الجمعة، 15 مايو 2020

الصيف


ينتظر الطلاب قدوم الصيف حتى يرتاحون من الدراسة ويقضون وقتا سعيدا بصحبة اسرهم ، يتنزهون ، يقضون بعض الوقت بمدينة ساحلية ، يستمتعون بروعة المياه وينتظرون الشروق بلهفة مطالعة الغروب ، أما هو فكان يستمتع بذات الأشياء ولكن بشكل مختلف ووسيلة مختلفة ، يأتى الصيف وتبدأ الأجازة ويبدأ السعى للبحث عن عمل يكفى تحصيل المبلغ اللازم لشراء بعض الملابس للعام الجديد واقتناء الكتب الدراسية للسنة الجامعية الجديدة ، فى القرى الأعمال متوافرة وكلها فى الأرض تحتاج أن تمتلك القدرة والرغبة وأن تخلع عن نفسك زى الكبر قليلا ، لا يهم ان كنت تدرس فى جامعه أو فى غيرها ، المهم أن تستطيع أن تحصل قوت يومك وألا تمد يدك سائلا مساعدة ، منحك الله القدرة على العمل فاعمل مادام العمل مشروعا ، وقد يكون أمامك طريق أخر فتقضى الليل على إحدى المقاهى تشاهد شرائط الفيديو لأفلام الكونغوفو والكارتية الصينية التى اعتاد المقهى أن يشغلها وتستطيع ايضا أن تلعب البنج بونج ، أو تصحب أولئك الذين يتاجرون بأرواح الناس وأعمارهم ، تختار الطريق الذى يناسبك ويواءم احتياجاتك ، والبعض يغادر إلى المدينة بصحبة معارف له يوفرون له سبلا للعمل والبعض أهله يكفونه ذلك ...
قبيل الصلاة يستيقظ ، يجهز ثياب العمل ، يصلى الفجر ، يطرق باب الرجل الذى يعمل معه ، من الزريبة يخرج البغلة ، يعلقها بالعربة الكارو المركونة بـ " الجرن " ، يضع الفرشة والحبال وأدوات العمل فوق العربة ، تصحبهم زوجة الرجل ، يركبون جميعا فوق ظهر العربة ، يقود الرجل البغلة ، تشق طريقها فى شوارع مظلمة ، نغادر البلدة متجهين إلى المنطقة التى بها عمل اليوم ، قبيل البلدة المجاورة نركن العربة على حافة المصرف ، ينزل الأشياء من على ظهر العربة ويجهزها لبدء العمل ، يفك وثاق البغلة ، يتأكد صاحب البغلة من غمر المياه للأرض ، يدورون فى الأرض عدة دورات لتسوى المساحات المرتفعة ، على ناصية الأرض اقتطع جزء صغير أعد كمشتل للأرز ، يغمر المشتل دوريا بالماء على فترات متقاربة ، الأرز يحب الماء ويشتهيه .
سابقا تم تقليع الشتلات وتجهيزها لتوزيعها على كامل مساحة الأرض ، مساحة المشتل تتناسب مع المساحة التى ينبغى زراعتها كى لا تقل الشتلات فلا تكفى وتحتاج إلى أن تستعير أو تشترى ما يكفى للأرض أو يكون أكثر فيفسد ، نسبة وتناسب وكلها أشياء يجيدها الفلاح ولا علاقة لها بشهادات أو درجات علمية فالأرض خير معلم لأبنائها ..
بإنتظام يُحمل فرشة مصنوعة من مجموعة من الشكائر المنسوجة بالخيوط البلاستيكية وأحيانا تصنع من " مشمع " فى مقدمتها قطعة شخبية تشبه النبوت وضعت بالعرض موصول بحافتيها حبل قوى يعلق بكتف البغلة أو يعلق بكتف الشخص الذى يجرها ، " من لا يملكون سداد المبلغ اللازم لصاحب البغلة يقومون بذلك العمل لنفسهم ودوما كنا نفعل ذلك والبعض يستعين ببهائمه " ، بعد أن تملأ الفرشة بالشتلات يقود صاحب البغلة إلى داخل الأرض ويدفع من خلفه هو وزوجته ، تقسم الأرض بانتظام فينتهى من المساحات البعيدة اولا ، تصل البغلة إلى النقطة التى يبدأ بها فتوزع الشتلات على جانبى الفرشة وصاحب البغلة يقودها هنا وهناك حتى يتم توزيع كل ما على الفرشة وفى العودة يبحث عن المساحات التى فى حاجة إلى اصلاح وتسويته فيمر من فوقها وهكذا يستمر نفس المنوال حتى ينتهى توزيع كامل المشتل على كامل مساحة الأرض ، الشمس تعلو ، العرق يتساقط ، جلد القدم أصبح أبيضا مجعدا ككهل بلغ من الكبر عتيا ، قدِم الفلاحون إلى حقولهم وبدأوا إنجاز اعمال الأرض ، الأرض طيبة رائحتها ذكية ، تعطى بعطاء لمن يبذل لها من عرقه ونفسه ، وفية لا تخذل من يعاهدها ، يصونها فتوفى بوعدها ويتعهدها فتنثر حوله من خيرها .
استراحة قليلة ، بعضا من الطعام يقيم الأصلاب ويمنح القوة ، يليه بعض الشاى ، يعاودون تتمة العمل ثم ينطلقون إلى مكان أخر وهكذا حتى ينتهى العمل ، يغسل الفرشة ويحمل الأدوات فوق العربة ويعودة ألى بيوتهم ، ينزل الاشياء من فوق العربة ويضعها فى بيت صاحبها ويعيد العربة إلى " الجرن " ويربط البغلة فى مقبض حديدى أما طوالة اسمنتية ويضع أمامه التبن ويخلط به العلف ...
يعود إلى بيته فيغتسل ويبدل ثيابه وينظر إلى ما ينتظره من عمل .....


الخميس، 7 مايو 2020

لم نعد صغارا " 16 "


ثقيلة ، مرهقة ، العمل والتعلم ، مهنة لا يعرف قدرها الكثير ، وربما أساء إليها أكثر من يزاولها بجهل ، أن لا تعى قيمة ما تملك يجعلك تضيعه بأبخس ثمن وهذه هى آفة هذه المهنة خاصة فى هذا البلد ...
تتعب كثيرا كى تحصل شيئ ، تمهد طريقا وسط أرض وعرة ، قطرات العرق ، السهر ، الوقت ، الروح ، الطاقة التى تستنزفها ، كلك يذهب شيئا فشيئا فى سبيل السعى نحو حلمك ، عاهدت نفسى أن أقبض على حلمى بيدى فاستعنت بالله وبدأت الخطوات وإن مد الله فى عمرى سأصل ....
تتم الأمور دوما بالمثابرة على إنجازها ، بتحمل مشقتها ، بالسعى فى قطع خطواتها ، بالتحامل على النفس وإرغامها على فعل ما يشق عليها فعله ، النفس تميل إلى الراحة وإنجاز الأعمال يحتاج ضد ذلك ، مع شروق الشمس أسعى إلى مكتبى وقبل حضور فريق عملى بما يقارب الساعتان ، أعد خطة عمل اليوم وأجهز ما يحتاجونه لإنجاز ما يطلب منهم ، أرتب مواعيدى ومقابلاتى ، أضغط وقت الأشياء حتى أتمكن من استقطاع وقتا للمذاكرة والتعلم ..
ربما تمل النفس وتكل ، لا رغبة لدى للعمل ، أبحث عن شئ يكسر وقت الملل هذا وغالبا ما أرحل إلى كتاب ، أعمل على تغيير الحال الذى أنا فيه ، لا أرغم نفسى فى هذا الوقت ، أتركه كى يمر مثلما قدره الله وفى كل الأحوال فما نسعى إليه هو قدرنا الذى يسعى إلينا ونفر من الله إلي الله .
ربما تكمن المشقة فى إنجاز الأعمال مجتمعة معا فى وقت واحد ، تحرص على مواصلة العمل كى لا تهمل مكتبك ولا عملاؤك ولا فريق عملك ، تؤجل ما يمكن تأجيله وما لا يمكن يتم إنجازه بشكل أو بأخر ، تقلل التكليفات والمهام الموكلة لفريق العمل حتى تتمكن من المتابعة الجيدة ، نصف اليوم وأكثره أنت خارج المكتب فكل الوقت المتاح يقل عن وقت عمل المكتب المعتاد ساعتين او يزيد ، والأمور تكون أكثر صعوبة فى أيام الاختبارات .
اذهب الى المكتب أرتب الأعمال ولان مواعيد الاختبارات تبدأ يوميا فى الحادية عشرة فأضطر إلى المغادرة من مكتبى فى الثامنة او بعدها بقليل وعند الانتهاء من الاختبار أعود مجددا إلى المكتب أراجع ما تم إنجازه من أعمال وأذاكر لاختبار الغد إلى أن يقترب الليل من انتصافه فأغادر إلى مسكنى لأخذ قسطا من الراحة .
واستمر الحال هكذا إلى أن من الله عليه بفضله ورحمته وأجتزت تلك الاختبارات والتى هى فى تخطيطى بداية للمرحلة التى تليها .... إن شاء الله .
الصعوبة ، المشقة ، العائق ، هى بالقطع أمورا نسبية ، نظرتك وتعاملك معها تجعلها أشد أو أيسر وفى كل أمر مهما ظننته شاقا أستعن بالله ولا تعجز ، هكذا تعلمنا وهكذا نأمل أن نواصل طريقنا بعون الله وتوفيقه .
الفجر يولد والنور يسطع يبدد الظلام ، الطيور تسبح ، والألسنة بالذكر تشدو والعيون تنظر إلى السماء تبتسم شاكرة ....الحمد لله .

الثلاثاء، 5 مايو 2020

لم نعد صغارا " 15 "


يتعالى عواء الكلاب ، يشق نباحها صمت الليل ، حزينة ، وحيدة تجوب الشوارع الخالية ، الخالية اختيارا والخالية رغما عن قاطنيها ، تعوى وتنبح تبحث عن من يؤنسها ، ولما تمل البحث تؤانس نفسها بعوائها ....
أواصل تتمة الأعمال ، أدرس ، ألتحق بدورات تدريبية وندوات مهنية كثيرة ، أحاول حضور كل الندوات التى يعلن عنها وأكثرها ندوات مجانية ، قبل ذلك بسنوات إلتحقت بجمعية مهنية ، قدمت أوراقى لحضور الدورة التدريبية المؤهلة لحضور اختباراتها التى يشترط اجتيازها للحصول على عضويتها او مرور سنوات بعينها ورغم أنى كنت قد تخطيت عدد السنوات المطلوب إلا أنى دخلت الاختبار ومن الله على فأجتزته وأصبحت عضوا بتلك الجمعية ، كان هدفى الأول من الحصول على عضويتها حتى أتمكن من اقتناء الكتب والنشرات الدورية التى تصدرها كى يفتح امامى سبيلا جديدا لتعلم كثيرا مما لم أستطع تحصيله سابقا ولأن مطبوعاتها لا تباع ولا تتداول إلا من خلالها فقط ولأعضائها وكذا حتى أتمكن من حضور الندوات والمحاضرات والدورات والمؤتمرات المهنية التى تعقدها هذه الجمعية العريقة وكان ذلك فى بداية هذا العقد ...
بعد ذلك بسنوات قليلة كان أمامى اختبارا أخر للحصول على درجة أعلى فى مهنتى ومن الله على وأجتزته ، وكانت هذه خطوة فى خريطة محددة المعالم وواضحة الخطوات والتى رسمتها فى شكل سلم ، كل درجة أحط قدمى عليها تؤهلنى للصعود للتى تعلوها ، فقدمت أوراقى للحصول على تأهيل جديد ولكن فى هذه المرة يحتاج إلى وقت يقارب العامان إن كتب الله لى التوفيق .
استعنت بالله وقدمت أوراقى وقبيل بدء الدورات المؤهلة لخوض الامتحان الأول أصبت بكسر فى قدمى ، ولما كان لابد من الحضور حتى أستطيع التعلم وتحصيل المناهج والمواد التى تؤهلنى لاجتياز الاختبار لم يكن أمامى من سبيل بعد أن قررت عدم التأجيل إلا أن أصعد مستندا على عكاز طوابق هذا المبنى حتى قاعة المحاضرات فضلا عن مسافة تزيد عن المائة كيلو مترا اقطعها ذهابا ومثلها عودة ، أغادر مكتبى فى منتصف اليوم كى أدرك موعد المحاضرات والتى كانت تبدأ فى الخامسة مساء وتنتهى فى التاسعة وأحتاج ما يقارب الساعتين أحيانا يجاوز ذلك وأحيانا يقل عنه حتى أعود إلى مدينتى ، قبيل موعد الاختبارات فى نهاية العام كان قد من الله على وتم فك الجبس من قدمى إلا أنى لازلت أسير مستندا على عكاز ، كان الألم شديدا فى كثيرا من الأحيان ، ومرات عدة كدت أقع أثناء صعودى أو نزولى ، كنت أحزن عندما أرى نظرات شفقة فى عيون البعض ، صديقى يعمل بصحبتى فى المكتب تعب معى كثيرا كان يصحبنى فى كل الأيام وفى أيام الاختبارات كان ينتظرنى فى الخارج أما فى أيام المحاضرات فكنت قد استئذنت له من السادة المحاضرين فى الحضور بصحبتى ....
كل ألم يذهب سدى عندما تنبأ باجتيازك الامتحانات الأولى وأن المتبقى لك فقط اجتياز المرحلة النهائية حتى تحصل ما تريد ....
أى نجاح لم يسبقه مشقة تغيب لذته ،  غير مستصاغ الطعم ، سهل أن تفقده كسهولة الحصول عليه ، أما ما يأخذ من عمرك ونفسك وروحك فيكون نجاحا محفورا فيبقى راسخا قويا كجبل ....

والأجر على قدر المشقة والله لا يضيع تعبا أو سعيا واجتهادا أبدا ....

السبت، 14 مارس 2020

أمى .... والمطر


الأمطار تعاود الكرة ، أوقات طويلة ، أضاء البرق السماء عدة مرات وزمجر الرعد ، الرباح تهب تدفع أمامها السحب ، السحب تنوء من ثقل حملها ، ثم تدفق المطر  مدرارا ، منذ مطلع الصبح والمطر كثيف يهدأ دقائق وكأن السماء تلتقط أنفاسها ثم تعاود الكرة مجددا ، مياه الأمطار تراكمت  فصنعت بحيرات صغيرة فى كل منطقة خالية ، الرمال الصفراء اختفت ، غرقت ، ربما غدا نرى الطحالب تشكلت فيها وتنبت فى تلك الأماكن الحشائش والأشجار ، الطيور اختفت من السماء ، الشوارع خلت من المارة ، المحال أغلقت ، الكهرباء تارة تنقطع وتارة تعود ، الأطفال يخافون الظلام ، المياه غابت من صنابير البيوت وحضرت بكثافة فوقها وأمامها وفى كل مكان حولها ، الأشجار ترتعد والأطفال يفزعهم صوت السماء ، يروحون ويجيئون يسألون ما هذا الصوت ؟ ، القرى غرقت والبيوت الطينية كادت أن تذوب ، كم مئذنة سقطت وكم جدران تهدم بخلاف أعمدة الانارة التى تحطمت والأشجار التى ضعفت فتكسر جذعها ، المياه تكدست فى الطرق مكونة مجموعة كبيرة من البرك ، السيارات تعطلت ، حتى شبكات الاتصالات والانترنت عُطلت ، أسمع صوت المؤذن ينادى للصلاة ، المصلون يبتهلون ، يسألون الله العفو والعافية ، اللهم صيبا نافعا ، اللهم حوالينا لا علينا ، اللهم إنا نسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ، ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت بها ، خبراء الأرصاد يقولون أن الأمر مازال فى مهده والساعات الآتية ستكون مغايرة وستكون موجة عدم الاستقرار فى الأجواء أشد ولابد من الاحتياط والحذر ، كل المصالح تعطلت ، كل الخطط تغيرت ، كل المواعيد أُلغيت ، سبحان من بيده أمر كل شئ  ، "  وما نرسل بالأيات إلا تخويفا " .
كنا عندما يشتد المطر نصنع أمام باب البيت حاجزا من الحجارة والتراب لنمنع تدفق المياه إلى داخل البيت لانخفاض البيت عن مستوى الحارة ، تنزح أمى وإخوتى الماء الذى يتسرب وتنظف الأرض جيدا ونحضر بعضا من القش وأعواد النباتات الجافة كى نضعها فوق الأماكن التى تسرب إليها الماء فأصبحت طينية كى نتمكن من السير عليها ، نضع بعض الأنية عند السلم ونغطى بالمشمع الفرن ونضع فوقه أنية أخرى لتتجمع فيها الأمطار وكلما امتلأت أفرغناها وأعدناها مجددا ، كان البيت طابق أرضى تعلوه غرفة واحدة فى جانبه الغربى ، كانت مياه الأمطار تتسرب عبر السقف المكون من خشب وغاب وقش وحطب ومشمع فتنزل إلى الغرف فتغرق كل ما تطاله ، كنا نبحث عن المكان الذى ينزل منه المطر وندعمه قدر استطاعتنا بكل ما يمكن أن يسد تسرب المطر .
نجمع الأخشاب ونقطعها إلى قطع صغيرة ونجمع أعواد الحطب ونشعلها ونتجمع حولها ، دوما كانت الكهرباء تنقطع بمجرد أن يتبدل لون السماء ويستمر انقطاعها لساعات تطول وتطول ، أمى تزود اللمبات بالجاز اللازم لإشعالها وتضع فى كل غرفة لمبة وفى منتصف البيت تضع لمبتان ، أولاهما فى زاوية صغيرة شكلت فى الجدار والأخرى فوق زير نملؤه بالمياه اللازمة لحاجة البيت .
يخرج من اللمبات دخان أسود ويعكر الجاز رائحة الغرفة فنفتح الشباك كى يدخل الهواء فيهون الأمر ، تحمُل لسعة البرد أهون بكثير من تحمُل أضرار الدخان ،والبيوت التى جدرانها من طين أشد دفئا من ذات الجدران الأسمنتية ، نسخن الخبز على " المنقد " فوق الأخشاب التى هدأت نيرانها ونضع فى جانب وعاء نملؤه بالماء يعلوه الشاى ، نتناول الطعام والشراب وبعد أن ننتهى نحمد الله وأقوم إلى كتبى ، أتم واجباتى وأذاكر دروسى ، أجلس بالقرب من اللمبة فيسقط ضوءها على فيتشكل ظلا بهيئة جسد ضخم ، أغير مكانى كى يغيب الظل وتضاء الغرفة جيدا ،  وعندما أنتهى من مذاكرة دروسى أو يغلبنى النعاس أقوم إلى اللمبة فأخفض إضائتها قليلا من مفتاح فى جانبها على شكل دائرة صغيرة مصنوع من حديد أو صاج موصول بشريط الاشتعال ، تديره للأسفل فيهبط الشريط فتقل الإضاءة والعكس ، وعندما يقل الجاز الموجود باللمبة أو يتآكل شريط الاشتعال تقل إضائتها إلى أن تخفت وتنطفئ كليا ، كانت أمى تحرص دائما على أن تبقى كل اللمبات مزودة بالجاز وتحتفظ بمجموعة من أشرطة الإشتعال تحسبا لأى انقطاع فى الكهرباء فانقطاع الكهرباء فى القرى ليس وقت المطر فحسب بل اعتدنا ذلك أيام وليالى الأعياد وأوقات المباريات الهامة وأوقات الصيف الحارة وأوقات الامتحانات وكل أربعاء وغيرها  ... ، أبى وأمى يغطيان سطح البيت بحطب القطن وأعواد الذرة ونكدس فوق منها حزم القش ، يجعلون الأطراف ممتدة خارج سطح البيت كى تظلل على الجدار وتقيه من تساقط الأمطار فوقه ونعد كل ذلك حسب موسم الزرع تحسبا لأوقات الشتاء ، أمى تتابع كل ذلك وتخبر أبى أن البيت يحتاج كذا وكذا وتطلب من إخوتى البنات تنظيف زجاجات اللمبات جيدا كى تعطى إنارة جيدة ، لمبات الجاز مكونة من زجاجة غليظة داخلها شريط اشتعال موصول بمفتاح جانبى مصنوع من صاج أو حديد خفيف وتخرج من فوهة الزجاجة عبر قطعة أخرى صنعت من الصاج ، جهز بها منفذا يخرج منه شريط الاشتعال ولحفظ الإنارة يوضع فوق الفوهة زجاجة مشكلة بشكل دائرى يبدأ كبيرا ثم يصغر شيئا فشيئا إلى فوهته ، كانت أمى تعلم إخوتى كيفية تنظيف هذه الزجاجات فتضع إحداهن الخرقة وتلفها حول عود طويل وتنظف به هذه الزجاجة من الداخل جيدا فتزيل ما علاها من سمرة بسبب الدخان الناتج عن الاشتعال .
الآن عندما أرى الشوارع تغرق دون أن تجهز البالوعات والمجارى والمصارف تحسبا لذلك ، وتتسرب المياه إلى البيوت رغم حداثتها وهياكلها وجدرانها الأسمنتية القوية ، وتنقطع الكهرباء والمياه ويتعطل كل شئ ، أتذكر أمى وهى تحسب لكل شئ حسابه كى لا تنقطع الكهرباء ولا نجد لمبة ، أو تنقطع المياه ولا نجد مياها مخزنة لشئون حياتنا ، أو تتساقط الأمطار ويشتد البرد ولا نجد أخشابا أو أحطابا للتدفئة ، أو تتساقط المياه على الجدران وتتسرب إلى البيت ولا نجد ما يمنعها ، تُجهز كل شئ كى لا نتضرر من مطر الشتاء أو يمسنا سوء فأتمنى أن لو كل الحكومات أمى ....

السبت، 7 مارس 2020

لم نعد صغارا " 14 "


أنفض الغبار من على الذكريات فتتناثر أمام عينى كأنها حلقات مسلسلة تتوالى بسرعة فائقة ، بالأمس كان المكان خال مظلم ، يصف بعض الشباب سياراتهم فى ركن منزوى ، يستعينون بالظلام على التخفى وتناول تلك المواد المخدرة ، عقار حديث لم يسكن بعد يتسلل إليه طالبى الرغبة ، أكوام من الرمال والزلط والسن ، شكائر أسمنت رصت فوق بعضها ، بلدورات وحواجز أسمنتية ، بلوعات لم تضع عليها أغطيتها بعد ، الطرق رملية أو رملية متربة ، الليل فى هذا المكان موحش ، تنشط فيه الكلاب الضالة ، تتشكل مجموعات وكأنهم اجتمعوا لإنجاز عمل ، تعوى على كل من يمر وإن كان وحيدا أو صغيرا هرولت خلفه ، تهاجمه ،  ترغب فى نهشه وإصابته ، تشم رائحة الخوف والفزع فتزيد من قوتها وقسوتها ، كثير من البشر أخذ عن الكلاب نفس الصفة ، حتى أن الكلاب لا تأخذ ما يزيد عن حاجتها أما البشر فلا يكف أفواههم سوى التراب  .
نوافذ مكسورة ، أقفال صدئة ، أبواب مخلعة ، ألعاب أطفال متناثرة هنا وهناك ، سيارات يستغل سائقوها المساحة الخالية فيغسلونها وينظفونها ، كتب على بقايا الجدران التى يصطفون حولها " ملك للجهاز " .
الكلمات مثل العمر تشيب وتضعف ، حالها كحال هذه المدينة ، لم يصل عمرها بعد الخمسين ولكنها شاخت ، شاخت رغم حداثتها ، المصانع التى أنشئت من أجلها المدينة أصبح أكثرها مغلق ، قرارات خاطئة ، إدارات فاسدة ، قراءات خاطئة أدت إلى استنتاجات اكثر خطأ ، تمر على تلك البنايات فتدمع عينك ، وتسأل نفسك ، لما كل هذه الموارد مهدرة ومتروكة دون استغلال ؟ ، لو أنهم أوكلوا إدارتها إلى إدارات تعمل مقابل نسبة من الأرباح الناتجة عن إعادة تشغيلها مجددا ، لو أنهم قاموا على حصر كل تلك المصانع والمنشآت المغلقة ودرسوا المشكلات والعوائق التى أدت إلى إغلاقها ووضعوا استراتيجية لحل تلك المشكلات وإعادة تشغيل تلك المصانع والمنشآت ، ألن يكون ذلك أكثر فائدة للجميع ؟ .
كل مصنع ومنشآة تغلق يفتح بديلا عنها الكثير من المقاهى والكافيهات التى لا تؤدى إلى أى منفعة اقتصادية سوى إلى أصحابها فضلا عن الوقت الذى يضيعه روادها بخلاف المشكلات التى تنتج عنهم أيضا ، لا نقول بإغلاقها أو منع الجلوس عليها ولكن نقول لكل شئ وقته ومكانه والعمل والتعلم مقدم ومن بعده تأتى أوقات الراحة والاسترخاء والتنزه ، لابد من وضع ضوابط لإدارة وتشغيل مثل هذه الأماكن ولابد من المتابعة والرقابة المستمرة لها من الجهات المعنية ،  أطفال وصبية تسربوا من الدراسة واصطفوا حول هذ المقاهى والكافيهات ، ألا يعد ذلك نذير خطر ؟ ، شباب جلسوا يلعبون النرد ويلقون بالزهر ويدخنون السجائر والشيش منذ مطلع الصباح وحتى بعد انتصاف الليل ، ألا يعد ذلك نذير خطر ؟ ، فتايات يحيطون المناضد وينافسون الشباب فى تدخين الشيشة بمختلف أعمارهم ، تسمع منهن الألفاظ والأقوال التى يحمر وجهك أنت كرجل من سماعها فما بالك من قولها من فتاة صغر أو تقدم عمرها ، ألا يعد ذلك نذير خطر ؟ .
الوقت يمر ، المبانى تتبدل ، المناطق الخالية أقيمت عليها الكثير من المبانى ، محال كثيرة للملابس الشبابية ، منافذ لشركات الاتصالات المختلفة ، متاجر للمحمول واكسسوارته ، معرض للسيارات ، وعدد من مراكز خدمات السيارات ، محال للعطور والروائح ، مكتبات للهدايا والخردوات ، ادوات منزلية ، منظفات ، محال بقالة ، عصائر ، مخبز ومتجر حلويات ، متجر نظارات ، صيدلية يعلوها الكثير من العيادات الطبية التى تجاورت فى التخصصات المختلفة ، رمد ، جلدية وتناسلية ، باطنة ، أسنان ، معمل للتحاليل ، مركز للأشعة ، نساء وتوليد ، أطفال ، عظام ، جراحة ، مكاتب مهنية متنوعة ، سماسرة عقارات .
بوسط كل مجموعة من البنايات تركت مساحة خالية ، أعدت لركن وانتظار السيارات للرواد الذين يترددون على هذ المبانى ، حديثا اصبح يقف مجموعة من الصبية فى مناطق انتظار السيارات ، يدعون أنهم يقدمون المساعدة فى ركن وحراسة وتنظيف السيارات وفى الواقع فهو من أساليب الابتزاز والتسول بشكل مختلف قليلا ، البطالة داء علاجها يبدأ من التربية فى البيت وثقافة وتوعية من المجتمع والتعليم مفتاح العلاج .


الأحد، 1 مارس 2020

الواحة 2


أنتظر حتى تقترب المعدية بها رجل عجوز ، أشرت إليه بيدى وناديت عليه فأقترب ، نزلت عبر تضاريس الجسر ، مد إلى يده فأمسكت بها وقفزت إلى القارب ، ألقيت عليه التحية باسما ، بدأ يحرك المعدية إلى الناحية الأخرى ، لم ينطق بكلمة ولم أفعل ، فئران تجرى على الجسر ، رُفات كلب ميت تفوح منها رائحة نتنة ، المياه تتراقص حين يشقها القارب ، ترسو المعدية على الجسر فى الناحية الأخرى ، أشكر الرجل وأتسلق عبر زاوية ممهدة فى الجسر إلى الأعلى ، أقف على الطريق منتظرا أى سيارة تمر ، الشمس حامية ، الطريق من بعيد خال من الناحيتين فلا أرى شيئا فى منتهى نظرى يمينا أو يسارا ، أمشى يمينا بمحاذاة الطريق ، أقلب النظر فى الحقول والأشجار المصطفة على ناصية الجسر كأنهم جنود يحرسون المصرف ، أفكر فى هؤلاء الذين يعيشون هنا ، من أين يحصلون حوائجهم وأسباب عيشهم ومؤنتهم ، هل هناك أماكن تقدم لهم العلاج أم أنهم مازالوا يتداون بالأعشاب وما شابهها ، كل معالم الحضر غائبة عن هذا المكان وكأنه وُلِد لتوه ، تكوى الشمس رأسى ، أحاول السير تحت ظلال الأشجار ، تتساقط حبات العرق على وجهى ، وتدور فى نفسى الخواطر ، هل لهذا الطريق أخر ؟! .
يرهقنى السير بلا جدوى ، أنظر خلفى فكأن الطريق الذى قطعته غاب ، ومن أمامى يبدو الطريق صاعدا إلى السماء ، أجلس مستندا بظهرى إلى جذع شجرة ، بها أستظل وبجانبها أستريح ولعل عينى أن تغفو قليلا ....
الوقت طويل ، لازلت أنتظر ، أسير متلفتا حولى ولا أصل ولا سيارات تمر ، المكان خال من كل شئ سوى هذا الطريق والمساحات المتسعه يقطعها من جانب ومجرى مائى تصطف على جانبيه الأشجار بالجانب الأخر ، السكون غريب ، أمضى سعيا كما بدأت ، تدور فى رأسى المخاوف ، كقطار العمر يمضى دون أن نشعر يحمل تلك اللحظات التى كم تمنينا لو بقيت أبد الدهر بصحبتها تلك الألام التى ابتهلنا كى تنقضى ، كل مسافة تقطع تنتهى بمحطة نفقد عندها أحبة وتسلمنا إلى وجوه أخرى يحملون خططا جديدة .. الجروح لا تداوى هى فقط تسكن فى تلك المناطق البعيدة وتحل محلها بعض الأشياء التى نستعين بها على تخطى الوجع مستعينين بتلك الوجوه الجديدة التى إلتقتنا فى تلك الأوقات حتى تستمر بنا الرحلة ومن بقى منا أسير الجرح لحق به .
العرق يزداد ، الصداع يطغى ، أشعر بدبيب النمل يسرى فى رأسى ، أخشى أن يزيغ البصر وتطول المسافة وأفقد الوجهة وينتهى بى الحال فى بقعة خاوية سوى مما قل من الحياة ، أتحامل على نفسى وأواصل السير حتى يغلبنى التعب فألقى بنفسى تحت ظل شجرة مجددا .
ضجيج كثير ، أصوات عالية ، تأوهات وتوجع ، حركات سريعة ، أشعر بالبرد ، يدى مثبتتان بهما محاليل معلقة ...

الخميس، 13 فبراير 2020

بصحبة كتاب


الكتابة تُباغتك ، فيضان يتدفق فجأة فلا يمكن لسدود أن تعوقه ، حله الوحيد أن تُفسح له الطريق ليجرى ، يخرج ما فى الجوف ، تُسطر كل هذا السيل ، يأتيك اتصال صباحى بينما تجهز ليومك فتجد نفسك مضطرا لتغيير كل شئ رتبت له لهذا اليوم ، تُجهز نفسك على عجل ، تُغلق حاسوبك وتُلملم أوراقك وأقلامك ، تصطحب الكتاب الذى تحاول اقتطاع ما تقدر من الوقت لمطالعته ، " خريدة القاهرة " ، اصدار حديث للدكتور " حامد محمد حامد " ، اقتنيته من معرض الكتاب المقام بالقاهرة فى دورته التى انتهت لتوها ، من اصدارات الرواق للنشر والتوزيع .
أغادر مكان عملى ، أستقل السيارة لبدء المرحلة الأولى من الطريق ، ما يقارب النصف ساعة ، بعضها انقضى فى إجراء وتلقى بعض الاتصالات ، اسأل السائق عن المكان الذى تنطلق منه السيارة الثانية ، أبحث بعض الدقائق حتى أصل إليها ، من تيسير الله أنها أوشكت على أخذ كفايتها من المسافرين ، أكثرهم يحملهم حقائب سفر مثقلة بأشيائهم حتى أن سطح السيارة تشبع منها ، يشد عليها السائق الحبل جيدا ، يسمى الله ويبدأ المرحلة الثانية ، الفاتحة يا رجاله ....
" هذا ليس كتاب تارخ ولا كتاب آثار ... "
" شئ من سيرة الأماكن والأشخاص "
تُغادر السيارة الموقف فيتجه يمينا ثم يدور يسارا ثم يتجه للخلف فيدخل منطقة مكتظة بالسيارات ، على مهل يتحرك إلى أن يستطيع تخطى هذا الزحام ثم يأخذ الطريق المتجه إلى الأعلى حتى يدخل فى طريق أخر ، الطريق مزدحم بعض الشئ ، يقضى فيه وقتا قليلا قبل أن يتجه يمينا ناحية طريق جديد ، الطريق متسع فيبدو كأنه خال من السيارات ، المساحات الخضراء تتسع عن جانبيه ، البيوت تبدو واهنة وتصغر شيئا فشيئا ....
" لا مفر لك وأنت فى القاهرة من الحكايات القديمة ...."
يستمر السائق يشق الطريق ، يبدو أن هذه السيارة قد كتب عليها للذكور فقط ،  الجالس عن يمينى شُغل فى مكالمة هاتفية طويلة بصوت مرتفع ، فى المقعد الذى يلى السائق مباشرة ثلاثة أصحاب فتح أحدهم هاتفه وأدار مقاطع فيديو يشاهدها برفقة صاحبيه ، المقعد التالى ثلاثتهم حافظوا على صمتهم إلا فيما قل ، المسافر عن يسارى وضع سماعات الهاتف فى أذنيه وشرد وبالخلف كما فى المقدمة الصمت سيد الموقف ، أما السائق فقد أدار إذاعة القرأن الكريم ...
" المساجد أسرار
ستخسر كثيرا إذا ظننت أن المساجد هى مجرد أماكن للعبادة يبنيها عباد الله الصالحون ابتغاء الأجر والمثوبة فحسب "
يحافظ السائق على السرعة التى بدأ بها الرحلة فلم ألحظ طوال الطريق أن هناك سيارة واحدة تخطاها إلا إذا كانت متوقفة ، المسافات تطوى ويتبدل لون الأرض ، تنحدر السيارة مع الطريق الذى يتلوى كأفعى دارت حول نفسها دورة كاملة ثم يلحق بطريق أخر ، عن اليمين منطقة صناعية حديثة مكونة من مجموعة من الهناجر ذات الطراز الموحد ، عن اليسار محال ومعارض ومنازل وورش ، أكثر المحال تعمل فى الأنشطة المتعلقة  بخدمة السيارات وقطع غيارها وباعة يتوسطون الطريق يعرضون بعض الاكسسوارات ومستلزمات السيارات ولا يخلو الطريق أبدا من باعة الفاكهة والخضروات ...
" فى القاهرة كن على ثقة بأنه مهما بلغت خبرتك بدروبها فستظل على موعد دائم مع الدهشة ، دهشة من أعاجيب البدايات وعبث المآلات ..." .
الطريق مكسر بعض الشئ ، تجرى به أعمال صيانة وإصلاحات ، يجبر السيارة أن تبطئ من سرعتها أكثر ، لافتات إعلانية ولافتات صغيرة تعلن عن اسماء الأماكن وفى مطلع كل مدينة تزداد اللافتات أكثر ، أمام المناطق السكنية تكثر المطبات الصناعية لإجبار السائقين على خفض السرعة ....
" كان أحد الفلاحين يركب مركبا هو وزوجته وكان يركب معهما احد الجنود ، اخذ الجندى يغازل زوجة الفلاح التى كانت حُبلى فى الشهر التاسع وعندما صدته وشتمته ضربها الجندى فأسقط حملها .
جرى الفلاح المسكين ليشتكى لـ " قراقوش " فطيب خاطره وحكم بأن يأخذ الجندى زوجة الفلاح عنده ، ويعيدها لزوجها حُبلى من جديد بعد تسعة أشهر " .
يواصل السائق السير فى طريق متعرج أقيمت عليه الكثير من الكبارى لتسهيل الحركة والتنقل بين الأماكن ، لكل مكان صفات تميزه حتى فيما يتم زراعته بأرضه فكل منطقة لها زراعة تشتهر بها عن غيرها ، تختلف اللهجات واللكنات أيضا فلكل منطقة طريقتهم وأسلوبهم وكلمات يصعب على غير المقيمين فيها معرفتها ، يجمع المسافرون الأجرة ومبالغ إضافية تدفع عن الحقائب التى تعتلى ظهر السيارة وكالعادة يختلف البعض على قيمة ما تم دفعه فالسائق يقول أن بالأجرة نقص والجميع يقسم أنه دفع المستحق عليه كاملا وتتوه الحقيقة ويذم السائق ببعض الكلمات ....
" للأماكن سطوة خادعة ، سطوة تفوق منشئها ذاته ، تُعيد الأماكن رسم صورة من أنشأها ، تتماهى معه حتى يصبح المكان العظيم دليلا لا يقبل الشك على عظمة صاحبه ، وفى القاهرة ، لا سطوة تفوق سطوة مدرسة " السلطان حسن "" .
اسأل عن المكان الذى أصبحنا به الآن واتصل بصديقى أخبره فيجيبنى بأنه مازال أمامى بعض الوقت ، أمام منطقة سكنية أوقف السائق السيارة وغادرها ، مخبز للعيش البلدى ، مقهى ، محل بقالة ، خردة سيارات يأكلها الصدأ ، أداوت لحام ، حارة ضيقة تتوسط البيوت والمحال ، آثار الأمطار على الأرض ، كتل من الطين متراكمة ، فتاة ترتدى عباءة زهرية اللون ...
نمر على مدينة اشتهرت بإسم أحد الأولياء بها وشيد له فيها مسجدا ممتلئ بالدراويش عادة ويقام له فيها مولد سنوى يحج إليه الكثير من المريدين ، المصادر التاريخية تؤكد عكس ما يتداول عن هذا الرجل تماما ولكن .....
" على اى حال فللأولياء فى مصر سطوة حقيقية وإن كانت مستترة لا تُفضح عن نفسها إلا بمقدار ، وإدراك سطوتهم تلك ضرورة حتمية لمن اراد أن يفهم عالم القاهرة الأسطورى والعبثى جدا ... " .
سور مرتفع يحيط بمنطقة لا يبدو من خلفه أى بناء ، أظنه لمنطقة عسكرية ربما ، مر ما يجاوز الساعتين ولا تزال السيارة فى الطريق ، اسأل مجددا المسافر بجانبى فيقول أوشكنا أن نصل ، المشكلة أن هذا السائق يسير وكأن السيارة محملة بالأثقال رغم مشاداته مع السائقين على الطريق حول أحقية المرور وتراشق الألفاظ ...
" لكل مكان مذاقه وروحه ونفسه الخاص ، قد ترتاح فى مسجد ، ولا تحتمل أبدا أن تقترب من مسجد أخر دون أن تعرف السبب ، روح هذه الأماكن هى حكاياتها وذكريات من مروا بها ، من دون أن تستشعر هذه الروح ستغدو الأماكن كلها مسخا واحدا عديم الشكل ، مجموعة من الحجارة القديمة لا أكثر ، مجرد صورة باهته على كارت بوستال قديم "
بضع سنوات مضت منذ أخر زيارة لى لهذه المدينة التى أتوجه إليها الآن وفى المرة الماضية كان استقبالها حافلا ، فما إن وضعت قدمى حتى أغرقتنى الأمطار واستمرت بفعلها حتى عودتى فى نهاية اليوم الثانى ، لافتة تعلن أن المتبقى 45 كم ، أتصل بصديقى لأخبره فيقول أنه تحرك من مدينته ليلتقينى فى الموقف عندما أصل ، أواصل القراءة بعد أن أنهى بعض الاتصالات لمتابعة سير العمل مع باقى فريقى وتأجيل بعض المواعيد التى كانت مقررة اليوم .
" أما الجبرتى فقد استطاع أن يوجز لنا حياة مراد بك وشخصيته فى عبارة قصيرة " كان يغلب عليه الخوف والجبن مع التهور والطيش ، والتورط فى الإقدام مع عدم الشجاعة ، ولم يعهد عليه أن انتصر فى حرب باشرها أبدا ، على ما فيه من الادعاء والغرور والكبر والخيلاء والصلف والظلم والجور .. وبالجملة كان من أعظم الأسباب فى خراب الإقليم المصرى "" .
فى الزيارة السابقة كان الطريق متخما باللافتات الاعلانية للحملات الانتخابية لمرشحى الأحزاب المختلفة والتى كانت تضج منها الشوارع والطرق وكل منهم يتخذ شعارات مغايرة وسباب وتراشق وكلٌ يدعى لنفسه الأفضلية وغيره لا محل له من الأعراب ، أحزاب ملأت البلد صراخا وعويلا ، انتشرت فجأة وبكثرة بعد الثورة حتى أكلتها .
" الثورة لحظة جنون دافق ، قرار صاعق يسرى فى الإنسان كشحنة كهربية تجعله يؤمن بان حياته كلها لا قيمة لها من دون الثورة " ..
تواصل السيارة طريقها على مهل بذات الهدوء الذى بدأت به الرحلة رغم أن المعروف عن الخيل أنها كلما اقتربت من خط النهاية سارعت ولكن يبدو للسيارات رأى أخر فتطبق المثل القائل " فى التأنى السلامة " بأكثر من المراد منه بمراحل ، اتابع بعينى الطريق وأشم رائحة مختلفة وأعى جيدا أن لكل أرض رائحة تميزها عن غيرها متأثرة بعوامل عدة كنوع وطبيعة ما يزرع وطبيعة تربة الأرض نفسها ومدى قربها من المياه وحتى الرائحة تختلف باختلاف مصدر المياه سواء كان النيل أو أى البحرين أو القنوات والمصارف التى تشق أكثر المناطق ، وأيضا طبيعة الأعمال التى تمارس بتلك المناطق فتختلف تلك الشهيرة بأعمال الصيد عن تلك الشهيرة بالصناعة  أو الزراعة  أو مراسى السفن ومحطات الوقود وفى المكان ذاته تختلف الرائحة من منطقة لأخرى حتى أنها تتأثر بفعل أنفاس البشر ...
" للتاريخ ألف وجه ...
يبدو لنا التاريخ أحيانا مغرقا فى الحكمة والمعرفة ويتجلى أحيانا أخرى كعمدة قروى عجوز ، يجلس متكئا على أريكته القديمة ، ينفث دخان المعسل وينطلق لسانه بحكايات ليس لها أول من أخر تبدو للوهلة الأولى شديدة التنافر ولا رابط بينها ..."
الطريق يوشك أن ينتهى وحكايا " الخريدة " أيضا أوشكت أن تتم ، أقلب الصفحات لأعلم المتبقى وأعاود القراءة ..
" حكايات الأشخاص تتحول مع مرور الزمن إلى جزء من المكان حتى مع إيمانك أن تلك الحكايات هى محض أساطير خرافية لا أكثر ، لا تستطيع أن تمنع نفسك من الإحساس بأن ثمة أماكن مميزة بأساطيرها عن أماكن أخرى ، ربما هذا ما دفع كل من أرَّخوا للأماكن إلى ذكر سير أصحابها مهما كانت مُغرقة فى الخيال ، فقد كانوا يعرفون جيدا أن الحكايات هى روح الأماكن .."
تخطت السيارة بوابة المدينة وأتجه يمينا وتخطى الإشارة فأصبحنا تماما فى موقف السيارات ، سألت السائق عن مواعيد تواجد السيارات ومكانها فأخبرنى أنهم يعملون لأخر النهار وتجد السيارات تحمل الركاب من خارج الموقف فلا مكان لهم بالموقف ، شكرته ونزلت ، هاتفت صاحبى فقال أنه اقترب من الوصول فوقفت على رصيف المشاة أنتظره وشغلت بمتابعة خروج الأطفال من المدارس وتخطيهم لطريق عبور السيارات  .

·         العبارات المدونة بالخط الأحمر من كتاب " خريدة القاهرة " .
·         استمتعت جدا بالقراءة وأنصح بمطالعة الكتاب وأعدك بعد القراءة أن تخرج منه بروح غير التى بدأته بها وستعرف عن القاهرة كثير مما خفى عنك وإن كنت تعلمه فتأكد بأن السرد سيمتعك ، أتمنى أن يكون له أجزاء متتالية .

السبت، 8 فبراير 2020

الكُتاب


الساعة تقترب من السادسة صباحا ، يعود الوالد من صلاة الفجر ، كعادته يؤدى الصلاة ويجلس يتلو القرآن مع الشيوخ بالمسجد ، جلسة تلاوة صباحية ، اعتاد الناس على الجلوس فيها لتلاوة آيات من كتاب الله بخشوع وتدبر ، كل منهم يتلو ربعا من القرآن ، لا يهم أن تكون ماهرا بالقرآن ولا يهم حتى أن تكون مجيدا أو مستطيعا للقراءة ،فيمكنك الجلوس للاستماع ، القرآن مالوش كبير يا بنى حتى ولو كان يحمل أعلى الشهادات فيمكنه أن يخطئ فى قراءة القرآن لأن القرآن يُتلقى فتتعلم قرائته ، ليس كتابا عاديا يستطيع الكل قرائته ومع ذلك فقد يسر الله قرائته وحفظه لمن يريد " ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر "  ، يجلس بعض الصبية محاولين التقليد والتعلم من الكبار والإندماج وسطهم ويشجعهم الشيوخ على ذلك ،  يبتسمون لهم ويضاحكونهم ويشدون على أيديهم ، لا تقلدوا شيوخ السعودية ، كن على فطرتك وسجيتك يا بنى تكون أفضل وتقرأ بشكل صحيح ، تنتهى القراءة فيغادر البعض سعيا لقوت يومه ويبقى البعض منتظرا حتى طلوع الشمس وتتخطى أوان شروقها برمح او رمحين فيصلى ركعات الضحى آملا أن يُحصل أجر حج وعمرة .
يطرق الرجل على الباب فتسرع الزوجة لتفتح ، يسألها هل أيقظت الأولاد للصلاة فتجيب الجو بارد فتركتهم نائمين ، الشمس أوشكت على الشروق لابد من إدراك الصلاة قبل الشروق ، ينادى على الأبناء استيقظوا وأسرعوا كى تدركوا الصلاة قبل الشروق ...
تُعد الأم الإفطار ، تساعدها البنات ، تشعل النار على ما تبقى من طعام العشاء ، تسخن بعض الخبز وبعض البطاطس التى تم قليها بالزيت وقطعة من الجبن الطازج فصلت لتوها من الحصيرة وأضيف إليها القليل من الملح لضبط طعمها وبعض من الخضروات ، كل ذلك وضع على طبلية تتوسط الغرفة ، يتناول الكل الطعام ، تجلس الأم فى جانب من الغرفة تصنع لفافة من الورق ، تضع بها خبز وجبن وخضروات ، تلفها جيدا ، أصبح شكل اللفافة اسطوانيا ، هذا غداء والدكم ، يغادر الوالد قبيل الساعة السابعة ويعود عند الغروب ..
الإبن البكر يصحب الأم إلى الحقل ، يمسك بيده حبل البقرة التى تسير أحيانا أمامه وأحيانا خلفه وأحيانا جانبه ، يألف البقرة وتألفه ، يقرب يده من فمها فتداعبها بلسانها ، يبتسم لها ويربت على جبهتها ، يشقون الطريق الزراعى وسط الحقول حتى يصلون إلى الحقل ، حبات الندى تغطى الزرع ، أذن الصبى صارت حمراء وأنفه زُكمت ، على رأس الحقل مُهدت مساحة صغيرة صنع بها ما يشبه الحظيرة ، شطر من جذع نخلة قيدت حركته بقطع من الأخشاب ثبتت حوله كى لا تدفعه البقرة من مكانه ، أمامه وتد " قطعة خشبية تأخذ شكل اسطوانى تقطع من فروع الأشجار يعقد به حبل البقر عدة عقد حتى لا يكون سهل الفك فتحله البقرة أو تنزعه ، وبقطعة أخرى من الحبل تقيد قدميها الأماميتان ، يترك الحبل بطول مناسب حتى تستطيع البقرة تحريك رأسها بحرية وتناول طعامها والنوم وقتما تشبع ، البقر أخف من الجاموس ، أخف فى كل شئ ، وزنه وهيئته وحركته وقوته ، حتى كثافة لبنه ودسمه أشد خفة من لبن الجاموس ، توضع كمية مناسبة من الطعام أمام جذع النخلة تكفى البقرة لبضع ساعات ، يعود الصبى بصحبة أمه إلى الدار بعد أن أحضرت بعض الخضار من الحقل ، تصنع له ساندوتشا وتخبره أن يحمل قلمه وكراسته ويسرع إلى الكُتاب .
الكٌتاب قريب ، دقائق من المشى ، يخرج من حارتهم الصغيرة ، يتجه ناحية اليسار ثم ناحية اليسار مجددا ثم ناحية اليمين لمسافة قصيرة وعلى الجانب مقر الكُتاب .
مساحة واسعة محاطة بجدران من جهات ثلاث ، لا باب لها ، شُيدت من الطوب الأحمر والطمى ، يفترش الصبية الأرض ، الشيخ يجلس فى المقدمة على فرش من حصير ، بجانبه خرزانة يعاقب بها من يخطئ ومن يُقصر ومن فى حاجة إلى تأديب ، تعليم بلا ضرب كلحم بلا ملح ، يكنس الأطفال الكبار صحن الكُتاب فى بداية اليوم ونهايته وتجمع الأوراق المتناثرة ويقوم الشيخ بإشعال النار فيها فى مكان يبعد قليلا عن الكُتاب ، أمام الكُتاب فراغ كبير ، أقرب بيت على بعد مائتى متر ، يبدأ الشيخ بتصحيح الواجبات ، الأطفال الصغار أولا ، يبدأون بالاستماع إلى الأبجدية ثم ينتقلون إلى مرحلة كتابة الحروف ثم كتابة الحروف بالتشكيل البسيط " فتح وضم وكسر وسكون " ثم التشكيل بالشدة والمد والتنوين ، يلى ذلك كتابة الكلمات المكونة من حروف مقطعة مثل " و ز ن – ذ ر أ – و ر ث ... " ثم الكلمات ذات الحروف المتصلة ، كل ذلك من خلال كتيب صغير لمبادئ القراءة ، عُرف بإسم " و ز ن " ، وعند الانتهاء من دراسة ذلك الكتيب يكون الطفل قادرا على القراءة والكتابة جيدا  فينتقل إلى مرحلة تعلم القرآن ...
يُصحح الشيخ للجميع وحينما ينتهى من الصغار ينتقل إلى حفظة القرآن واحدا واحد ، يبدأ بتصحيح واجباتهم ثم يبدأ  كل منهم بتلاوة اللوح المقرر عليه غيبا يتبعه بتلاوة الماضى مما حفظ قبلا وتختلف أعداد آيات اللوح والماضى المقررين باختلاف عمر الطفل واستيعابه وحفظه ، وبعد أن ينتهى الطفل من التسميع يتلو عليه الشيخ اللوح الجديد ويردد خلفه الطفل ثم يحدد له الشيخ الماضى والواجب للغد وهكذا مع كل طفل إلى أن ينتهى الشيخ من الجميع ...
الظهر اوشك على الأذان ، يختار الشيخ طفلا كبيرا ، يسأله أن ينتبه لزملائه حتى يعود الشيخ من المسجد بعد أداء الصلاة ، يقوم الطفل خلال تلك الفترة بالوقوف أمام السبورة المصنعة من خشب والمطلية بلون أسود ، نسخت عليها حروف الهجاء ، يردد الطفل ويررد الأطفال خلفه ثم ينتقل فيقرأ بالتشكيل ثم التنوين ثم قراءة بعض قصار السور يليها بعضا مما يحفظ من حديث رسول الله صل الله عليه وسلم متبوعة بأسماء الله الحسنى ...
يعود الشيخ فيحدث الأطفال ويربيهم ويعلمهم ، كيفية الوضوء وأركان الإسلام وهيئة الصلاة ومبادئ الحساب ، يعلمهم الأخلاق ويربى فيهم حب العلم والعمل ، تعلم يا فتى فالجهل عار والجهل لا يرضى به إلا الحمار ، النبى كان رحيما أمينا صادقا صديقا يلقبه المشركون بالصادق الأمين ، كان عطوفا على الأطفال يضاحكهم ويلاعبهم ، ثم يعلم الأطفال بعضا من سيرة الصحابه وأخلاقهم ، يقرأ الشيخ بعض قصار السور ويردد خلفه الجميع ويختم بـ سورة العصر يتبعها نهاية الصافات" سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين " ، ينتهى اليوم فيسمح الشيخ للأطفال الصغار بالانصراف أولا يتبعهم الأقدم سنا ولا يظل سوى من يختاره الشيخ لتنظيف صحن الكُتاب ، يوم الخميس يسمح بالانصراف باكرا حيث تعود أمهات الأطفال من السوق وقد اشترت لهم الفواكه التى ينتظرونها أسبوعيا ...


الاثنين، 3 فبراير 2020

الواحة


وكأنى أسير وسط منطقة غريبة عنى ، مزارع ، مجرى مائى ، حقول زراعية ، الطريق منحدر ، أسير على غير هدى ، أسأل أول شخص ألقاه فيخبرنى أن أمامى طريقان ، اسلك الطريق المقابل ولكنك لابد أن تمضى وقتا طويلا حتى تصل للطريق الرئيسى ، وتستطيع أن تختصر المسافة مرورا ببعض الحقول والحظائر التى تواجهك ، اخترت الطريق الثانى وبدأت السير ، كلاب ضاله تجرى متجهة نحوى ، يقشعر بدنى وأرتعد قليلا ، يدركنى صاحبها قبل أن تعتدى على ، يخبرنى أنى لابد أن أستقل معدية أصل إليها بعد قطع مسافة من السير على هذا البر ، المعدية تنقلنى الى البر الغربى ، بالمجرى المائى ما يشبه السدود مصنعة من براميل رصت متجاورة وربطت بحبل يصلها كلها مجتمعة ويحافظ على وجودها كى لا تسحبها المياه أثناء جريانها ، الحبل مجدول من التيل ، الأشجار متناثرة ، كافور وصفصاف ، مجموعات من البامبو ، نخيل على مسافات ، جميزة عتيقة ، قطع أخشاب ، أعواد جافة ، تراكمات وكتل من الطمى ، بعضها مكور يشبه ثدى مكتنز وبعضها مترهل وبعضها صلد كصخر ، ومنها القاسى قلبه رغم لين ملامحه ،  فى البر الغربى الطريق ممهد لكن طوال سيرى لم ألمح سيارة واحدة تمر ، ولازلت أجهل السبب ، لا أعلم ماذا أتى بى إلى هنا ، كنت نائما أو كنت غائبا أو كنت تائها أو أن عينى غفت وفجأة وجدتنى هنا ، لا أعلم متى وأين البداية ، لم أرانى مستلقى تحت ظل شجرة ، وجدتنى وسط زروع ، ألتفت يمنة ويسرة فلا أستطيع معرفة مكانى  ، أواصل السير ، يدعونى شيخ عجوز لتناول لقيمات معه ابتسم له واشكره ، يقسم أن أتناول ولو كوبا من الشاى فألبى دعوته وأبر بقسمه ، يفرش الأرض ببعض أعواد القش ، يسوى ما بينها ، أقترب وأجلس بجانبه ، يقدم إلى الطعام ، خبز وجبن وخضروات ، أشكره مجددا ، تناول قدر استطاعتك حتى يغلى الشاى ، ألتهم الطعام وفجأة أشعر وكأنى ما تناولت طعاما منذ أيام ، لا أعرفك يا بنى ، لم أرك هنا من قبل ، نعم لست من هنا ولا أعرف أين أنا ولا كيف جئت هنا ، حكاية لا أعرف معالمها ، يتأملنى الشيخ العجوز ويحافظ على صمته وبسمة تعلو وجهه ...
أشرد ثانية سابحا فيما حولى ، عشة قوائمها أعمدة صنعت من جذوع الأشجار ، أربعة قوائم تتخلها عيدان الغاب ، جدلت فيما بينها بالخوص ، السقف من ذات المكونات ، أعد فى شكل طبقات كل طبقة تعلو الأخرى ودعمت بحزم من القش ، يقطع شرودى صوت الشيخ يقدم إلى الشاى ، أنتهى من شرب الشاى ، أشكره وأستئذن للرحيل ، يبتسم إلى وتتبدل ملامح وجهه فتسير سماته حائرة ويوصينى " انتبه لطريقك فليس كل ما فى الصحراء سراب وفى الصمت خير وفى الغيب رحمة " .
أبتسم وأقبل رأسه شاكرا ممتنا وأواصل السير ، مواشى بالزرائب وأغنام وماعز ، حمار مستلقى ممدا أقدامه ، بقرة غطى على عينيها وعلقت بساقية مصنعة من صاج قديم تدور على ترس حول قطرها  ومثبتة ، جذعى شجر أحدها وضع على رقبة البقرة والأخرمن خلفها ، موصولة بحبل ، تدور البقرة فينهمر الماء من فتحات الساقية فيجرى إلى قناة صغيرة شقت وسط الحقول ، طفل صغير يمسك بحبل بقرة أخذها ليسقيها الماء من القناة الضيقة والبقرة قد حنت رأسها لتروى عطشها ، الأشجار هنا تبدو قديمة قدم الزمان ، جفت جذوعها وأرهقتها الأيام والسنوات التى مرت عليها ،على الجسر سويت قطعة صغيرة وبنى من حولها سور بارتفاع صغير وتركت فى السورمساحة فارغة أعدت كـباب للدخول ، فرشت بحصيرة قديمة تحيطها أعواد القش ، ووسطها كهل يصلى ، بجانبها طلمبة لاستخراج المياه الجوفيه وأمام الطلمبة بنى حوض جدرانه خضبت بالأسمنت ، بنى على مرحلتين  ، الأولى مرتفعة بحيز ضيق والثانية أكبر وقاعها أشد عمقا أعدت لسقيا البهائم والماشية ، ألمح المعدية على مرمى البصر فأبتسم !

السبت، 1 فبراير 2020

نجمة أغسطس " مقتطفات "


مقتطفات
·       كان التراب تتخلله قطع من الصخور الرمادية والزرقاء المختلفة الأحجام وكان يرتفع إلى مستوى منبسط من الرمال تعمل فوقه عدة آلات متحركة وينتهى بخط من البراميل المتجاورة يبدأ خلفها مستوى مرتفع جديد من الصخور ...
·       مضيت من أمام عشرات المحلات الصغيرة التى تبيع كل شئ سوية من الورق إلى الملاءات والطعمية ، لمحت مبنى جمعية تعاونية بواجهته الخضراء التقليدية المؤلفة من عدة أبواب فولجته ، ودفعت عند المدخل ثمن أربع قطع من الصابون وأخذت إيصالا قدمته إلى أحد الباعة فأحضر كيسا رص فيه الصابون ورأيته يسقط قطعة منه على الأرض فى الفراغ الفاصل بينه وبين طاولة البيع ظننتها زائدة وعندما وصلت الفندق اكتشفت أنى عدت بثلاث قطع فقط ...
·       ارتجت الأرض من حولنا ، وأمسكت بالحاجز فى قوة ، طارت بضع صخور فى الهواء وتصاعد الغبار فى سرعة فحجب المكان كله وعندما طاولت ألسنته السماء شرع يزحف نحونا منتشرا فى كل اتجاه ...
·       الخريطة كانت تمثل قطاعا عرضيا فى السد مقسما بالألوان إلى قطاعات متعددة متباينة الأحجام ، تشير إلى المواد المختلفة التى يتكون منها السد ، كان بعضها يمثل الصخور وبعضها الأخر الصخور الملبسة بالرمال الناعمة والثالث الرمال الخشنة ، وفى الوسط حيث يرتفع السد فى شكل هرمى مثلث رمادى اللون يشير إلى النواة الصماء التى تتكون من الطمى ، كان هذا المثلث يمتد فى شبه عمود أسف مستوى السد إلى قاع النهر وكان يمتد منه خط أفقى إلى الجزء الأمامى من جسم السد المواجهة لمنابع النيل ...
·       ولعنة العصر يمكن أن تصبح أروع نعمة عندما يخلو المبنى الأصفر الكئيب من صداه وتتشوق الآذان إلى نغمة واحدة تصل بنى البشر بماضيهم ، لكن الأزرار فى يد حارس يدرك أنه لو سمح للصوت أن يتسرب لإلتوت جميع الآذان فى اتجاهه وعند الغروب اقتادونا إلى الفناء فى سكون مطبق وأجلسونا القرفصاء على الأرض ليؤكدوا لنا أننا فقدنا حريتنا .
·       فوقنا امتدت السماء شديدة فى الصفاء لا أثر بها للقمر أو النجوم .
·       كانت هناك خارطة للموقع بدا السد فيها كائنا ضخما يواجه الجنوب وقد احتجز الماء بجسده وارتكز بساعديه على حافتى النهر باسطا إياهما إلى أقصاهما وبدت الذراع اليمنى أطول من اليسرى بوضوح وفى موقع القلب استقرت النواة الصماء وامتدت ستارة رأسية صلبة إلى قاع النهر وأخرى أفقية تخللت الساعد الأيمن ..
·       أبطأ الصندل سرعته ومضى يدور فى بطء حول كتلة ضخمة من الصخور برز فى وسط المجرى وبدت لى الصخور فى صورة جماعة من المماليك الذين لجأوا إلى النوبة فرارا من مذابح محمد على وقد تجمعوا لبحث أمر خطير وأحنوا رؤوسهم التى تغطيها عمائم ضخمة .
·       راقبت الشمس وهى تختفى خلف سحابة داكنة صانعة زجزاجا ذهبيا فر طرفها الأول وضوءا مكتوما فى الطرف الأخر ثم تبدت لحظة من خلال فجوة وسط السحابة ثم اختفت من جديد فى ثناياها .
·       أوشكت الشمس على الظهور من طرف السحابة الأسفل وما لبثت أن تجلت قوسا متوهجا كالبدر وأخذت السحابة تتحلل أمام وهجها حتى تلاشت وتبدى قرص الشمس كاملا .