراضا لقيمة بسيطة ولكنه مبلغ كبير ولا أعلم كيف سأقوم بسداده لكن فضل الله على أنه أعاننى على الادخار ممن لا يطالبوننى بتعجيل السداد .
الفترات من يونيه الى منتصف أغسطس كانت هى فترات البحث والتفاوض وفى أغسطس تم الاتفاق والتعاقد بفضل الله وكرمه .
كان يتبقى لى فى عقد الأيجار مدة تقارب العام كاملا حتى أجدد التعاقد أو أرحل مغادرا المكان ، وحتى لا أضع رأسى بين المطرقة والسندان اجتهدت بكل ما استطعت حتى أتمكن من إنهاء تشطيب المكتب الجديد خلال فترة بسيطة وفى خلال ثلاثة شهور تم الأمر وفى منتصف نوفمبر انتقلت إلى المكان الجديد مغادرا المكتب المستأجر بعد ثلاثة أعوام أو ما يقاربها قضيتها فيه ، ساعدنى على إتمام هذا الأمر فى هذا التوقيت هؤلاء الشباب الجيدون الذين كانوا يعملون معى فى تلك الفترة وحرصوا على مساعدتى قدر استطاعتهم ولم يدخروا وقتا أو مجهودا فى فعل ذلك .
لم يكن بالأمر اليسر فعل ذلك ولولا توفيق الله وفضله ما استطعنا ، لقد كنا نحمل الرمال والسيراميك والأسمنت وكل ما يحتاجه العمال من مؤن فوق أعناقنا كى تتم أعمال التشطيبات ، كنا نشد على ايديهم ، نلازمهم طوال الوقت حتى يعطوا الاهتمام الكافى للعمل لينجز فى أقل وقت ممكن ، الله وحده يعلم كيف تدبرت المبالغ المطلوبة للقيام بالتشطيبات فى هذا الوقت بخلاف ما يسدد معها من أقساط وما يتكلفه المحافظة على سير العمل بالمكتب دون تعطل أو تأخير لمصالح العملاء ، حتى أنا نفسى أتعجب وإلى الآن كيف تم ذلك ولكن يسر الله غالب .

الخميس، 5 سبتمبر 2019

باب موارب

رغم قساوة كل ما كان وصعوبة ما حدث ، رغم كلمات اللقاء الأخير وغلظتها ، رغم تلك النظرات الجامدة ، القاسية ، الدامعة ، لحظة ختام ولن يكون هناك بعدها عودة إلى هنا .... أبدا 
ربما الصمت هو ما يؤلم أكثر لكن ما أدراك أن الحديث وقتها سيجدى ، ربما كان سيزيد الأمور سوءا ، الصمت والنظرة الأخيرة المغلفة بالعتاب تكفى .. ربما تكون هى مفتاح العودة ، الباب الذى ترك مواربا فإن عدت وجدت مكانك دافئا وكأنك ما غيبت عنه سوى مسيرة بسمة ....
الأوقات الخالية سترغمك على استرجاع شريط الذكريات ، تمر أمام عينيك كل لحظة وكأنك تعيشها ، رغما عنك تبتسم فجأة ، تبكى فجأة ، تصرخ فجأة ، وجهك يشتعل احمرارا ، عيناك تلمع ، يديك يغطيها العرق فى شتاء ديسمبر ، شفتاك تعضان على بعضهما بقسوة ، دقات قلبك تتارجح صعودا وهبوطا ..
لا تقطع دوما خيط الوصال الأخير ودع " شعرة معاوية " متصلة فربما يأتى يوم وتكون هى السبيل الوحيد للعودة ...

الأربعاء، 4 سبتمبر 2019

بيع قلبك

بيع قلبك ... بيع ودك ... شوف الشارى مين
تحاول أن تبدى شيئا مما كانت عليه بإبتسامة كانت قديما صاخبة ولكن مهما علا صوت الضحكات فذاك لا يخفى ما استقر بالقلب ، قتامة تلك الأوقات وما صارت إليه الأحوال أفسدت كل شئ رغم محاولة الاندماج بين الكثير ولكن ربما تلك السنوات كان لها شديد الآثر علي حالها فلا تستطيع التخلص منه بسهولة لذا سعت إلى محاولة شغل كل تلك الأوقات والمساحات بأخرين سواء كان ذلك يناسبها أم لا ، لابد من ملئ كل تلك التجويفات وسدها بما يشغلها حتى تمتلئ الحياة ...
شوف عهدى ... مين بعدى  ... حايصونهولك مين ...
محاولة التلفظ ببعض الجمل والكلمات التى كانت تخص أوقاتنا وحدنا لن يبدل من الأمر شئ ، لم نكن قبلا مصطنعين ، كنا نترك الأمور على سجيتها ، يحدث كل شئ بشكل عفوى ، لا نتدخل فيه مطلقا ، لذا عندما نحاول الآن استخدام نفس ما كنا نتلفظ به حينها لن يعيد الأمور الى طبيعتها ولن سيشوه اللحظات ويفسد الذكرى ...
العهد اللى رعاك ... والقلب اللى فداك ... ايامه عمرها بسنين ... شوف الشارى مين
ربما يستطيع اولئك الجدد أو من يقع عليه الاختيار منهم من شغل مساحة بعينها وربما ينسيك ما كان يوما ولكن ما يسرى فى الروح دواءه الروح ...الروح ذاتها
قبل ما تنسى العهد الغالى ... فكر ليله وهات لياليه
شوف مين غيرنا قضى ليالى ... عايشة بعمر شبابى فيه ..
أعلم أنك تسعى للتخلص من كل ما اقتنيناه سويا وربما يمكنك ذلك .. ولكن كيف يمكنك التخلص من المواقف والأوقات والذكريات ... وتلك الرائحة .... مهما كان يمكن التخلص فإن البعض يبقى آثره ....
هتلاقى خطوة قلبى وقلبك .... مستنية هناك 
شايلالى كلمة فضلت ... منك لما كنت معاك  ... شوف الشارى مين ....
انا يسعدنى تبعد عنى وتجرب غيرى فى هواه ...
شوف مين حبه أكتر منى ... لو شاف اللى انا شفته معاك ...

الأحد، 18 أغسطس 2019

كان ولن يعد

تمر على أعتاب الألم دون أن يطرف جفنك أو يتحرك بصرك فما عاد شئ يزهر فى هذه الأرض الغاضبة ، تجشأت فأفرغت ما فى جوفها من علقم فأتى على كل ما حل به ، كل يبحث عن صالحه ينتظر فرصة مواتية كى ينقض ويقتنص ، البعض يعد ذلك ذكاء .. ربما والبعض يعد ذك جشعا وطمعا ... ربما ، فى كل الأحوال هو افتراس كل شئ لكل شئ .
لا تكاد تآمن لإبتسامة بدت فى عين أحدهم عندما إلتقت النظرات فربما كانت المخدر الذى يسبق الذبح ، لا يستحى أن يخرج أحشاءك ويتباهى بها أو يسارع بإلتهامها قبل أن ينقض عليه احدهم فيفتك به ويفوز بها وبه ..
تمحو بعض السطور ، تبدل بعض الكلمات ، تزيد بعض الجمل ، العبارات ثكلى نزعت منها مفاتنها ..
ذاك الذى كان يوما ... كان ولن يعد !

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

لم نعد صغارا " 10 "


أتطلع إلى الأفق ، يفر الوقت ممتطيا جوادا عربيا أصيلا ، تتكدس الرؤى وتتراكم الذكريات ، تتأتى الأحداث تترا فلا أنا صرت أنا ولا الأيام أصبحت كتلك التى اشتهيتها ، الزمن قاس يا أبى والأرض الطيبة لم تعد إلى سابق سيرتها الأولى فلا العيون تشبهها ولا الطيب رائحتها ، كانت قديما تنبت منها الحياة فأصبحت قحطا تأكل أبناءها ..
كنت قد انتقلت إلى مكان سابقا مكثت فيه بضع سنوات ، مساحة جيدة تفوق حاجتي حينها مما اضطرني إلى إغلاق غرفة كاملة لخلوها من الأثاث ، جيران بعضهم طيب صحبته وشركة للتمويل العقاري يرتادها الكثير من المزعجين .
أسبوعان فقط كانا كافيين لأتعرض لأول حالة سطو على مكتبي في عصر خميس لن أنساه ، إعادة ترتيب أوراق وصبر على قدر يخفى من الحكمة ما تعجز عقولنا عن استيعابه وتمهيد لإجتهاد ربما يعطى ثماره لاحقا ..
أوقات ثقيلة كليلة شتاء على ضال تاه فى صحراء ، اتخذ من السماء غطاء ومن الرمال مسكنا ومن زواحفها صاحبا ..
أوقات تمر سريعة كبرق خاطف برائحة ليلة عرس عاشقين اقتناصاها من الأيام رغما ، أحتاج إلى أفكار لتطوير ذاتى ، أستعن بالله وأعمل ، ما من سبيل سوى العمل سائلا الله التوفيق ، لا تأتى الأيام بجديد ، فما يأتى يكاد يكفى لمقابلة النفقات وكثيرا ما تكون اليد قصيرة ، فى الصباح والمساء أقطع تلك المسافة من مسكنى إلى عملى سيرا ، على كل ليست من المسافات التى تكل منها الأبدان ولكنها تكفى فقط لتدوين فصل فى رواية أبطالها احتجزوا فى سجن لا جدران له ..

الأحد، 1 يوليو 2018

لم نعد صغارا " 9 "

يمضى الوقت ، تغرب الشمس ويطل القمر على استحياء متواريا خجلا من نجوم لاحقته ، صعودا ونزولا لعدد كثير من درجات السلم ، المكتب فى الطابق الأخير ، السلم ضيق المساحة من تلك الأبنية العمودية التى يرهقك قطعها ، الشقة المجاورة اتخذها بعض الشباب الذين يعملون فى المحال التجارية القريبة مسكنا لهم ، دوما يثيرون صخبا وضوضاء ، مؤخرا تم ابعادهم عن تلك الشقة  وفى الجهة اليسرى شقة تسكنها العائلة التى استأجرت منهم مكتبى ، رجل وزوجته ... وأولاد مزعجين ....جدا .
رغم قصر المدة التى مكثتها فى هذا المكان إلا أنى استطعت اكتساب صداقة كل الموجودين فى هذا المكان حتى أولئك الذين لا يروقون لى أصبحوا يلقون إلى التحية بوجوه مبتسمة ، حتى فى اليوم الذى غادرت فيه هذا المكان منتقلا الى مكان أخر ساعدنى الجميع فى نقل وحمل اشيائى وانزالها من الطابق الأخير قدر ما استطاعوا ..
لا أتعجل تحصيل النتائج ، أتركها تأتى فى الوقت الذى قدره الله لها فحتما سيأتى الخير محمولا فوق ظهر جواد قوى ثابت الخطى ، أحاول بذل الجهد وتنفيذ كل عمل يوكل إلى بجد واجتهاد وبأسرع وقت فإذا فرغت منه شرعت فى إنجاز غيره  ، لست من أولئك الذين يحبون تأجيل الأعمال ولا التراخى فى الانتهاء مما وجب الانتهاء منه وإنما كنت دوما شغوفا بالعمل والمطالعة ، أسعى لإنجاز مهامى وتعلم كل جديد ، مازال أمامى الكثير لأتعلمه يحتاج الى جهد فوق الجهد لتحصيله ..
رغم أن الأعمال التى أوكلت إلى فى تلك الفترة ليست كثيرة ولكنها بفضل الله كانت كافية لسد احتياجاتى الأساسية ورغم أنى لم استطيع ادخار شيئ فى خلالها إلا أنى ممتنا لفضل الله وعطائه على إذ لم يجعلنى فى حاجة الى اقتراض ما يقيت أسرتى ويسد حاجتهم .
قبيل انتصاف العام أخبرنى مؤجر الشقة أنهم يمرون بضائقة مالية وسيقومون ببيع تلك الشقة وبالفعل أمامهم مشترى وقد أبرموا اتفاقا مبدئيا فيما بينهم على ذلك ، أسرة يرغبون فى شراء الشقة يجعلون منها سكنا لفتاهم الذى يدرس فى المعهد الكائن فى هذه الناحية ، بدأت أبحث مجددا عن مكان لى حتى لا أتسبب فى مشاكل فى إتمام اتفاق البيع فقد وعدت المؤجر بذلك ، والسعى والبحث خطوات لا تنتهى وكأنها قدر تلاحقنى خطواته !

الأحد، 29 أبريل 2018

ذات صباح


متكاسلا أرفع الغطاء عن جسدى ، أفتح عينى ببطء اختلس النظر الى رسل الضوء التى تسللت الى غرفتى على غفلة من ستائر نوافذها ، أستنشق نسيم الصبح ، الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.

الجسد مثقل بالوجع من فرط أيام مغلفة بالمشقة ، وكأن كل ضلع فيه يتألم منفصلا عن رفقائه ، العظام تزاحمت حتى نفذت الفواصل بينها فتخبطت ، الرأس أمست مقرا لصداع الدنيا وكأن بداخلها بركان يفور ، العقل مشتت هنا وهناك ما بين حديث هذا ومطالب ذاك ، والقلب فارق الكل ورحل إليه وقد تركه ..

آتى النوم على كل هذا فاستيقظت لا أذكر سوى رائحة الصباح وعينيك ... سلام الله لك !



السبت، 27 يناير 2018

خاطرة



هى تلك الوحدة التى تحيطك ، عزلتك الاختيارية المرغم أنت عليها ، الذكريات التى تغلف سماءك ، الأشواق المتصارعة داخلك ، الأوجاع التى تتخلل شرايينك ، هى تلك الأشياء التى تذوقت برهة حلاوتها ثم رحلت وخلفت لك كل ذاك الوجع !

لا تقع ضحية الحب يا صغيرى فإنه أشد الأعداء فتكا وأيسرهم طرقا وأصعبهم معرفة ، لا تقع فى طريقه ضحية إلا وآتى على كل ما فيها ، أفسد جمال وقتها أذهب راحة بالها وقتل الطمأنينة بنفسها !

إياك أن تضعف ، لا يغرنك الحلاوة التى تستشعرها فى بدايته فما أنعم ملمس الأفعى وما أقوى لدغتها وما أقسى سمها !

يا صغيرى اقبض على قلبك براحة يدك ، لا تدعه يتسلل مبتعدا رغما عنك ساعيا خلف إيماءات الحب ، لا تدعه ينبض لتلك النظرات فالنظرة سهم مسموم يا بنى .

يا صغيرى لا أريد أن أراك مفتونا ذهب عقلك وشرد ذهنك وتبدلت أحوالك وذبلت أزهارك وأنت فى أوج شبابك !

دع كل تلك الأشياء تمر كسحب عابرة لا تحرك الجبال الرواسى بل تصطدم بها فتخر متساقطة تقبل أقدامها ، لا تدعها تتخذ من قلبك مرتعا لها تلهو به حيث هوت ، كن قويا يا صغيرى فالحب وهن لا شفاء منه !

السبت، 17 يونيو 2017

لم نعد صغارا " 8 "

أعود إلى مكتبى ، ألقى التحية على البائعين بالمحال التجارية المجاورة لمكتبى ، أقف قليلا مع شاب حسن الخلق والخلقة يعمل نائبا لمدير احدى دور العرض القريبة منى ، أصعد الدرج ، مكتبى فى العمارة الثانية فى الطابق الملاصق للسماء ، صالة واسعة وغرفتى وحمام صغير ، أثاث بسيط ، مكتبة ومكتب وانتريه ، كل قطعة من هذا الأثاث اقتنيتها وحدها ، فى البدء كان كرسيا ومكتبا صغير ودولاب من ضلفتين لحفظ الملفات أعارنى إياهم صديق لى ، أعدتهم له بعد أن يسر الله لى الأمور ووسع فى الرزق ، فى البدء كان المكتب غرفة حيطانها خشبية فى مكتب أصدقاء لى فى منطقة سكنية ، لم يستمر وجودى معهم إلا ستة أشهر لظروف ألمت بهم فانتقلت الى حيث المكتب الحالى ، ستمائة جنيها كانت هى الأجرة الشهرية المطلوب منى دفعها ، سخان استانلس لاعداد المشروبات الساخنة وبعض الأكواب .
 أفتح الباب وأشرع النوافذ وأتجهز لصلاة الظهر ، المسجد زاوية صغيرة تجمع المصلين بالسوق التجارى ونادرا ما يمتلئ بالمصلين ، يؤذن ويؤم المصلين دوما الشاب حسن الخلق الذى اشرت إليه مسبقا وأحيانا أحل محله ، محل لبيع المصنوعات الجلدية يديره شيخ كبير السن ومقابله محل لتجارة الأجهزة الطبية وبجواره مقهى يعد  قبلة الكثيرين فى هذا السوق وخصوصا من رواد دار العرض ومحال أخرى لتجارة مستلزمات الكهرباء ومكتبة وسوبرماركت شهير أحتل واجهة السوق .
أنظف المكتب من الغبار الذى استقر فى كل أرجائه ، أعد كوبا من الشاى ، أنظر من النافذة لاطالع السائرين فى تلك المساحات المترامية من الرمال التى لا تنتهى ، سلوايا فى تلك الأوقات العمل والقراءة وعندما يقترب النهار من أخره أطل من النافذة لأستنشق بعض الهواء الخالى من الكدر وأقلب عينى فى السماء ... سبحانك ما خلقت هذا باطلا .
مازال عملائى قليلون ونادرا ما يزورنى أحد وإن أتى أحدهم يكون منهكا لمشقة الصعود إلى الطابق الأخير ، أذكر يوما هاتفنى أحد أصدقائى وأخبرنى أنه قادم لزيارتى وانت هذه مرته الأولى التى يقدم فيها لمكتبى وفى الوقت المتفق عليه حدثنى قال أنه يطرق الباب ولا أحد يجيب فأخبرته أن باب المكتب مفتوحا وربما يكون ذهب الى عنوان خاطئ ، ثم سألنى عن رقم العمارة فأخبرته وعلمت منه أنه دخل العمارة الأولى وصعد الى طابقها الأخير ووجب عليه النزول مجددا ثم الصعود لمكتبى ، أذكر أنه مازارنى بعدها إلا مرة واحدة ربما .

الأربعاء، 14 يونيو 2017

فضفضة

ألتقى بزميلة لى تعمل فى مكان بالقرب منى أخبرتنى أن مكتب بجوارهم تتوافر لديه فرص عمل وكنت فى حينها أبحث لأحد أصدقائى عن فرصة عمل مناسبة ، هاتفت صاحب المكتب وحددت موعدا للقائه فى المساء ، ذهبت إليه ومعى صديقى ، تحدثت مع الرجل " رحمه الله " وكان طيب القلب ، جميل الهيئة ، تألفه بمجرد رؤيته ، تناقشنا كثيرا وفى نهاية الليلة طلب منى مساعدته فى إنجاز بعض الأعمال واتفقنا على عمل لصديق طرف أحد أصدقاء الرجل ، كنت ألتقيه دوما مساء ومرات قليلة جمعتنا أوقات النهار .
تبدلت الأحوال واختلفت السير وهرولت الأيام كأنها تفر من نار تطاردها ولازلنا نعمل سويا حتى ازدادت الضغوط فى مقر عملى فاستأذنت الرجل على أن أساعده وقت احتياجه وكانت هذه الأوقات التى قضيناها سويا قد تركت أثرا فى مكانه وعمله فتوسعت الأمور وارتفعت حجم التعاملات وأصبح هناك من يعمل برفقته غيرى فخف العبء عليه ولو شيئا يسيرا .
الكثير من الذكريات جمعتنا سويا ، ساندوتشات ملك الكبدة ، أيس كريم العبد ، السير ليلا فى شوارع القاهرة ، لجان العمل والفحص ، أحاديثنا المسائية ، افطار رمضان ، مقابلات لاختيار الراغبين فى العمل وضحكات صافية انقطع وجودها برحيله .
تشغلنى الدنيا وتدور بى الدوائر ، يهاتفنى الرجل فأعلم أنه مريض ، أتصل عليه يوميا للاطمئنان ، زيارات متتالية إلى الأطباء وكل يوم تتغير الأمور ، الكثير من الأشعة والتحاليل ولا جديد .
يقدم الشهر الكريم وكعادته يستعد لأداء عمرة رمضان التى أصبحت أحب الأشياء إلى قلبه كل عام منذ سنوات عدة ، أهاتفه وأقول له عجل بالشفاء كى تدرك العمرة فيجيبنى يارب يتقبل منك .
مرت ثلاثة أيام وفى منتصف اليوم وبينما أتابع بعض الأعمال علمت بوفاة الرجل وأدمى قلبى أن الوفاة كانت من يومين ولم أعرف ولم يتسنى لى تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير ، بكاء هستيرى وساعات لم أستطع خلالها تمالك نفسى والله منه الصبر وإليه يرجع الأمر.
كان ينتظر أن يذهب لأداء العمرة فإذا المقدر له أن يذهب للقاء ربه .
لازالت تلك اللافتة موضوعة على مكتبه تصدح بإسمه وكأنه مازال حيا بيننا ...رحم الله أستاذى فمهما توالت السنوات ذكراه فى القلب باقية .
يا أبى قلبى ضعيف لا يقوى على تحمل ألم الفراق أو الغياب فكيف بألم الفقد الذى لا يتبعه رؤية أبدا .