الثلاثاء، 13 يونيو 2023

عش اليمام

 ينهكها البحث فتجلس على حافة النافذة وترتاح ، يغلبها النعاس فتنام ، تشعر بسكينة وهدوء وطمأنينة ، تقرر أن تكون تلك النافذة مقرا لعشها ، تضع فيه بيضها ، تتوارى فيه عن الأعين رغم أن الجيران أصواتهم مزعجة ودوى أوانيهم لا يكف وطنين صغارهم لا يهدأ .

النافذة دوما مغلقة ، يعلوها مكيف هواء للساكن بالطابق العلوى ، ينسال منه الماء قطرات متتالية ، تسرع حينا وتهدأ حينا ، حاولت قدر الاستطاعة الابتعاد بالعش عن ممر المياه المنسالة ، توالى البيض حتى خرجت منه صغارها ، تغدو وتروح تأتيهم بالطعام ، تحرسهم من كل أذى قد يلحق بهم .


عيون تتلصص من خلف النافذة ، تجد عشان بيه بيضتان ، تغلق النافذة برفق حتى لا يسقط العش ، توالى العيون العش بالمتابعة وابتهجت تلك العيون الصغيرة عند رؤيتها الصغار وقد كسرت ذلك الحاجز الابيض وظهرت للنور ، كأنه خرجت لتوها من مياه كادت أن تغرقها .

تحرص الأم على إطعام الصغار والعيون الصغيرة تحرص على المتابعة ، يتبدل الريش ويوما بعد يوم يكبر الصغار ، تحل رياح شديدة ومعها زخات من المطر ، تبتعد الأم ويطغى الخوف على أفئدة الصغار ، تشتد الرياح تحمل معها الكثير من الأتربة ، تخلع معها أشياء كثيرة والصغار يحاولون الاحتماء بالعش ، الأمطار تداهم ، العيون التى كانت تراقب بصمت آن وقت تحركها ، تفتح النافذة ويحمل الصغار الى الداخل ، الجوع كان أقوى من الخوف .

رعاية صغار اليمام انتقلت تلقائيا من أمهم إلى أم الأطفال وعشهم استبدل ببيت جديد ومأوى لم يعتادوه بعد ، الصغار يرعون صغار اليمام والمسئولية أصبحت معلقة فى عنق الجميع ، الأكل والشرب والتدفئة والاضاءة ، يصحب الطفل الصغير أمه وهى تطعم صغار اليمام ويلهو مع اليمام وتمتلأ عينه بالبهجة ، الفرح باد على ملامحه ثم يحين الموعد ..

الطفل يمسك بألوانه الخشبيه وأوراقه البيضاء ، اللوحة الأولى يمامة كبيرة وبجانبها بيضتان ، ولوحةأخرى البيض مكسور وبجانبه يمامتين صغيرتين ، والثالثة سيدة تطعم اليمام وبجانبها صغيرها يلهو ، وفى اللوحة الأخيرة قطعتى لحم .... ثم بكى !

السبت، 20 أغسطس 2022

وأشرقت الشمس من جديد

 

أدور عائدا إلى الخلف ، قلق يراود قلبى وكأن شيئا سيحدث ، لم تنتهى الكلمة من خاطرى حتى شاهدت إطار سيارة غادرها يجرى مسرعا نحوى ، تنحيث جانبا متحاشيا اصطدامه بى ، وجدت السيارة تعقبه مترنحة يمينا وشمالا يحاول قائدها التحكم لكن السرعة التى كان يسير بها منعته من القدرة على التحكم الجيد ، سيارة أخرى مسرعة لم ينتبه قائدها للسيارة منزوعة الاطار فحاول تفاديها يمينا عندما فوجئ بها لكن المقطورة التى كانت تخلفه اصطدمت به وانقلب الجميع فعلت النيران .

الصدمة جعلتنى أصاب بالهلع ، لم تتحملنى قدماى ، جلست على حافة الطريق محاولا إلتقاط أنفاسى ، يفزعنى فوج من الناس يجرون قادمين ، ما ويح هذا اليوم ؟ ، أفاجئ بينهم صغيراى وابن عمهم فى زمرة الفارين ، أجذب بأيدى أولادى وابن عمهم وإلتقطهم من وسط الفارين ، أتنحى بهم إلى طريق جانبى ، يجرى صغيرى فأدفع بالأخرين نحو صاحب لى لم أعرف كيف جاء بجوارى فى هذا الوقت وأجرى نحو الذى فر أمسك بيده وأعود به وأصحب الجميع شاقا غابة من الأشجار السوامق ، دقات القلب كأنها مطارق ..... أستيقظ على صوت الهاتف .

لا أعلم سبب ما رأيت فى نومى ، ألهذا علاقة بإصابة أحد الصبيه فى عينه أثناء لعبه مؤخرا ، أم لهذا علاقة بما انشغلت بقرائته مؤخرا " وأشرقت الشمس من جديد " الكتاب الذى يروى حياة السجين الأمريكى الأشهر والذى قضى ما يزيد عن الثلاثين عاما فى طابور الاعدام فى جرائم لم يرتكبها " انتونى راى هينتون " ، وظل يقاتل ويقاتل ولم يفقد الأمل وحافظ على صموده منذ ألقى فى السجن عام 1985 وحتى تم تبرئته عام 2015 فى رحلة قضى فيها فى طابور الاعدام بالسجن أكثر من الوقت الذى قضاه خارجا ، ماتت أمه فى انتظار عودته إلى البيت ، وأعدم من زملائه أربعا وخمسينا سجينا ، الله وحده يعلم كم منهم كان بريئا ، ذنبه الوحيد أنه كان أسودا فقيرا لا يملك سلطة ولا مال فى مجتمع أبيض عنصرى يعامل الناس على حسب ألوانهم وقدر أموالهم وحجم نفوذهم ، آمنت به أمه حتى عاجلتها الوفاة وبقى بجانبه صديق طفولته " ليستر " حتى نال براءته وقاتل معه ولما يزيد عن خمسة عشر عاما محاميه " برايان ستيفنسون " بعد أن ضاعت قبلها مثلها من الأعوام مع أناس خطأ .

من فتى يملك أحلاما بسيطة ، أمه هى كل حياته وغاية حلمه أن يقتنى سيارة يطوف بها البلاد برفقة من يحب ، ليس انسانا بلا أخطاء ولكنه انسان كغيره أخطأ وحوسب ولكنه فى هذه المرة يعاقب عن جرائم لم يرتكبها وأفعال لم يأتها ولم يعرف أصحابها سوى مما كتب عن تلك الجرائم فى الجرائد لكنك فى حياتك تصطدم بأناس كل همهم اثبات أنك مخطئ وأنك لابد أن تعاقب وأنه بسبب لونك لو لم تكن أنت فاعلها فأحدهم له نفس لون جلدك وسمات فقرك عملها فأنت وهو سيان ولا فرق أن تنال العقاب بدلا من أخيك ، البعض يخشى الاعتذار ويقضى عمره يتهرب من أخطائه ولا يعترف أبدا من أجلها بل ويقاتل ليثبت أنه كان على صواب ويدفع كل ما يمتلك من أجل ذلك حتى لو كان نتيجة ذلك اعدام أحدهم أو على الاقل سرقة سنوات شبابه .

ثلاثون عاما قضاها فى طابور الاعدام فى انتظار دوره ،  متى سيجر بعد منتصف الليل ويجلس على الكرسى الكهربائى ويغطى رأسه بكيس بلاستيكى أسود ويطلقون كهرباء بقدرة 2000 فولت فى جسده حتى يشم السجناء الأخرون رائحة شواء لحمه .

أينما وقع نظرك فى أى مكان على خارطة العالم لوجدت كما مهولا من المظلومين ومن المفترى عليهم والمسجونين قهرا والذين يتجرعون المعاناة ليل نهار ، لذة البعض فى مشاهدة معاناة الأخرين ودموعهم ودمائهم ، ينتشون عندما يرون هؤلاء يصرخون وجعا ، العالم ليس مكانا آمنا للحياة ، لم يجعله الناس أرضا صالحة للحياة ولكن لتجرع شهواتهم وملذاتهم ... رغم انهم ما خُلقوا لذلك ولكن غلبتهم أنفسهم فظنوا أن بإمكانهم التحكم فى مصائر الجميع وعليهم الانصياع لأمرهم أو ... ليس هناك خيار أن تقول نعم أو تموت .

ربما من شدة اندماجى فى القراءة وكأنى أعيشها مع صاحبها أجاوره فى غرفته وأتناول معه الافطار فى الثالثة فجرا والغداء فى العاشرة صباحا والعشاء فى الثانية ظهرا ونضع سويا ملابسنا تحت وسادتنا وننزع ألبستنا ونقف عرايا مفرقين بين أقدامنا للجان التفتيش ونبكى الليل ونشتم شواء لحوم زملائنا ، ربما سبب ذلك خوفى على صغارى من حياة لا ترحم ومصير غير معلوم وأم ما أسهل أن تنبذ أبناءها فى سبيل الحصول على جنيه واحد ! .



السبت، 2 يوليو 2022

بالحبر الأزرق

 

بالحبر الأزرق – م هشام الخشن

صدرت عن الدار المصرية اللبنانية

يأخذنا فى رحلة إلى العصور الخديوية وينزل بنا فى قصر الأمير مصطفى بهجت فاضل ونصحب ابنته الكبرى الأميرة نازلى ، تقودنا فى هذه الرحلة الممتعة " ليديا ستون " المربية البريطانية التى سردت لنا التفاصيل فبها ابتدأت الحكاية ومعها استمرت وبرحيلها انتهت .

تنقلب الدنيا فى لحظة وبعد رغد من العيش تصير بين ليلة وضحاها لا تملك ما يعيلها فتبحث عن أى عمل تقتات منه ، تلتحق بالعمل بضيعة أحد الأثرياء وهناك تفتن بابنهم ، تسحبها اللذة حتى تحمل منه فى أحشائها وعندما تصل إلى هذه المرحلة تبدو كل الأمور على حقيقتها ، تفر هاربة وكل خلفت وراءها قطعة منها ...

تنقلها الحياة بعيدا فتجد نفسها فى وسط لم تتخيله ومنوط بها دورا لم تحلم به حتى الوطن صار له معنى أخر ومكانا أخر ...

عبر سلسلة من الرسائل التى ترسلها " ليديا ستون " الى " هنرى " لن تعرف كنته إلا بعد انتصاف الأحداث ولن تعرف مصيره إلا عند اقتراب نهايتها ، رسائل لم يقدر لمن ارسلت إليه أن يقرأها ولكنها سلمت لأخر تتبعها وفك خفاياها فى اطار عمله المكلف للقيام به .

سفر عبر المدن ، الزمن ، الأحداث والأشخاص ، ينقل لنا شيئا من خفايا القصر وكيف يتجسس أولئك الذين بالخارج عن كل شئ بالداخل وكيف يختارون الذين يجندونهم للقيام بتلك المهام ، ستصطدم بشئ من التاريخ العثمانى وشئ عن معركة أم درمان بالسودان ، ستلتقى عرابى ، سعد زغلول ، محمد فريد ومحمد عبده ، ستتجول فى لندن وباريس والقسطنطينية ومصر ...

ستعرف كثيرا من الخبايا وستنهار أمامك جدران مما خفى عنك ، سيحيرك فعل الهوى بمدمنيه وستعلم الفرق بين أن تعشق ابن لورد وأن تعشق عبدا سودانيا ....

صفحات سطرت ببراعة ولغة سهلة شيقة وأسلوب أسر وحبكة أجيد ربط خيوطها .....



صنايعية مصر " الكتاب الثانى "

 

تمنيت عندما انتهيت من قراءة كتاب صنايعية مصر فى جزئه الأول أن يصدر عنه جزء ثانى والآن أتمنى أن يواصل الرائع عمر طاهر هذا العمل الموسوعى بأسلوبه السلس واختياراته الموفقة وإننى أدعى أنه لو لم يكتب غير ذلك العمل لكفاه أن يُخلد به اسمه مثلما فعل هو بكل من سجل شيئا من سيرهم فى هذا الكتاب بجزئيه وما قد تتوالى من أجزاء أخرى ، تعب وجد واجتهد وتحمل مشقة كبيرة فى سبيل إخراج هذا العمل فى هذا الثوب الرائع ، تكاد الصفحات تقطر عرقا وتشى إليك حروفها بما تحمله كاتبها من مشقة فما بالك بسيرة أولئك الذين تحكيهم ورغم قلة المصادر والمعلومات التى تثنى له الوصول إليها إلا أنه تمكن بتوفيق من الله أولا ثم جده واجتهاده وإخلاصه لعمله وإيمانه بمشروعه ومعرفته بقيمة هذا العمل أن يخرجه فى هذا الثوب المبهج .

كتاب زاخر بالمعلومات ، ثرى بالحقائق ، ينقل لنا بسرد ماتع وأسلوب سهل شيق موضوعات منتقاة بعناية وزعت فى الكتاب الثانى بين ثلاثة عشر فصلا تساقطت من عينى العبرات فى ختامها وحصار " 101 يوم " لمدينة السويس وكفاح وفدائية أبطالها نساء ورجالا وأطفالا ...

كل حلم ممكن مادام لديك الإيمان بقدرتك على تحقيقه ، سير الذين خلدهم الكتاب خير دليل على ذلك فربما بعضهم تعرض لظلم من أولئك الذين كادوا لهم سوءا بدافع الغيرة أو الحقد أو الكبر وكل أمراض النفوس البشرية ولكن قطعا لن يُذهب الله أعمالهم وسعيهم سدىً ..

تبدأ الحكاية مع قصة رجل أهملته كتب التاريخ "صنايعى التكييف ومبردات كولدير" ، ومرورا بأول من أدخل الأفلام الهندية الى مصر ثم التأميم وما ترتب عليه وكل فصل أتبعه بصور خاصة للأشخاص أو الأحداث التى وردت به أو بعضا مما كتب أو نشر عنها .

لا أريد أن أفسد عليك قرائتك لكن ما يدور بذهنك ستجده وما لم يرد بخلدك أيضا ستجده ، أول من أدخل الكوتشى ومنتجات شركة البلاستيك الأهلية ، ورنيش الكرة وصنايعية الجوارب والفانلات ، الشيبسى والوجبات الشعبية وحتى المناديل الورقية ، السيارات والأدوية ، المقاولات والانشاءات ، الاذاعة ونجاحاتها ، القرأن الكريم ، المسلسلات والبرامج الدينية ، محو الأمية ، البرامج الصحية وحتى الطهى لم يغب عن الكتاب .

بعض من سير أولئك الذين ساهموا فى صناعة هذا الوطن وتسطير صفحاته حتى خرجت علينا داليدا " حلوة يا بلدى "

فى انتظار الجزء الثالث فقطعا هناك الكثير لم يكتب بعد ! .



الأربعاء، 29 يونيو 2022

موسيقى الصبح

 

الساعة تقترب من الخامسة صباحا ، الشمس تصعد إلى السماء رويدا رويدا ، تنثر حولها الضى ، تخضب لون السماء ، النسمات تروح وتجيئ تداعب الوجوه وأغصان الأشجار وأوراق الزروع ، الطيور تنفض أجنحتها تلقى من على كاهلها أثار الليل .

السائقون يرفعون أغطية السيارات التى غلبها النوم ، البيوت هادئة لم يطغى عليها صوت الأطفال بعد ، بعض النسوة يكنسن أمام الدور ، رجال ونساء وصبية أمام فرن العيش الجميع يزاحم كى يحصل على الحصة المقررة لأسرته بعد أن أصبح العيش يصرف بعدد أفراد الأسرة المدرجين على البطاقات التموينية ، يصفون أرغفة الخبز على أى مكان خالى أمامهم ، يتركونه ليبرد وتخمد حرارته حتى لا يتعجن فى أوانيهم أو حقائبهم ، وفى البر الأخر يقف صهريج المياه شامخا يضخ مياه الشرب لعدة قرى وبلدان مجاورة ،  يسير ممتطيا حماره جارا خلفه بهائمه وإحداهن تفرغ بطنها على حافة المصرف الذى يمتد يمينا مع الطريق .

يزيح باب الكشك فيحدث أزيزا ثم يخرج كراتين الشيبسى والمقرمشات ، يقابله فى الجهة الأخرى عربة الفول يقف خلفها شابان يجهزون وجبات الافطار السريعة ، مناضد صغيرة لتناول الافطار على عجل تظلهم شجرة جميز ضخمة ، ترقبهم السيارات المنتظرة لنقل المسافرين إلى أعمالهم والطلاب الى مدارسهم وكلياتهم وصوت القرأن يعلو من مسجلها !.

تزداد السماء بياضا ، يشتد توهجها ولمعانها ، يمينا على ذلك البر ومنذ عقود يقام سوق فى نفس الموعد المعتاد كل أسبوع ، يرتاده تجار الخضر والفاكهة وكل السلع المستهلكة من كل القرى والبلدان المجاورة ، يبيتون ليلتهم هنا يصفون بضاعتهم وكل منهم يختار المكان الذى يناسبه مقابل مبلغ نقدى يعطى لملاك هذه الأرض وتحصل منهم الوحدة المحلية مبلغا مقابل ذلك ، ومع بزوغ الفجر يقدم المشترون من الأنحاء المجاورة وقطعا النسوة أكثر فهن القائمات على حاجات البيوت الأسبوعية ، يبتاعون الخضر والفاكهة والبقول ومنتجات الألبان والأحذية والأنية والأوعية التى يجدون منازلهم فى حاجة إليها ، الملابس للأغراض المنزلية ، سيارات ربع نقل تنقل الجميع يتكدسون فوق بعضهم ويعودون إلى بيوتهم يحملن الطسوت والحقائب التى امتلأت بمشترواتهم ..

تترنح السيارة صعودا وهبوطا مع الطريق الذى تغافلت عن رصفه أنظار المسئولين منذ زمن وربما مع كل مشوار على هذا الطريق تحتاج عفشة السيارة لإعادة صيانة وفى بعض الأحيان تجديد ، قديما كانت العربات التابعة للمحافظة هى وسيلة المواصلات الرئيسية هنا قبل أن يختفى المشروع تماما وتحل محلها سيارات الأهالى ، اقتناها أولا أولئك الذين قضوا بعضا من أعمارهم فى الخليج ثم تبعهم أولئك الذين تخلوا عن جزء من أرضهم وميراثهم ثم ابتكر أصحاب المال فكرة يقومون بشراء تلك السيارات للراغبين بعد أن يعقدوا اتفاقا على ذلك يقضى بأن يردوا إليهم ثمنها مضاعفا على أقساط دورية مقابل ايصالات أمانه توقع من المنتفعين .

الزمان يدور وتتوالى الأيام والسنون ، الانشاءات تتبدل والمعالم تتغير وما كان خرابا أصبح بناءات مكتظة وبعض البنايات صارت خرابا تسكنها الكلاب الضالة ومدمنى المواد المخدرة وفاقدى العقل ، حتى بعض الورش التى كانت مكتظة بالصبية أغلقت أبوابها ، البعض قضى نحبه والبعض غادر والبعض بدل مهنته والأيام تمضى .

تسقط الشمس على رؤوس الحقول ، تداعب وجوه الأنعام وأعين المزارعين ، تتدفق المياه من أفواه ماكينات الرى تجرى فى الأخاديد الصغيرة ، تملأ الشقوق وتغمر المساحات العطشى وتغسل الأرض مما إلتصق بها .

الزروع تبتهج ، تتراقص فرحا ، تسمع موسيقى تناغمها وضحكاتها ، ترى ابتسامتها واضحة جلية ، يفوح منها عطر طيب ،  تلمع ، تتزين كأنها عروس ليلة عرسها .!

السبت، 18 يونيو 2022

غياب

 

الأمس كان ثقيلا جدا ، حايلته كى يمر ، حتى أن الشمس كانت باردة أيضا ، انتظرت دفئها كثيرا كثيرا حتى غربت ولم يأتى ، جلست أنتظره عسى أن يأتى ليلا لكنه ما أتى واشتد البرد وتجبر ، حتى أن القمر اختبئ خلف كهف وتوارى عن الأعين ، الساعة وحدها ظلت تحاول الحكى ، تقص على مسامعى ما جرى وما كان ، تكلمنى عن أشياء وأشياء ، لا أذكر منها حرفا واحدا ، كانت تتحدث بينما أنا شارد الذهن ، ذاهل الخاطر ، أخطو جيئة وذهابا ، أقطع المكان ، عداد الخطوات على هاتفى تتحول أرقامه وتكثر ، الخطوات المستهدفة كذا ....

أخطو نحو الشرفة ، أقلب وجهى فى السماء ، غيوم وسحب ، فضاء متسع ، أزيل غبارا اعتلى مقعدى ، أصف الأوراق وأرتبها ، أجيب على بعض الاستفسارات ، أتنقل بين عدد من المنصات الإلكترونية ، أرجئ بعض المواعيد فليست لدى رغبة فى إجراء أى مقابلات اليوم ، أجيب البعض بغلظة أكرهها ، اتغافل عن مواقف تحدث ، أستطلع أخبارك وأطمئن على حالك ..

كل هذا الضجيج أخفاه الصمت ، الصمت مهاب ، قناع الضعفاء وسمت الأتقياء وحديث الأعين ، يغطى كل ما حولى فلا اسمع إلا همسا أو ما يشبهه ، تطالعنى العيون وأنظر إليها بمشاعر صلدة لا تعبر عن شئ وكأنى لا أفقه أو أعى ما يدور حولى .

الحنين يهد الجبال

والوجع فوق الاحتمال

أعود من الخارج ، اضع المفاتيح فوق المكتب بجوار حافظة نقودى ونظارتى وساعة يدى ، أخلع حزائى ، أخطو إلى الداخل ، يلقى الأطفال حقائبهم ويجرون نحو حاسوبهم ، تنقطع الكهرباء فجأة ، نضئ مصابيح الهواتف ، أخرج إلى الشرفة ، الجيران أكثرهم فعل مثلى ، البيت المجاور خرجت نساؤه جلسن يتسامرن أمام زاوية صغيرة ويلعب الأطفال أمامهن يعلو صوتهم ، أرى وكأنى لا أرى ، الظلام يمنح الدنيا هيبة غريبة ، يشير صغيرى إلى نجوم تلمع فى الأفق ، ضوء يبزغ من الشارع يمينا ، تنبه النسوة الأولاد فربما سيارة مقبلة ، ينظر الأولاد للقادم ، يقولون أنه فقط شخص يضئ هاتفه ليشق له الظلم .

أحاديث النساء لا تنتهى ولا تمنعها حواجز ، تستمر وتتواصل ولا تترك مساما إلا وتقتحمه ، تفاصل اليوم وتفاصيل الوقت وحتى أحداث النوم وابتسامات لا تخلو من مكر ووجه قد فارقه الخجل بعد الليلة الأولى .

أسمع وكأنى ما سمعت شيئا ، يسحب القمر السحب ، يجذبها نحوه ، لكنها لا تقف عنده تتخطاه وتواصل سيرها فيقف متصلبا يقطر منه الدمع ورغم ذلك يكشف لها الطرق ، يظل مسلطا نظره عليها ولا تأبه له ، تفارقه وتبتعد ويظل يرقبها حتى تتوارى خلف الحجب .

هجرة

 

قمت فى الليل تؤرقنى معدتى وبعض أثار البرد تزحف على جسدى ، أشد الأغطية جيدا وأسد المسام التى ينفذ منها البرد لكن مساما أخرى لم أستطع معها سبيلا ، هاجمتنى منها الخواطر فكأنى أحلق مع سرب من الطيور مهاجرا أذر خلفى كل تلك الأشياء التى تكدر وقتى ، أوزا ذا أقدام وردية يقطع مسافة من أيسلندا متجها إلى بريطانيا ، اوزا أسودا يسافر من تايميار الى بحر ودان مارا بساحلى البحر الابيض وبحر البلطيق .

كأنى أسبح مع أفواج الأسماك التى تدع موطنها وتفر بحثا عن مستقبلها وسعيا نحو عالم تأمله آمنا على أبنائها من بعدها ، لا تحتاج الى أوراق وأختام وشهادات وطوابير طويلة وساعات انتظار وطرق وتدافع أمام أبواب المصالح الحكومية ولكنه مجرد اتفاق مع الأصحاب والعائلة وعنده تبدأ الرحلة .

تهاجر لأنك تحملت الكثير من الأذى ولم تعد تمتلك الطاقة اللازمة للمقاومة ، الذى يأتى من كل مكان ، حيثما وجهت نظرك وجدت سهما موجها نحوك ، جيش كامل مهمته حصارك ، ذنبك هو طموحك ، أنك تحارب كى تنجح ، أنك لم تلتفت لهم ولم تدع لهم مجالا يثنوك فيه عن الطريق الذى اخترته ، البعض يدعى أنه يدعمك ، يسخر كل طاقاته لخدمتك ، يعجبك فيه طموحك وعنفوان شبابك ، يرى فيك الاجتهاد والعزيمة والاصرار للبلوغ ثم تكتشف أنه يفعل كل ذلك من أجل حاجة فى نفسه ، البعض يريدك طوع أمره ، كدمية فى كف يده ، يتلاعب بك بأصابعه كيفما راق له ، البعض يتقرب إليك طمعا فى حاجة عندك ، علها تفوتك وتقع فى يده ، البعض يستكثر عليك ما حصلته وما وصلت إليه ، يرى أنه أحق منك بذلك .

السماء رمادية اشتدت عتمتها ، مريبة كأنها فضاء لا ينتهى ، عميقة كمحيط تكتلت ظلمه من تدافع امواجه ، خائف أفر بنفسى إلى أبعد مكان خارج حدود ذاتى ، تحيطنى مخاوفى ، تصيبنى نوبات الهلع وتهلك القشعريرة بدنى ، لا اعلم جنايتى ولا ما اقترفته حتى يحصل معى كل ما يجرى .

الصدر ضيق كأنى سقطت فى فخ صنعه صياد ماهر ليوقع به فريسته وما كان يخطر  بباله أن فريسته ستكون انا او انه أعد الفخ لى وأنا من فرط طيبتى لم أكن أعلم ذلك وخطوت نحوه برغبتى وظننت أن فى سلوك طريقه نجاتى ثم وجدته مآساتى .

حتى الالم لا يأتى سهلا ، مقدماته أشد منه قسوة ووجعا ، الدموع تسقط حارة كأنها اللهب ، تخطو على الوجه فتشق فيه أخاديد ، القلب ما عاد يقوى على التحمل كأن لهوهم غرس خناجرهم فيه حتى كلماتهم قاسية كصحراء تنزروفت .

أستعين بالبكاء على نفسى فإذا البكاء نفسه ألم ويزيد فى وجعى ويقتل خلايا رأسى ويوم يرأف بى يجعلها خاملة كسولة .

متعب أنا حد ثقل تلك الكلمة فى كتابتها وقولها ، متعب أنا كأول ليلة فى سجون كارانديرو ، كبحار خائف ضلت سفينته طريقها فى ليل موحش ، كصبى فقد لتوه والديه ، كمحارب لأول مرة يطرق قلبه الخوف .

السبت، 11 يونيو 2022

بيع نفس بشرية

 أربع قصص ليست بالقصيرة نشرت مجمعة عن دار الكرمة ابان معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته المنعقدة فى مطلع هذا العام 2022 للروائى الطبيب / محمد المنسى قنديل .

لا أعلم أيهما يحب الأخر أكثر " القلم أم المنسى قنديل " ، القلم معه ينصاع تماما ، يسطر كل ما يحلو له وما يجول بخاطره ، يمارس شغفه ، تنسال الكلمات سهلة عذبة كحبات الندى ، السرد مفعم بالجمال ، الألم تعيشه وتعايشه ، المشقة ، التعب ، الخوف ، الاضطراب .

 تهجر بلدك سعيا خلف لقمة عيش تطمس بها فقرك وتسد بها جوعك وجوع التركة التى خلفها لك أبواك ، فتأبى المشقة إلا أن تطاردك هناك حتى ولو كنت تعيش فى غرفة فى بيت تسكنه الفئران وتغرقه الظلمة ، تطرق المشاق بابك وتأتيك حتى قدميك ، تلهث وصوت دقات قلبها أعلى من صوت أنفاسها ، أطفئ المصابيح كى لا يعلمون مكانى ، الفطرة الانسانية هى التى تغلب ، تغلبك شجاعتك ثم يهزم ضعفك شجاعتك ثم تعيش فى صراع بينهما ثم تجد نفسك محاصرا فى كهف لا مخرج منه وليس أبخس من ثمن النفوس  .

تظل حتى نهايات عمرك محافظا على ذات الأسلوب الذى اعتدته ، ما تعملته من رؤسائك تفعله ذاته مع مرؤسيك ، ولأول مرة تخرج فى اجازة للسياحة بعد أن انهيت خدمتك وحصلت مكافأة التقاعد كاملة لا ينقصها مليم ، تصحب زوجتك وابنك ، وكعادة الدنيا هذا يتمرد على ذاك ولا أحد يعجبه حاله ، زوجتك  يغلبها حزنها وابنك يبدو عليه غضبه وأنت تحاول أنت تتخطى كل ذلك ، لكن الرحلة لا تحقق لك ما خرجت إليها من أجله ، تهرب أساسا من العذاب والموت والخوف فتجده ينتظرك على الجانب الأخر بكل قباحته ووقاحته ولا يدعك إلا بعد أن يفتك بما تبقى من بهجتك بل ويسجنك معه وفقدت وداعتك وسقطت فى براثن رعبه .

الفقر يعلم أهله ، ملامحهم جلية ، مهما حاولوا منه فكاكا تغلب عليهم وأعادهم إلى حيث أراد ، السمات البشرية غالبة وكل يسلط ديكتاتوريته على من هم دونه وكل يطبق ذلك فى نطاقه ومكانته ، المعدات تتعطل فيتحمل ذلك الضعفاء وتستسلم لشهوتك فتحمل عبء كل ذلك وحدك وتنادى بحق فقير فتموت وحدك  لا تجد من يدفع عنك عصا ، اتجاه واحد للشمس هو ذاته اتجاه الحياة منذ بدء الخلق وحتى منتهاه ، سيرة ومسيرة وسنة كونية لا تتبدل ، وكل يحمل منها قدره ...

أيام المصريين جافة تكاد تتطابق عند كل فئة ، هى ذات المعاناة ونفس الألم ، تبتسم لك حتى تظن أنك ملكتها وأنك ودعت كل وجع فتباغتك وتسرق منك كل تلك البهجة فتعيش تنتظر وتنتظر ، يمر الصبح وقد ملأك بالأمل ويأتى الظهر وتتمنى مروه حتى تهب نسمات العصارى ، فتتأخر وتتأخر حتى تغيب الشمس ويأتى الليل يوارى حلمك .



السبت، 12 مارس 2022

ثلاثة كتب

 

ثلاثة أعمال أدبية انتهيت مؤخرا من قرائتها لثلاثة كتاب من أجيال مختلفة ، وكل عمل منها مميز ومختلف ويدور فى إطار مستقل ويناقش من الحياة جوانبا مختلفة وسريعا أنتقل إليها

أحلام فترة النقاهة – لأديب نوبل – نجيب محفوظ

سلسلة من الأحلام القصيرة ، كتبت بلغة بديعة وتورية بليغة واسقاطات رائعة وكلمات مختصرة وملخصة تخفى فى طيها الكثير مما قصده الكاتب وأكتفى بالاشارة إليه تلميحا فيما جاوز مائتين حلم .....

فى كل أسبوع ... يوم جمعة – الأستاذ ابراهيم عبدالمجيد

منصة إلكترونية أطلقتها وتديرها فتاة ، تستغل وقتها بشكل مغاير ، وضعت شرطا لقبول الانضمام للمنصة أن يكون قبول الطلبات يوم الجمعه فقط من كل أسبوع وأن يقتصر الانضمام على المصريين فقط  ، وتدور الأحداث فى شكل اجتماعى ، فينضم إليها أشخاص ذو ثقافات مختلفة وكل منهم يحمل حكايته على كاهله ، تدور الأحداث وجريمة تصاحبها ثم تتاقص أعداد المنضمين تدريجيا

أم ميمى – الاستاذ بلال فضل

فتى فى مقتبل عمره أنهى لتوه دراسته الثانوية وحصل على مجموع مرتفع يؤهله ليلتحق بكلية من كليات القمة ، يرغب والده فى إلحاقه بدراسة الطب او الهندسة ويرغب هو بدراسة السينما ثم بمساعدة والدته يتوصل إلى حل وسط فيدرس الاعلام ، وكعادة هذه الفترة فى عمر الشباب يرغب الفتيان فى التمرد على أسرهم ، هو من الاسكندرية والكلية بالقاهرة ولم يدرك مكانا بسكن الطلبة فى المدن الجامعية فيبحث عن مكان لسكناه ويتخلى والده عنه غضبا عليه ويترأف به قلب أمه فتحاول مساعدته قدر الاستطاعة وبعد محاولات عدة تجد له سكنا بصحبة فتيان صالحين وما لبثوا أن وضعوا له حقائبه امام الشقة عندما أكتشفوا مزاحمته على شباك تذاكر السينما إلا أن قلب أحدهم رق له فدله على شقة فى منطقة الهرم فى شارع " خلف كازينو ايزيس " عند " أم ميمى " .

ألفاظ فجة بذيئة لطخت بها الصفحات وكأنها تبنع من قبح وتصب فى قبح أكبر وقد حذر الكاتب فى مستهل الرواية منها معللا أنها قطعا لا تمت للواقع بصلة .

غاب اسم الشاب بطل الرواية كما غاب اسم " ام ميمى " وعرف أن اسم " ميمى " ليس ميمى وانما " عزت " خشية من أن يسمى " كمال " فتطمع فيه النفوس المريضة لملامحه الغربية ، أبوه شعراوى ولقبه " الزناوى " ، حلاقا لم تكفيه الحلاقه فاستغل وجوده فى هذه المنطقة ليتكسب من شئ أخر فاكتسب منه لقبه ، " فاتن " أخت ميمى لكنها لا تشبهه شكلا وإنما تشبه خلقا وزوجها صبحى لا يقل عن أنسابه .

" ابو ساميه " الرجل الوقور قبل أن تظهر سرائره وتعرف دواخله فى جنازة " أم ميمى " ويكتسب لقبا أخر ، ابنتيه " ساميه ورحاب " وزوجته وخدماتهن الجليلة لكل محتاج التى لا تخفى عن عين أحد سوى بطل حكايتنا قبل أن تصيبه سهام رحاب .

أصدقاء الجامعه وملخصات المقررات وأحداث تسرد بطلاقة .

الأحد، 6 مارس 2022

قراءات صباحية

 

باكرا اليوم طالعت مقالا للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله عنوانه استرخ من فضلك وجدتنى بعد قرائته أدع الهاتف جانبا وأشد على الغطاء وأحاول أن أنام ، حاولت كثيرا دون جدوى ، يذكر رحمه الله مواقف حدثت معه وتحدث معنا أو من تعرض لذات الموقف بنفس التفاصيل تقريبا فمن تعلم ركوب الدراجات قطعا سيكون قد سمع ممن يعلمه أنه لابد أن ترخى أعصابك وقد عانيت حتى تعلمت ركوب الدراجات وذكرت ذلك قبلا ، كذلك من حاول قيادة السيارات فقطعا سمع المثل من مدرب القيادة ومن تعلم السباحة أو حاول ذلك قطعا سمع ممن يعلمه أنه لابد أن تترك أعصابك كليا حتى تجد نفسك تطفو وحدك على سطح الماء دون اى حاجة الى جهد وان شددت أعصابك غرقت ، ثم ذكر مواقف حدثت معه أثناء ممارسته الطب ولو اتبعنا نفس النهج وذكرنا ما يحدث معنا من مواقف أثناء ممارستنا لحياتنا اليومية سواء فى العمل او العلاقات الأسرية والخارجية لوجدناها كلها لكى نتمكن من إنجازها بأقل الأضرار لابد لنا من الاسترخاء جيدا لفعل ذلك ، ثم ختم مقاله رحمه الله بأنه فى سبيل محاولته تعلم فن الاسترخاء أهدى إليه كتابا عن اليوجا فى حجم خروف صغير وعندما فتحه قرأ فى فصله الأول " قبل أن تدرس اليوجا يجب أن تسترخى .. تسترخى إلى أقصى حد " مما يعنى أن على أن أسترخى كى أتعلم طريقة الاسترخاء .

قبله كنت قد انتهيت توا من مطالعة مقال عن مذبحة القلعة التى اعدها محمد على للمماليك فى الثانى من مارس لعام ألف وثمانمائة وأحد عشر من الميلاد أثناء الحفلة التى أٌقامها لتنصيب ابنه طوسون على رأس الحملة المتجهة إلى الحجاز وبعد انتهاء الحفلة وبعد أن امتلأ الجميع من الأكل والشرب والغناء والترف والمرح ونادى المنادى بالانصراف وأثناء اتجاه المماليك للخروج من باب العزب أغلقت فى وجوههم الأبواب وفتكت بهم البنادق وأعملت فى رؤوسهم السيوف حتى تخطى حجم القتلى المتكدسين فوق بعضهم الأمتار فى بعض الأماكن ثم انطلق الجنود إلى بيوت الأمراء واتباعهم وأجوارهم فعملوا فيها سلبا ونهبا واغتصابا وسبيا وساد الهرج والمرج ولم تهدأ الأمور حتى نزل محمد على فى اليوم التالى ماشيا يتبعه أمراؤه وجنده فأمر بقطع عنق اثنين من النهابين وقطع طوسون ابنه رأس أخر وهكذا هدأ الأمر إلا أن مطاردة الفارين لم تنتهى .

يؤكد الجبرتى: «عدد القتلى فى هذه الحادثة أكثر من ألف إنسان، أمراء، وأجناد، وكشاف، ومماليك، صاروا يحملون رممهم على الأخشاب، ويرمونهم عند المغسل بالرميلة، ثم يرفعونهم ويلقونهم فى حفر من الأرض فوق بعضهم البعض، لا يتميز الأمير عن غيره، وسلخوا عدة رؤوس من رؤوس العظماء، وألقوا جماجمهم المسلوخة على الرمم فى تلك الحفر، فكانت هذه الكائنة من أشنع الحوادث التى لم يتفق مثلها»  

يسأل «جيلبرت سينويه» فى كتابه «الفرعون الأخير، محمد على» ترجمة «عبدالسلام المودنى»: «هل يجب تذكير من يستنكر هذه العملية أنها تدخل بشكل طبيعى فى إطار ما كان معروفا فى الأعراف السياسية لذلك العصر ولتلك المنطقة؟.. فالصدر الأعظم والقبطان باشا قاما بمثل ذلك فى أبوقير والقاهرة فى أكتوبر 1801، وسيقوم السلطان محمود الثانى بعمل مشابه ضد الانكشارية فى استانبول سنة 1827، وقام بونابرت شخصيا فى مارس 1799 وتحت أسوار يافا بقتل حوالى ألفين وخمسمائة سجين دون أن يرف له طرف " ..

وأتساءل إلى أى درجة كان محمد على مسترخيا حينما جلس يشاهد جنده يقطعون الرؤوس ويضعونها تحت قدمه كى يحصلون المكافأت والهدايا التى وعدهم بها وهل كان نابليون مسترخيا مثله وهل كان على مثل حالهم السلطان محمود الثانى والصدر الأعظم والقبطان باشا ومن فعل ذلك مثلهم قبلهم أو بعدهم ....

علمت أهمية الاسترخاء أكثر عندما غادرت مسكنى وتوجهت نحو عملى وفى الطريق توقفت أمام مخبز لأبتاع منه بعض أرغفة الفينو وفجأة أخبرنى البائع بأنه اعتبارا من اليوم أصبح ثمن الرغيف جنيه واحد .