الاثنين، 2 أغسطس 2021

لم نعد صغارا "23"

 

لكأنى بهذا الطريق يمتد أكثر وأكثر ، قطعته من صحراء لا ترى بقعة ماء إلا أذا سقط المطر أو انفجرت إحدى المواسير الممتدة لإيصال المياه إلى تلك المدينة المستجدة حتى رسوت على شاطئ البحر أداعبه بيدى وتلامس نسماته وجهى وكأنه العمر يجرى بين رطب ويابس وفرح وشقاء ونجاح وألم .

سنوات طوال وقرون كثيرة مرت قبل أن يعلم أحد ما لهذا المكان من أهميته فيسرع إلى إحسان استغلاله والاستفادة منه والغرق بخيراته حتى أتى القرن العشرون وحمل معه سر هذا المكان وأوشى به الى الناس .

مدينة تشغل مساحة 40 كم من الشريط الساحلى للشاطئ الغربى للبحر الأحمر ، فمن الشرق تظلها الجبال الممتدة من خليج السويس حتى تندمج فى هضبة الحبشة فى الجنوب ، ومن الغرب يروح عنها البحر الأحمر وشمالا وجنوبا تستدفئ بجيرانها .

مجموعة جزر وثلاثة أحياء هى مكوناتها ، ونسبة لشجرة ضخمة لنبات الغردق كان يجتمع عندها الصيادون القادمون من قبائل شتى وأماكن متفرقة سميت ثم حل مكان الشجرة استراحة للملك فاروق ثم ناديا للقوات المسلحة ثم مزارا سياحيا وهكذا الأيام بين الناس دول .

مجموعة من الأبنية ذات الطابع البدوى يسكنها الصيادون هكذا بدأت ولازالت المنطقة القديمة يطغى عليها ذات الطابع البدوى ، ثم اكتشف البترول فتبدل الحال قليلا إلى أن عرفت السياحة المدينة فأصبح من بها من أهلها ربما أقل من زوراها والعاملين فيها بكثير .

تمتد المدينة فى شريط طولى ينحصر بين هضبتين جيريتين فى سهل ساحلى يتباين اتساعه من منطقة لأخرى ، عشوائية وتلاحم فى المبانى وشوارع ضيقة وشوارع تتسع شيئا فشيئا وطرق متعرجة أما المناطق المستحدثة فشتان بين ذلك وذلك .

انعطف بالسيارة يمينا فى طريق تظله الأشجار من جانبيه بمظهر جمالى رائع وكأنك تسير فى مروج خضراء بديعة ، منسقة ومتناسقة  ، أنعطف يسارا وأدور للخلف متجها نحو وجهتى والطريق الجديد كسابقه تماما إلا أن بعض البنايات شغلت يمينه ...

الأحد، 1 أغسطس 2021

لم نعد صغارا "22"

 

أنعطف إلى اليمين مواصلا السير فى الطريق المؤدى إلى وجهتى وقد ضاق الطريق كثيرا عن بدايته ، فى الأفق تبدو بوابة للمدينة التى أطلبها وكلما اقتربت بدت الكثير من الحواجز وعلى الGPS تبدو المسافة باللون الأحمر دليلا على ازدحامها ، بوابة لتحصيل رسوم ثم كمين ، السير بشكل متعرج حسب الحواجز التى صفت ، يطلب الجندى اثبات الهوية فأعطيه رخصة السيارة ورخصة القيادة والبطاقة الشخصية لى ولصديقى فيطلب مننا الاصطفاف فى الجانب الأيمن بجوار السيارات المتوقفة للتأكد من هوية أصحابها وان كانت عليهم أحكاما أو مطلوبون على ذمة قضايا ، بضع دقائق يعيد إلينا بعدها الجندى أوراقنا ويطلب من الشاب الواقف بجوارنا التوجه معه إلى الضابط ، عرفت بعد ذلك أن الاجراءات الأمنية المكثفة على الطريق بسبب قضاء أحد مشاهير الرياضة اجازته هناك وموعد وصوله اليوم تحديدا .

غادرنا البوابة والكمين ومن بعدهما بدأت الكثير من اللافتات الاعلانية تحف جانبى الطريق ، فنادق ، منتجعات سياحية ، تجمعات سكنية ، مدارس دولية ، لافتات لصور مشاهيرى الفن والرياضة ، القنوات الفضائية و حفلات قريبة وتطل صدور الفنانات كأنها تود القفز من اللافتات ونظراتهن تغرقها الشهوة .

مساحة شاسعة بها عدة مبانى ، التى شغلت مساحة صغيرة منها وباقى المساحة لم تبنى بعد وحوطت كامل الأرض بسور عالى وزينت مقدمتها بلافتة لإحدى الجامعات الخاصة .

فى الناحية المقابلة تجمع كبير من العمائر السكنية ذات الطابع الواحد ، أظنها من العمارات السكنية التى تقيمها المحافظة وتبيعها لأبنائها بأسعار كانت قديما مدعمة .

طريق منحرف ينتهى ببوابات كبيرة وتجمع للبنايات الفاخرة التى ترسو على البحر ويقضى فيها الأثرياء اجازاتهم وبعضهم اتخذها مقر اقامته وادارة أعماله ويسمح بالتجول فيها لغيرهم ولكن ليس لكل الأماكن وتقام فيها الحفلات والمؤتمرات الفنية والدعائية .

بنايات صغيرة وقديمة بعض الشئ وهنت جدرانها وشاخت ألوانها لورش ومحال ومقاهى ومطاعم صغيرة لخدمات الطريق .

السبت، 31 يوليو 2021

لم نعد صغارا "21"

 

خفضت السرعة بعض الشئ وغابت مبانى المدينة التى مررت عليها وكأن البحر سحبها معه ، بعض الأدخنة تعلو من وسط المياه فأسأل صديقى يقول انها من ابار البترول فالمنطقة شهيرة بالشركات العاملة فى هذا المجال وأثار الزيوت ووقود السيارات بدأت تتضح على الطرق المتفرعة والاستراحات التى بدأت تبدو بكثرة ومقرات حرس السواحل .

طواحين الهواء تدور متناسقة فى شكل جميل ، وضعت بعناية فى هذا المكان ، شركات تعمل فى الكبريت ، المحاجر ، الأسمنت ورائحة يود البحر تطغى على كل رائحة .

الوقت يمر بصحبة الطريق وتقلبات تضاريسه المحيطة وتقلبات الجو ، فجأة يغطى التراب الطريق فلا ترى أبعد من زجاج سيارتك وفجأة تسطع الشمس فتج الكون بلا كدر كـــ ماء صافى .

فندق بمساحة كبيرة مكون من عدة طوابق ، يمتد ليبسط أطرافه على مياه البحر مباشرة ، يبدو أنه خاليا فى هذا الوقت فالمكان حوله يخلو من سمة حياة .

مقر للشرطة لتأمين الطريق صفت أمامه العديد من السيارات وأقيمت من حوله الحواجز ، كافيهات ومطاعم لخدمة المسافرين ، وجبات سريعة ، مأكولات ومشروبات يطغى عليها رائحة البحر ، حتى ديكور المكان اتخذ من البيئة المحيطة به ملهما .....

أتابع اللوحات الارشادية على الطريق لمعرفة المسافة المتبقية حتى أصل إلى وجهتى ، أتابع الصحراء وكثبانها الرملية وحشائشها التى تظهر على فترات ، أثار السير واتجاهات الأماكن الممهدة ، البحر وموجاته وأبواق السيارات ...

الجمعة، 30 يوليو 2021

لم نعد صغارا " 20 "

 

منحدرات كثيرة فى الطريق وانعطافات أكثر ، منافذ تحصيل رسوم ، المناخ يتغير مع كل مسافة أقطعها ، شبورة أكاد لا أرى معها مقدمة السيارة ، ثم تطل شمس تفرق كل ذلك ، ثم يهب هواء طريا كنسيم الفجر ، ورياحا تحمل الغبار فكأنه يحمل الصخر معه .

الحنين قوى يتخطى قدرتى على التحمل ، تخور حصونى امام رياحه العاتيه ، تهب فجأة وكأنها خماسين ، فى ليلة باردة كعادة ليالى يناير ، زوابع من الشجون تثور داخلى ....

عصفور ينفض جناحيه رعشة وبردا ، تتساقط زخات المطر ، كرات ثلج بيضاء ، الخدود محمرة ، شاحبة ، الأنفاس حارة ، العيون زائغة ...

تائه بين كل ذلك ، اصارع حالى ، أفر من أقصى إلى أقصى ، مشقة وقسوة ، الوقت فى سجن الوجع ثقيل كقطار بضائع معطل فى ربع خالى ، كدمعة برئ هلك ظلما ، كصرخة وطن !

الطريق خالى والفراغ حولى أخذنى فتجاوزت السرعة المقررة بعض الشئ ، ألمح سائق أتوبيس قادم من الخلف يقلب إلى أنوار مصابيحه  ، يشير إلى أن أهدئ من سرعتى ، هذه المنطقة بها رادار لمراقبة سرعة السيارات ، أستمع لنصيحته وأراقب معالم الطريق ، الرمال بينى وبين البحر ، بالجوار الأصفر يطغى لونه وفى الأفق الأزرق يعلو ويبسط ، وسفن تشق أمواجه ، البحر هادئ فى هذا الصباح مناسب للملاحة والصيد .

بعد دقائق قليلة أجد كمينا قد أعد للسيارات التى تجاوزت السرعات المقررة ، يوقف بعض السيارات على جانب الطريق وينظر إلى ارقام سياراتى ثم يسمح لى أن أمر .

أراجع بنزين السيارة لعلمى أن المسافة تحتاج إلى اعادة تموين السيارة بوقودها حتى أتمكن من الوصول ، لا أجد محطة قريبة فأسير منتبها للطريق ومخفضا للسرعة شيئا ما حتى وجدت محطة بعد بضعة كيلومترات فتوجهت نحوها ، زودت السيارة بالوقود وغسلت وجهى ، توقفت لدقائق تناولت بعضا من المياه وشربت علبة عصير ثم واصلت السير .

الأربعاء، 10 مارس 2021

طبيب أرياف ---- د محمد المنسى قنديل .....صدرت عن دار الشروق

 

هى رواية عن الضعف ، الذل ، المرض ، الفقر ، الحب ، الرغبة ، المدينة ، القرية ، الصحراء ، عن العلم والجهل والجبروت ، عن المرأة وعنك ....

المقتطفات

- لا يستسلمون ولكنهم يعانون فى صمت لأنه لا توجد وسيلة غير المعاناة ..

- أمراض تمتد من شقوق الأرض إلى عروق دمائهم .-

- أدرك أن جذور المرض مقيمة فى مصر بينما الصحة عرض زائل ، مثلما تم خلق الظلام وجعله مقيما فى مصر ، راقدا فى ثنايا تربتها ووضع النور فى أماكن أخرى .

- يرددون دعوات متصلة بأن أعلو أكثر من العلو الذى أنا فيه ، كيف يمكن أن أعلو وكل هذا الانكسار بداخلى ، وهذا العالم يخلو من كل ما أصبو إليه ؟ ..

- نعبر قرى منسية وبيوتا واطئة وفلاحين لا يكفون عن العمل من سنين سحيقة ومع ذلك لا يستطيعون إبعاد الجوع عن بيوتهم ...

- مدينة واسعة مليئة بكل أنواع الأماكن وكل تواريخ الزمن ، لقد عشت فيها كلها فى أسوأ أماكنها وأغرب أزمانها ...

- تبدو بيوت القرية متلاصقة بشدة ، الجدران متساندة على بعضها البعض ، لو تفرقت لسقطت جميعا ، مغطاة بالقش ، يكفى عودا واحدا ليشتعل كل شئ .

- تلك الرهبة الطبيعية التى يُحس بها المصريون تجاه أى نوع من الحكام ، نوع من الخنوع يكمن داخل الجينات " كروموسوم " متوارث من الضرورى استئصاله .

- تقف فجأة على اطراف أصابعها وتمس بشفتيها خدى ، مسة خفيفة كرفة فرشاة ، كومضة ضوء ، كذوبان سحب ، أضع يدى على خدى مبهورا وعندما أفتح عينى أجدها قد اختفت من أمامى ....

- وصل جسده إلى درجة من المرض لا يمكن أن توجد إلا فى مصر .....

- تتمايل ذؤابات النخيل فى نعومة وتنفض الطيور البيضاء الندى من على أجنحتها ويردد الصدى أصواتا متباعدة ، ربما خوار بقرة أو نباحا خافتا لكلب ...

- أراقب الطيور وهى تدور حول رءوس النخيل ، طيورا مهاجرة جاءت من بعيد تستطيع العودة فى أى وقت تشاء ، لا تعوقها الموانع الأرضية التى تحول المكان حولنا إلى سجن والعواطف إلى توق ورغبات مكبوتة .

- ألق بذرتك فى أى مكان واصنع جذورا .

- كل امرأة هى أرض شَرقَى مهما مارست معها الحب فلا تُحس بالرى ...

- إن لم تفز فى معركة الفراش فكل معاركك خاسرة ..

- الصناديق لا تختار الرئيس ، الله وحده هو الذى يختاره ، ياتى به من المجهول ليحكم ويعلو قبل أن يختاره إلى جواره ، كل شئ عدا ذلك هو مجرد مسرحية .

- يبدو النهر ممتدا وساجيا بلا نهاية ، عاجزا عن الغضب ولكنه ينطوى على حزن قديم ...

- الصحراء لا ترحم ولا العربان يرحمون ....

- صوته كان مرتعشا ، لابد ان قسوة الموت قد أذابت جزءا من صلابته ...

- تُخيم على الصحراء كلها رهبة الموت حتى الريح تبدو كأنها توقفت عن أن تهب ...

- يهربون من قسوتكم ، الحياة قاسية بشكل عام ولكنكم تزيدون من قسوتها ...

- أنتم لا تمسكون إلا بخناق الضعفاء الذين يعيشون على الفتات وتريدون أن تشاركوهم هذا الفتات .

- ينزاح الضباب أكثر وتبدو الشمس وكأنها تبحث عن مخرج للشروق وتظهر هامات النخيل عالية ....



الجمعة، 22 يناير 2021

لم نعد صغارا " 19 "

 

أسرع إلى مسكنى ، أتدثر فى فراشى ، فرائسى ترتعد وقشعريرة تسرى فى أطرافى ، أغيب فى نوم عميق ، أجرى فى السهل الممتد ، أفر من وحش يطاردنى ، أهرب من ظلام ذراعه تناطح السحب ، طريق طويل لا ينتهى وخوف ينشر جنوده .

أغادر الفراش متكاسلا ، أتوضئ وأصلى ، أغسل الإناء وأضع المياه فى السخان ، أُعِد مشروب الصباح ، أفتح باب البلكونة ، أبُعد الستائر ، تطل الشمس ، تتأرجح الستائر يداعبها الهواء ، تلاطف الشمس وجهى ويلامس الصقيع قدمى ، أزيل التراب الذى اعتلى الكرسى والمنضدة بقطعة قماش بالية ، أخرج حاسوبى من حقيبته ، وأوصله بالكهرباء ، اصف قلمى واراقى أمامى ، أحضر أجندتى من مكتبتى ، أطالع الفقرة التى انتهيت إليها فى الكتابة .

تشغلنى اخبار العمل ومستجداته فأغيب معها قليلا ثم يأخذنى الحنين مجددا إلى الكتابة فأحول بصرى عن مواقع التواصل وأمنح قلمى وقته ليمارس شغفه .

يغرق كل شئ فجأة ، الطموح ، الأمل ، الأمنيات ، كل شئ يسقط منك رغما عنك ، حاولت وجاهدت ولكن لحظات الضعف فاقت قوتك وإرادتك ، يا أبى  يعبثون بكل شئ ، أحلام البسطاء وابتسامة الطيبين ، الجشع سيد الموقف والضباع حاصرت الغابة ....

يا أبى علمتنى أن أكون طيبا ، أزرع الأرض ، أنشر الخير ، أعطى السائل ، أعلم كل ساع وأعين المحتاج وما علمتنى كيف ألقى هؤلاء ؟ .... صنائع المعروف تفعل يا ولدى ... صنائع المعروف تكفى ..... الخير حصنك والعلم سبيلك والتقوى زادك يا ولدى .

أهجر كل ذلك وأبحث عن راحة أخرى ، أقطع مسافة طويلة ، مئات الكيلومترات ، بين الجبال والرمال ، بحر يقترب حينا وتخفيه الجبال أحيانا ، خمسمائة متر فوق سطح البحر ، الهواء يلفحنى ، الجبال ترتدى ثيابا بألوان زاهية وألوان واهية وألوان بالية وألوان فرحة وألوان باكية .

الطريق يطول ، الطريق يطوى ، الصحراء تتسع ، الصحراء تضيق ، القلب يخاف ، القلب يرقص ، النفس تطرب ، النفس ترتعد ، الأزرق مريح ، الأزرق مخيف ، الأزرق خائف .

الطريق غريب ، يتلوى كأفعى ، يرتفع حتى تظنه لامس السماء ، ويهبط حتى تراه غارقا فى زرقة البحر ، ومع منتهى كل نظر تعانق الرمال السحب كعاشقين اجتمعا على الحب فذابا فيه ...

" اللهم يا ذا الطول ، بك أحاول وبك أطاول ، أن أخرج من هذا التيه ، من هذا اليأس ، أن أجد باب الخروج ، سبيل الرشاد " – الدعاء مقتبس من كتاب القرأن نسخة شخصية .



الأحد، 18 أكتوبر 2020

طرفة عين

 

ثم تجد نفسك تصارع هذا الموج وحدك ، الشاطئ بعيد ، المياه تثور ، السماء كأنها غضبى ، السحب تكدست ، الرياح تجرى كأنها تفر من الزحف ، فى لحظة كل شئ يتبدل ، طرفة عين هى المسافة الفاصلة بين كل ذلك ، كــ حالى ، أتقلب فى لمح بصر من أقصى الوجع إلى أعلى الرضا والفرح ،" عجيب ، غريب" ، هكذا يقولون فى وصفهم ، كيف يمكنك التحول فى ذات الوقت بين نقيضين ؟ ، كيف تكون تضحك بملئ فيهك ثم تصمت فجأة وكأن أصابك سهم ؟ ، أنا أيضا لا أعلم لكنى على ما أنا عليه لم أتغير ولم أتبدل ولكن ربما هو شعور ينتابك فجأة ، لا تسبقه مقدمات ولا تملك له تبريرات ، عيونك توشك أن تبكى ووجهك يكسوه الحزن وملامح الألم تملكت تقاسيم وجهك ، تفضل الوحدة وترفض كل من يقترب منك وتبعده عنك خشية أن تفقده ، تفقد اللذة والشغف ، تشعر بالملل ويصيبك ضيق مفاجئ ، كدر يعلن فرض سيطرته ووجه عبوس يأبى أن يبتسم  .

ربما ما تعايشه أو ما عايشته يوما وما مررت به ، ربما لم تنعم بسلام كهذا قبلا فأصبح ذلك الهدوء غريبا عنك ، هى الأيام تصنع كل ذلك أنت مستسلم تماما لتوجهاتها ، تحاول أن تُمسك بالدفة فتفاجئك ، فتكابر وتحاول ان تقوى عليها فتثقل عليك أكثر ، هى أيضا لا تقبل بالهزيمة والتاريخ فى صفها فهي قديمة بقدمه وانت نقطة تكاد لا تُرى ....

ربما الاعتياد على حال معين يهيئك أن ترفض غيره ، فإنك إن قيدت عصفورا فى قفص لمدة طويلة حتى فقد أمله فى الحرية مجددا ثم فجأة نزعت الأصفاد وفتحت له الأبواب ، هل تظنه يغادر مكانه قيد أنملة ؟ فى اعتقادى لا ، لن يغادر مكانه وسيكتفى بالنظر إلى عينيك ويبتسم ، إنها جريمتك يا عزيزى فأنت فى سبيل إحيائه بداعى المحافظة عليه قتلته ، قتلت فيه الرغبة للمرح ، للتحليق ، للطيران ، للحرية ، وأصبح يدرك أنه فى قفصه آمن وخارج ذلك القفص الموت ينتظر اقتناصه ...

لست هشا كورقة شجر ولا صلبا كصخرة وإنما إنسان ، قد يكون فى طرفة عين هشا جدا كخيط عنكبوت وقد يكون فى طرفة عين قويا كجبال راسيات ، الموقف هو ما يصنع رد فعلك ونفسك وما صنعته معها وبها ...

تحاول تعلم عيش الوقت ، ان تحافظ على ذاتك فلا تهلكها بأن تحملها ما لا طاقة لها به ولا بأن تنصاع لها بالكلية فتصبح كأنها عهن منفوش تظنها عظيمة وهى لا تعدل جناح بعوضة ، طرفة عين تنقلك من حال إلى حال وما سمى القلب قلبا إلا لكثرة تقلبه وتنقله بين الأحوال بلمح بصر .

السبت، 10 أكتوبر 2020

فى قلبى أنثى عبرية – د خولة حمدى

 

ترددت قبل أن اكتب عن الرواية التى انتهيت من قرائتها مؤخرا مثلما أفعل مع بعض مما اقرأ فى الفترة الأخيرة ولكنى تذكرت الزفاف الذى قرأته عنه منذ بضعة أيام للأسير الفلسطينى المحرر "عبدالكريم مخضر" والذى كان قد أعلن خطبته على الفلسطينية "جنان سمارة" ثم أعتقل هو وبقيت هى  على العهد لثمانية عشر عاما حتى من الله عليه بالحرية مؤخرا وأتما عقد زفافهما فدفعنى هذا الوفاء إلى أن أكتب عن تلك الرواية التى قدمت لها كاتبتها د خولة حمدى قائلة أنها مأخوذة عن أحداث حقيقية .

لغة الرواية سلسة وأحداثها جذابة تطرق المشاعر وتأسر القلوب عامة ذات أثر طيب مقربة ومحببة للقلوب ، أحداث المقاومة ، عادات وثقافات أصحاب الديانات المختلفة ، التربية ، الثقافة ، الصراع والسعى للوصول إلى المعرفة الحقة ، صغيرة تحرص على دينها رغم أن عائلها يهودى ويهودية تقدم العون لمصاب كان يقاوم أهل ملتها ، الصراعات مختلفة ونظرة مغايرة لأحوال العرب اليهود مما يعادون الفكر الصهيونى ورؤية الإسلام بعيونهم ، القرب من أفكار واساليب التربية ، التعايش مع الأخر وصراع الدعوة ، المشاق عند تغيير العقيدة ، أحداث الحياة وصراعاتها فلا فرح يستوى على الدوام ولا حزن يبقى أبد الدهر .

ريما ، ندى ، أحمد ، حسان ، سماح ، سارا ، سونيا ، جاكوب ، تانيا ، أنابيلا ، دانا ، ميشال ، جورج ، سالم ... أب لم يحسن إلى أبنائه ، وزوج يختار الأبوة طريقا ، لبنان ، تونس ، فرنسا ، صيدا ، قانا وجرية ....

أحبة يرحلون فنُصدم ، صغيرة حلمت بالشهادة فنالتها ، صديق يحمل أخاه فى قلبه ، حب أقسم أن يبقى مهما امتد الزمن " سبع سنوات " ، واشتدت العوائق " غياب وبعد ودين ووطن ... " ، وفى القرآن شفاء وسكينة نفس وراحة قلب ...

استمتعت بالقراءة وتركت فى نفسى أثر ......


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

الحياة ليست عادلة يا صديقى

 

أعتقد ذلك جدا ، نسعى فقط إلى أن نتجاوز ما قد يصيبنا فيها ، خلقنا من أجل رسالة معينة ، ومهمتنا تستلزم إنجازها وغياب العدالة حينا وضعفها أحيانا من الأشياء التى تجعل للرسالة معنى وهدف .

ألا تحب أن تتخطى هذا المنعطف ؟

إذن دع عنك هذه الأفكار وارتدى ثوبا مغايرا وفتش فى حافظات أسرارك ، ابحث فى خبايا نفسك ، ستجد القوة التى تبحث عنها ، يا صديقى النور موجود يتولد ذاتيا ، تسعى فقط أن تزيل الغبار الذى اعتلى تلك البلورة التى تزين المصباح من الخارج فجعلها تبدو وكأنها مشكاة لا نبع لها .

كل الذى تخطيناه كان صعبا وشاقا جدا ، كنا نظن أننا لن نقدر على تجاوزه ولكن الإيمان هو السر يا صديقى فبالإيمان كل شئ يكون ، أن تعلم أنك ما كُلفت إلا  بشئ تستطيعه حتى لو ظننت أنك لا تستطيع ، هى فقط المحاولة ، بعض الصخور يوحى مظهرها بقوة تعييك حتى عن مجرد التفكير فى الاقتراب منها وما إن تصيبها طرقة واحدة من معولك إلا وجدتها مفتتة  أمامك .

أن تنتصر على الخوف الذى يسكنك ثم تبدأ المحاولة ، اقتل خوفك ، حاول ، وحينئذ تجد الأهداف تحققت تباعا ، أما علمت أن الله أمر " مريم البتول " أن تهز براحة يدها جذع النخلة فيتساقط عليها الرطب طيبا ومن أين لأمرأة تضع وليدها وحيدة بعيدة من قوة لفعل ذلك  ، ولا تنسى أن تعطى مساحة أكبر للاختلاف فى النتائج ، فليست كل الأشياء تسير كما هو مخطط تحديدا فاحرص على أن تكون هناك العديد من الخطط " الخيارات " البديلة فذاك من الحكمة بمكان وتقبل نسب ودرجات التحقق يزيد الأمر يسرا ويمنح النفس الرضا .

انزع رداء القلق و توضأ بالمعرفة وولى قلبك شطر العلم وتطهر من كل ما يعيق عقلك وأرفع يديك وألقى خلف ظهرك كل ما يخيفك وقلب وجهك فى السماء وأمسك على حلمك بمجامع قلبك وأستقم فى طريقك وسر مقتصدا واغضض طرفك عن كل المفاتن وتيقن أن السعى بلوغ وأن البلوغ إرادة .

الخميس، 1 أكتوبر 2020

لم نعد صغارا " 18 "

 

الناس زائفون يا ولدى ، لا تغرك أقوالهم ولا تُخدع بأفعالهم ، إن هى إلا أقنعة يتوارون خلفها ، يخفون القبح ، البذاءة ، نظرات الخداع ، الدموع جنود مسيسة وربما يخفون عكس ذلك يا ولدى ، حتى يمكنهم العيش فى وسط هذا المجتمع المغرق بالخداع ، يدعون بالقيم والفضيلة ومن حولهم يموتون جوعا لا يجدون ما يكفى لسد جوع أطفالهم .

سر معى قليلا ....

انظر ذاك الجالس هناك ، لا تفارق المسبحة يده ، كلمات الشكر وكأنها حُفرت على طرف لسانه رغم ما قاساه من وجع ، زوجته توفيت ، ابنه اختفى فجأة ولم يعثر عليه ، واخوته اغتصبوا إرثه ولا يخفى عليك كم يكفى لمعاش شيخ فى مثل عمره ....

وهذه الفتاة تخرج متأنقة يقولون أنها تعمل فى شركة كبيرة ، السيارة كل يوم تأتى إلى هنا كى تأخذها وتعيدها فى أخر اليوم ، أما أنا فأعرفها جيدا ، تعمل فى البيوت كى تنفقها على إخوتها لغياب والديها ، هى تخفى ذلك حتى لا يعاير أحد إخوتها بسبب عملها ، تعرف جيدا الناس لا يتركون أحدا وشأنه وسيرة الغير هى فاكهة المجالس .....

ذاك الشاب الذى لا يقوى على الحركة ، قريبا كان قويا مفتول العضلات ، يمشى بين الناس يختال بقوته وهيئته وبنيته ، العيون لا ترحم يا ولدى ، انظر إلى ما آل إليه حاله ، أصبح ضعيفا واهنا أصابه خبيث المرض ، العين تقتل يا ولدى وتدخل الجمل فى سم الخياط ....

البيت البديع الذى عن يمينك ، يقولون أن صاحبه عثر على قارورة بها قطع ذهبية قديمة عندما كان يهدم البيت القديم وقالوا أنه تاجر فى الأثار وقالوا أنه تاجر فى المخدرات ، قالوا وقالوا يا ولدى ..... والحق يا ولدى غير كل ذلك ، قص على ذات مساء أنه صنع خيرا لأحدهم فجزاه الله فوق الإحسان إحسانا فأنعم عليه بما لا يحصى له شكرا .....

الدنيا يا ولدى خداعة ، ما تراه بعينك ليس دايما هو الحق وما يتكلم به الكثير غالبا لا يكون صائبا فالشائعات هنا تربتها خصبة فما أن تلقى ببذرتها حتى تنتشر كالنار فى الهشيم فى ساعة قيلولة .....