الاثنين، 3 فبراير 2020

الواحة


وكأنى أسير وسط منطقة غريبة عنى ، مزارع ، مجرى مائى ، حقول زراعية ، الطريق منحدر ، أسير على غير هدى ، أسأل أول شخص ألقاه فيخبرنى أن أمامى طريقان ، اسلك الطريق المقابل ولكنك لابد أن تمضى وقتا طويلا حتى تصل للطريق الرئيسى ، وتستطيع أن تختصر المسافة مرورا ببعض الحقول والحظائر التى تواجهك ، اخترت الطريق الثانى وبدأت السير ، كلاب ضاله تجرى متجهة نحوى ، يقشعر بدنى وأرتعد قليلا ، يدركنى صاحبها قبل أن تعتدى على ، يخبرنى أنى لابد أن أستقل معدية أصل إليها بعد قطع مسافة من السير على هذا البر ، المعدية تنقلنى الى البر الغربى ، بالمجرى المائى ما يشبه السدود مصنعة من براميل رصت متجاورة وربطت بحبل يصلها كلها مجتمعة ويحافظ على وجودها كى لا تسحبها المياه أثناء جريانها ، الحبل مجدول من التيل ، الأشجار متناثرة ، كافور وصفصاف ، مجموعات من البامبو ، نخيل على مسافات ، جميزة عتيقة ، قطع أخشاب ، أعواد جافة ، تراكمات وكتل من الطمى ، بعضها مكور يشبه ثدى مكتنز وبعضها مترهل وبعضها صلد كصخر ، ومنها القاسى قلبه رغم لين ملامحه ،  فى البر الغربى الطريق ممهد لكن طوال سيرى لم ألمح سيارة واحدة تمر ، ولازلت أجهل السبب ، لا أعلم ماذا أتى بى إلى هنا ، كنت نائما أو كنت غائبا أو كنت تائها أو أن عينى غفت وفجأة وجدتنى هنا ، لا أعلم متى وأين البداية ، لم أرانى مستلقى تحت ظل شجرة ، وجدتنى وسط زروع ، ألتفت يمنة ويسرة فلا أستطيع معرفة مكانى  ، أواصل السير ، يدعونى شيخ عجوز لتناول لقيمات معه ابتسم له واشكره ، يقسم أن أتناول ولو كوبا من الشاى فألبى دعوته وأبر بقسمه ، يفرش الأرض ببعض أعواد القش ، يسوى ما بينها ، أقترب وأجلس بجانبه ، يقدم إلى الطعام ، خبز وجبن وخضروات ، أشكره مجددا ، تناول قدر استطاعتك حتى يغلى الشاى ، ألتهم الطعام وفجأة أشعر وكأنى ما تناولت طعاما منذ أيام ، لا أعرفك يا بنى ، لم أرك هنا من قبل ، نعم لست من هنا ولا أعرف أين أنا ولا كيف جئت هنا ، حكاية لا أعرف معالمها ، يتأملنى الشيخ العجوز ويحافظ على صمته وبسمة تعلو وجهه ...
أشرد ثانية سابحا فيما حولى ، عشة قوائمها أعمدة صنعت من جذوع الأشجار ، أربعة قوائم تتخلها عيدان الغاب ، جدلت فيما بينها بالخوص ، السقف من ذات المكونات ، أعد فى شكل طبقات كل طبقة تعلو الأخرى ودعمت بحزم من القش ، يقطع شرودى صوت الشيخ يقدم إلى الشاى ، أنتهى من شرب الشاى ، أشكره وأستئذن للرحيل ، يبتسم إلى وتتبدل ملامح وجهه فتسير سماته حائرة ويوصينى " انتبه لطريقك فليس كل ما فى الصحراء سراب وفى الصمت خير وفى الغيب رحمة " .
أبتسم وأقبل رأسه شاكرا ممتنا وأواصل السير ، مواشى بالزرائب وأغنام وماعز ، حمار مستلقى ممدا أقدامه ، بقرة غطى على عينيها وعلقت بساقية مصنعة من صاج قديم تدور على ترس حول قطرها  ومثبتة ، جذعى شجر أحدها وضع على رقبة البقرة والأخرمن خلفها ، موصولة بحبل ، تدور البقرة فينهمر الماء من فتحات الساقية فيجرى إلى قناة صغيرة شقت وسط الحقول ، طفل صغير يمسك بحبل بقرة أخذها ليسقيها الماء من القناة الضيقة والبقرة قد حنت رأسها لتروى عطشها ، الأشجار هنا تبدو قديمة قدم الزمان ، جفت جذوعها وأرهقتها الأيام والسنوات التى مرت عليها ،على الجسر سويت قطعة صغيرة وبنى من حولها سور بارتفاع صغير وتركت فى السورمساحة فارغة أعدت كـباب للدخول ، فرشت بحصيرة قديمة تحيطها أعواد القش ، ووسطها كهل يصلى ، بجانبها طلمبة لاستخراج المياه الجوفيه وأمام الطلمبة بنى حوض جدرانه خضبت بالأسمنت ، بنى على مرحلتين  ، الأولى مرتفعة بحيز ضيق والثانية أكبر وقاعها أشد عمقا أعدت لسقيا البهائم والماشية ، ألمح المعدية على مرمى البصر فأبتسم !

السبت، 1 فبراير 2020

نجمة أغسطس " مقتطفات "


مقتطفات
·       كان التراب تتخلله قطع من الصخور الرمادية والزرقاء المختلفة الأحجام وكان يرتفع إلى مستوى منبسط من الرمال تعمل فوقه عدة آلات متحركة وينتهى بخط من البراميل المتجاورة يبدأ خلفها مستوى مرتفع جديد من الصخور ...
·       مضيت من أمام عشرات المحلات الصغيرة التى تبيع كل شئ سوية من الورق إلى الملاءات والطعمية ، لمحت مبنى جمعية تعاونية بواجهته الخضراء التقليدية المؤلفة من عدة أبواب فولجته ، ودفعت عند المدخل ثمن أربع قطع من الصابون وأخذت إيصالا قدمته إلى أحد الباعة فأحضر كيسا رص فيه الصابون ورأيته يسقط قطعة منه على الأرض فى الفراغ الفاصل بينه وبين طاولة البيع ظننتها زائدة وعندما وصلت الفندق اكتشفت أنى عدت بثلاث قطع فقط ...
·       ارتجت الأرض من حولنا ، وأمسكت بالحاجز فى قوة ، طارت بضع صخور فى الهواء وتصاعد الغبار فى سرعة فحجب المكان كله وعندما طاولت ألسنته السماء شرع يزحف نحونا منتشرا فى كل اتجاه ...
·       الخريطة كانت تمثل قطاعا عرضيا فى السد مقسما بالألوان إلى قطاعات متعددة متباينة الأحجام ، تشير إلى المواد المختلفة التى يتكون منها السد ، كان بعضها يمثل الصخور وبعضها الأخر الصخور الملبسة بالرمال الناعمة والثالث الرمال الخشنة ، وفى الوسط حيث يرتفع السد فى شكل هرمى مثلث رمادى اللون يشير إلى النواة الصماء التى تتكون من الطمى ، كان هذا المثلث يمتد فى شبه عمود أسف مستوى السد إلى قاع النهر وكان يمتد منه خط أفقى إلى الجزء الأمامى من جسم السد المواجهة لمنابع النيل ...
·       ولعنة العصر يمكن أن تصبح أروع نعمة عندما يخلو المبنى الأصفر الكئيب من صداه وتتشوق الآذان إلى نغمة واحدة تصل بنى البشر بماضيهم ، لكن الأزرار فى يد حارس يدرك أنه لو سمح للصوت أن يتسرب لإلتوت جميع الآذان فى اتجاهه وعند الغروب اقتادونا إلى الفناء فى سكون مطبق وأجلسونا القرفصاء على الأرض ليؤكدوا لنا أننا فقدنا حريتنا .
·       فوقنا امتدت السماء شديدة فى الصفاء لا أثر بها للقمر أو النجوم .
·       كانت هناك خارطة للموقع بدا السد فيها كائنا ضخما يواجه الجنوب وقد احتجز الماء بجسده وارتكز بساعديه على حافتى النهر باسطا إياهما إلى أقصاهما وبدت الذراع اليمنى أطول من اليسرى بوضوح وفى موقع القلب استقرت النواة الصماء وامتدت ستارة رأسية صلبة إلى قاع النهر وأخرى أفقية تخللت الساعد الأيمن ..
·       أبطأ الصندل سرعته ومضى يدور فى بطء حول كتلة ضخمة من الصخور برز فى وسط المجرى وبدت لى الصخور فى صورة جماعة من المماليك الذين لجأوا إلى النوبة فرارا من مذابح محمد على وقد تجمعوا لبحث أمر خطير وأحنوا رؤوسهم التى تغطيها عمائم ضخمة .
·       راقبت الشمس وهى تختفى خلف سحابة داكنة صانعة زجزاجا ذهبيا فر طرفها الأول وضوءا مكتوما فى الطرف الأخر ثم تبدت لحظة من خلال فجوة وسط السحابة ثم اختفت من جديد فى ثناياها .
·       أوشكت الشمس على الظهور من طرف السحابة الأسفل وما لبثت أن تجلت قوسا متوهجا كالبدر وأخذت السحابة تتحلل أمام وهجها حتى تلاشت وتبدى قرص الشمس كاملا .

الأحد، 26 يناير 2020

اصنع بهجتك !


يحدث كل شئ عندما تتخلى عن قناعاتك ، ببطئ وتدريجيا ، على مهل دون أن تشعر ، كشعاع ضوء خافت يتسرب من تحت عقب الباب ومن بين فتحاته ، تجد نفسك فجأة انزلقت فى منحدر يسقط بك بسرعة البرق ، تفقد إيمانك وشغفك ، تخسر كل تلك النقاط وتلك الفرص التى قضيت كل حياتك تحاول تحصيلها واكتسابها بالعمل أكثر الوقت ما استطعت ، لون الحياة يتغير ، البهجة تختفى ، رغم تلك المتع اللحظية التى ما لبثت أن زالت وخلفت من بعدها كل تلك الآثار محفورة وكأنها صقلتها على سطح أحجار صلدة ، الصور العالقة والمواقف الحرجة والنظرات فى تلك الأعين ، السقوط المفاجئ ليس كنزول سلم على درج خطوة بخطوة ، تحاول التمسك بما قد تبقى لديك من إيمان والتشبث بسابق عهدك ، تحاول أن تتوقف ثم تعود تواصل تتمة البناء الذى بدأته ثم تسقط مجددا مع أول اختبار ، الضعف تملكك ، سيطر عليك ، تسرب داخل فكرك ، ملامحك ، أطرافك ، لم تعد ذلك القوى ، لم تعد قادرا على المواجهة ، حتى أقرب الناس لك ، تتجنب تلاقى النظرات ، تفرمنها مبتعدا وتهرب إلى أقصى ما يمكنك ، تعلم أنه لا سبيل إلى التخلص من كل ذلك ، تملأ وقتك بأى شئ وكل شئ ، تسافر ، تتنقل ، تقوم بتلك الأعمال التى توقفت عن القيام بها لسنوات ثم تخلو بنفسك فتعود الذكريات مصطفة تعرض أمامك كشريط سينمائى مجرد أن يخفت الضوء يعمل تلقائيا ، فتعيش الوقت وكأنه الآن ، غير أنك لا سلطة لك على تغيير أحداثه ، لابد أن تأخذ الجرعة كما هى دون زيادة أو نقصان ، غير ما يبقى عالقا بك بعد انتهاء العرض ، تعيش فى بث مباشر مع ما تمنيت منه الخلاص ، يمدحك الناس وهم يبتسمون يظنون بك خيرا وفى داخلك يأكلك الوجع ، تعلم أنك عكس ما يظنون ، تسأل نفسك متى سيأتى الوقت الذى سترتاح فيه من كل هذا ، الخطوات التى مشيتها الآن تشهد ضدك ، الكلمات التى قلتها الآن تستخدم ضدك ، الخير الذى وددت صنعه فى لحظة أصبح سوءا أصبت به ضرر للأخرين ولنفسك ، تعقد المحاكمة ، فيُشهد بخلاف ما حدث ولا تجد أمامك سبيلا سوى الاعتذار لكل أولئك الذين خذلتهم ، ثم تعتذر لنفسك على أن أهملتها حتى نُزع عنها رداؤها فانكشفت سوأتها ، الحكم أن الكل برئ سواك ، أصبحت فى عزلة ، بعيدا عن الكل أو بمعنى أكثر صوابا الكل هم من قرروا الابتعاد عنك وتركك لإثمك ، فى ركن بعيد تجلس ، تحتسى مشروبك ، تكتب وتسطر وتدون فما بقى لك من صديق سوى الكتابة التى كنت أهملتها وتخليت عنها ويوم ابتعد الكل بقيت بجوارك تؤازرك ، تقص ما حدث قتصدقك ، تحكى لها لحظات ضعفك وانكسارك فتواسيك ، تترك الحروف تنساب أمامك تجترع منها ما تشاء ، وتلقى بالألوان إلى يمينك تقول : اصنع بهجتك .  

الجمعة، 10 يناير 2020

إنما أنا إنسان


"67 " رواية ... مكونة من اثنى عشر فصلا وكأن كل فصل يمثل شهرا من شهور عام 1967 ، هى الرواية الثانية لكاتبها الروائى الأستاذ " صنع الله إبراهيم " عقب روايته الأولى " تلك الرائحة " ، وبدت وكأنها تمثل متتالية لروايته الأولى كالعادة فى الروايات التى تلت ذلك بأن تكون الأحداث فى مجموعة منها متشابكة وبطلها واحد ، تميزت بأسلوبه الجميل والجرئ والمغاير فى عرضه للمجتمع والأسباب التى أدت مجتمعة إلى حدوث النكسة وكالعادة اثارت الكثير من الجدل فرفضت بعض دور النشر فى مختلف أرجاء الوطن العربى نشرها حتى نشرت كنصوص أدبية فى مجلة عالم الكتاب فى عددها الثالث الصادر فى شهر اغسطس لعام 2015 قبل ان تصدر كرواية كاملة فى عام 2017 عن دار الثقافة الجديدة .
" سمعت المذيع يقول إننا نسقط طائرات العدو ، وأعقبته موسيقى حماسية ثم بيان عن بدء العمليات الحربية ضدنا ، أغلقت الراديو وعدت إلى الصالة وبحثت عن صحف اليوم فوجدتها فى المطبخ ، وكانت العناوين الرئيسية تعلن عن تدهور الموقف واقتراب ساعة الصفر ...."
" دخلت إلى حجرتى وأدرت الترانزستور فسمعت بيانا عن إسقاط المزيد من الطائرات ، أغلقت الترانزستور ، وارتديت قميصا وبنطلونا وغادرت الشقة ... "
" عدت أقرأ الأخبار وكانت الوكالات تردد ما نذيعه عن إسقاط الطائرات الاسرائيلية ... "
" جاء زكى يسأل عن أخر الأخبار فقلت : لا جديد ، قال : ماذا تتوقع ؟ قلت : لا أعرف ، قال : سنعطيهم علقة ساخنة ، وقال صادق إنه سيكتب مقاله القادم من تل أبيب.
" جاء زكى يسألنى عن أخر الأخبار ، قال إن له جارا فلسطينيا لم يغادر فراشه من ظهر الأمس لأن اليهود اجتاحوا قريته حيث توجد أمه وعائلته ، لمحت صادق وكانت عيناه حمراوين ، وكانت أخبار الوكالات الأجنبية تتحدث عن تطويق قواتنا فى صحراء سيناء ...
" بعد قليل اتصلت بالجريدة فرد على صادق وكان يبكى . قال : انتهى كل شئ . قلت : ماذا تعنى ؟ لم يرد وواصل البكاء .... ثم أعلن المذيع أننا قبلنا قرار وقف إطلاق النار .... "
" غادرت الجريدة إلى الشارع وكان الظلام ينتشر بسرعة والناس تجرى فى كل اتجاه وهم يصيحون ويهتفون .... "
 سُردت هذه الرواية فى شكل يوميات بدأت بحفلة تجمع فيها العديد من الشخصيات التى بنيت عليها الرواية واختتمت بحفلة أيضا وما بين الحفلتين يظهر أثر الأحداث التى شهدها العام على كل أشخاصها .
العنوان يمثل تلك الجملة التى قالها البطل فى الفيلم الذى شاهده الراوى فى السينما فى سبيله للدفاع عن نفسه .

الثلاثاء، 7 يناير 2020

تلك الرائحة – صُنع الله إبراهيم


تلك الرائحة
تلتصق عيوننا بعيون جامدة لا تنطق ، وتصطدم أذاننا بأصوات سريعة بانرة لا تتمهل ، وتتعلق قلوبنا بأيدى سمينة ثقيلة لا تفكر ، وحولنا الجدران تلتقى فى أربعة أركان ، والباب مغلق والسقف قريب ، لا منجاة .
كانت عيناها نجمتين فى فضاء ساكن ، وكنت سابحا فى الفضاء ضائعا ، وكان بالليل عندما إلتقت عيوننا ، وكانت عيناها تلمعان فى الضوء ، رأيت صورتى فى بياضهما الواسع ورأيتها فى سوادهما العميق .
وكانت بشرة وجهها ناعمة وشفتاها ممتلئتين والسفلى دائما منفصلة قليلا عن العليا ومقوسة ، داكنة اللون كأنها ملتهبة من شئ ما .
الثعبان
من الخلف فقد كان الثعبان يلتوى بوضوح تاركا ذيله بعيدا بُعد الواحة ، أما الرأس فكانت تزحف إلى الأمام بسرعة محمومة ، تشرئب بعنقها فى شوق ولهفة لترى ماذا بعد ، وتبدو الجبال فجأة وكأنها تسد الطريق .
أرسين لوبين
كانت الروايات قديمة ، اختفت أغلفتها واسمرت صفحاتها وتمزقت ، وكان التراب يتصاعد منها ممزوجا برائحة غريبة كانت تأتى من كل شئ فى الدكان ، وكنت أحب هذه الرائحة .
بعد الظهر عبر ثلاثة أسرة
كل منهم يتصور عصارى الصيف فوق مقاعد القش فى الحديقة ، والهواء يهب خفيفا وكلما أوغل الليل ازدادت رطوبته ، أو صباحيات الشتاء فى الجانب الأخر من المنزل ، والشمس تسقط مترددة فى البداية ثم تزداد دفئا كلما تقدم النهار .
أغانى المساء
كانت السماء قريبة دانية ، والنجوم تتحرك فى خفة ، وخفقت إحداها فى اضطراب وضعف .
لم أكن أسمع شيئا مطلقا وبعد لحظة تبينت صوت تنفس أبى وكان قويا ، وكانت رأسى مستندة إلى جانبه ، فشعرت بصدره يتحرك ، واحتكت قطعة قوية من المعدن فى حزام الفتق الذى يلفه حول وسطه بإذنى فآلمتنى ، وما لبثنا أن سمعنا صوت انفجارات متتالية ، كان الصوت قريبا جدا كأنه فى الشارع المجاور ، وتصورت أن هناك طائرة تتقدم نحو منزلنا ، وهى تسقط القنابل أثناء تقدمها ، ولأول مرة توقعت أن تقع علينا قنبلة بين لحظة وأخرى .
أبيض وأزرق  
غادر الجميع السيارة فتبعتهم أنا وزوجتى بعد أن بسطت الجريدة فوق مقعدنا ، وعبرنا بوابة صغيرة إلى أزقة ضيقة رصفت بالحصى الكبير وتصاعدت من جنباتها رائحة القهوة المنعشة مختلطة بنغمات خفيفة من الموسيقى اليونانية .
استنشقت الهواء المحمل برائحة السماك فى لهفة ، وبدت حافة الماء نظيفة من أى مخلفات وبالمثل كانت رمال الشاطئ التى اصطفت فوقها مظلات المصيفين الملونة فى نظام بديع .
ثم صافحت عينى زرقة كثيفة لم أر مثلها من قبل وكانت تزداد كثافة كلما قاربت الأفق .

الاثنين، 6 يناير 2020

خيوط الصمت


الليل ، الوقت ، الصمت ، الكلمات ، كتاب مفتوح ، حروف ضالة ، البرد ثقيل ، يقتل كل شئ ، الأرض مرهقة ، السماء ناعسة ، العيون جامدة ، الفكر شارد ، العزلة سوداء ، صماء ، بكماء ، كـ سجين .. قعيد ... مكبل بالأصفاد .. حلق جاف ، قلب نازف ، خيوط صمت تنسج على جسد ميت ، أو هو حى ميت .
نشعل الأخشاب تغطيها بعضا من أعواد القطن والحطب الجاف وأغصان الشجر، بقايا خبز من طعام مضى وقته ، أسماك صغيرة حصيلة صيد العصارى ، حزمة جرجير وعيدان سريس ، حبات طماطم وباذنجان ، فول أخضر ..
الساقية تهدر يتدفق منها الماء يعانق الأرض العطشى ، يشق طريقه عبر قناة صغيرة ، يطوى المسافات متعجلا ، متلهفا ملاقاة معشوقه ، يتقافز ، يلهو مع الأركان ، يتخطى هذا ويصطدم بكتف ذاك ، يتخلل بعض الفجوات ويقفز إلى غيرها ويتسلل إلى ارض الجيران ، أسرع فأضع الحواجز فى طريقه وأسد عليها تلك الفتحات التى يتسلل منها إلى الأرض المجاورة  كى لا يفسد الزرع بها .
ننتهى من شواء السمك ، نلتهمه مع اللقيمات والخضروات ، نملأ وعاءا بالماء ونضيف إليه حبات الشاى ، نشتهيه مصنوعا على تلك النيران الهادئة ، نتسامر ، نتذاكر حكايا الماضى وأحداث الحاضر ، الذئاب التى دوما تهاجم ليلا ونسمع صوت عوائها ، عن الرجل الذى صعد الشجرة فرارا من ذئب هاجمه حينما أتى فى الليل إلى حقله ، عن البيوت المجنونة التى تشتعل فيها النيران وحدها ثم تطفئ وحدها وتعاود كرتها مرارا دون أن يعلم سبب ، قيل أنه يسكنها الجن والعفاريت ، عن الراقصة التى كانت بالمولد وانحسرت عنها ثيابها أو بالأحرى تلك القطع التى كانت تغطى بعضا من جسدها ، عن الأغنام التى سرقت أمس عند الظهيرة ، عن الرجل الذى ترك تعليمه وغادر أسرته ورحل برفقة صاحبيه إلى أوروبا ، عن الفتاة التى تخرج ملطخة وجهها بالأحمر والألوان وتكشف بعضا من شعرها وترتدى ثيابا " محزقة " تصف كل جسدها ما برز منه وما انحنى ، عن الرجل الذى فقد عقله عندما ذُبح أخوه أمام عينه ، أصبح يرتدى ثيابا غريبة ويقيم فى عشة صنعها من أغصان الأشجار وقطع الأخشاب وأعواد الحطب وعيدان الغاب وجذوعها من سيقان البامبو، مقرها على حافة الترعة ، يعلوها لافتة تحمل رسما لحمار وكلب وشعلة نار ، يصحبه كلبه ، يبهرج دراجته ويزينها ، يطلق لحيته ويحمل قلما وأوراقا يكتب فيها بخط صغير منمق ، يقول أنه يكتب القرأن كله فى ورقة واحدة .
الأرض كلمى ، يقتلها الوجع ، يدمى فؤادها تقاتل أبنائها ، تنظر إليهم ، تنحنى تقبل اقدامهم ، تسألهم بالله ألا يفعلوا ..... تتوسل إليهم أن يبروا بقسمها ... يبتسمون لها باشمئزاز ويتجاهلون طلبها ، يعقونها ويفعلوا ...
الليل يبكى ، يقسم أن يرحل ويرحل يصحبه قمره فتذبل النجمات وتتساقط فى خريف عمر فتسارع الغربان تدفنها فى بطن الألم  .

الخميس، 2 يناير 2020

مصر ... الأم


ابحثوا لنا عن إمام أخر .... رواية لأحمد ماضى ...مكتبة الشروق الدولية   الطبعة الاولى 2008 .
يواصل الكاتب المهندس / أحمد ماضى كتاباته المتميزة فيبحر بنا فى عالم خاص صنعه بنفسه بأحلام وطموحات المصريين بطوائفهم المختلفة فى هذه الحقبة الزمنية والعقد الأول من الألفية الثالثة فيحيك رواية أبطالها كل أفراد المجتمع " مصر " والمتآمرون عليها من الخارج .... يجمع بين أولئك الذين يحملون حلما وأولئك المعذبون ألما وأولئك الذين يتمنون صلاح الأمور والأحوال ... بين أولئك الذين يعرفون قدر مصر ويسعون لمجدها واولئك الذين يخشون حدوث ذلك فيعملون على وأد كل حلم يولد ...." مصر .... الأم " ... متمسكة بجذورها من الفراعنة ومصقولة بشذرات نيلها وعبق تربتها وأريج تاريخها وجميل مواقفها وبطولاتها .... حزب يحمل هما ورؤية ويسعى لتحقيق حلم .... كانت الحكاية فنشأ ثم سرعان ما أدخلت فيه الصراعات حول إختيار رئيسه ثم تكتمل الحكاية ....
-أنتم من عند الشيطان ... أنتم شياطين مثله .... سألوه أن يصف لهم شيطانه الآثم ؟ ... قال لهم : له سمت النُساك وما هو بناسك ، وهدوء النبلاء وما هو بنبيل ، وشهامة الفرسان وهو حقير ... يبيع القيم والمبادئ فى سوق الرقيق ، ويشترى الذمم والضمائر كما يشترى النعال ..
-اتفقت معه أن يحفظ كل منا سر الأخر ، ما أسوأ أسراره وما أتعس سرى ...
-أنت الخوذة الصدئة التى نقوم بتلميعها ... أنت الأسنان المعوجة التى نقوم بتقويمها ، أنت الثعبان الذى لا يعرف كيف ينفث سمه ، والشيطان الذى يبدو للناس ملاكا والعاصفة التى لن يقرأ الناس موعد هبوبها إلى أن تهب .
أحمد منصور محامى يبحث فى التاريخ عن التاريخ يكتب حلمه .....جورج عزيز – مفتاح الصاوى – د راوية عبدالعظيم – امام الأمام – عبدالكريم الدسوقى ---- فنان تشكيلى – ميكانيكى – طبيبة قتل الظلم زوجها -  مسلمون وأقباط --- فقراء ويتامى – فلاح فصيح وشيخ لا يساق - معلمون ومهندسون وضباط شعب وجيش --- وطن --- الحياة فى مصر.


الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019

التجربة الأنثوية - صُنع الله إبراهيم


وكان الكتاب الأخير الذى أنهيت قرائته مع صباح اليوم الأخير لعام 2919 ميلاديا هو كتاب " التجربة الأنثوية " والذى عمل على جمعه واختيار مادته وترجمته الروائى الرائع " صُنع الله إبراهيم " وعمل على أن يحوى هذا الكتاب أجرأ الأعمال النسائية التى قامت بكتابتها عن نفسها المرأة ذاتها ، وأجرأ هنا قصد بها فى سرد المرأة لحياتها الجنسية وتجاربها فى هذا الشأن فجمع كتابات تتضمن بعض العلاقات بين النساء وبعضهن أو العلاقات الطبيعية واختار أحد عشر نصا لكاتبات من جنسيات مختلفة " فرنسية ، أمريكية ، إنجليزية ، إيرلندية ، أفريقية " والنصوص المختارة هى :-
بين ذراعى تمارا  للكاتبة الفرنسية فرانسواز مالية – جوريس
استيقاظ مود – للكاتبة الأمريكية مارج بيرسى
أنا الغريبة الجميلة – للكاتبة الأمريكية روزالين دريكسلر
لا يمكن أن يكون ميتا ، فقد تحدث إلى ! – للكاتبة الأمريكية رونا جافى .
أهلا بك ! – للكاتبة الأمريكية هاربيت سومرز .
الحب بالشخص الثالث والثمانين – للكاتبة الأمريكية جويس ألبرت .
يوميات زوجة غير مخلصة – للكاتبة الأيرلندية أدنا أوبريان .
الكراسة الذهبية – للكاتبة الإنجليزية دوريس ليسنج .
جامعة الكنوز – للكاتبة الإفريقية بيسى هيد .
سولا " رقيقة من الذهب تحتها مرمر " – للكاتبة الأمريكية تونى موريسون .
القلب النازف – للكاتبة الأمريكية مارلين فرتش .
تميزت تلك النصوص بجمال السرد وطلاقة العبارات وسهولتها ولم تخل الترجمة بجمال تلك المختارات والتى حصلت بعض كاتباتها على جائزة نوبل فى الأدب .
ومن بين تلك النصوص راقنى مقتطف من نص " سولا " للأمريكية تونى موريسون ، هذا سرده :-
لو أنا تناولت قطعة من جلد الشامواه ودعكت بشدة العظمة بالظبط فوق عظمة خدك فإن بعض الأسود سيتلاشى ، سوف يتقشر ويعلق بالشامواه كاشفا عن رقيقة من الذهب ، يمكننى رؤيتها تلتمع خلال السواد  ، أعرف أنها هناك ..
ولو أنا أخذت مبرد أظافر أو حتى قشارة ايفا القديمة – فهى تصلح – وكشطت الذهب ، سيتساقط كاشفا عن مرمر ، فالمرمر هو الذى يعطى وجهك تدرجاته واستداراته ، هو السبب فى أن ابتسام فمك لا يبلغ عينيك فالمرمر يعطيه وقارا يقاوم الابتسامة الكلية .
عندئذ ألتقط أزميلا ، ومطرقة صغيرة ، وأنقر فوق المرمر لأكشطه ، سيتصدع عندئذ كما يفعل الثلج أسفل المعول ، وخلال الشقوق سألمح الطفلة ، خصبة خالصة من الحصى وأغصان النباتات ، لأن الطفلة هى التى تكسبك تلك الرائحة ، سوف أدس يدى عميقا فى تربتك ، وأرفعها وأنخلها بأصابعى متلمسة سطحها الدافئ وقشعريرة الذى تحته .
لسوف أروى تربتك وأحفظها غنية مبللة ، لكن بأى مقدار ؟ ، كم من المياه تكفى للمحافظة على بلل الطَفلة ؟ وكم يعوزونى من الطفلة لكبح مياهى ؟ ومتى تصنع الاثنتان طينا ؟ .
ابتلمع فمها كما ابتلع فخذاها أعضاؤه وساد المنزل هدوء بالغ .
وكانت خاتمة التجارب الأنثوية المختارة نص القلب النازف ، وخاتمة الكتاب فى هذا النص هذه الرسالة البليغة المعنى  " لماذ تتكرر القصة القديمة دائما ؟ دائما المرأة هى التى تدفع الثمن ، رغم كل النوايا الطيبة من الجميع .

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

ناقة صالحة ... سعود السنعوسى


يعود سعود السنعوسى ليغرد منفردا فى طريقه وخطه الكتابى الذى اختار فيأخذنا إلى الصحراء فى رحلة بديعة بجمال اللغة التى وصفتها ، أدمت منا العيون فى قالبها وإسقاطاتها فنكبر مع دخيل ونعشق مع صالحة وندمع لـ وضحى ونلهو مع حواريها المتبنى ، نحتار لحال صالح ونأسف لفعل فالح وسماء تغضب وذئاب تعوى حول الديار الصالحة ، هل نلتقى ؟  العلم عند الله .
من بديع ما جاء بها :-
الشمس تطبخ رؤوسنا ، ولا ماء فى قريتى والعرق لا يروى ظمأ ، ليس لى ولا للصغير إلا الصبر على سياط الشمس ، وحليب ضرع زاحمنا به الحوار ، ونبوءة بشرتنى بها سحابة لا تعود .
رغم أنى صموت مثل الصحراء ، لا أجيد لهجة الحاضرة البحرية الصاخبة الخالية من الحكمة ، المدينة ثرثارة بطبيعتها ، والحكمة وليدة صمت ، والصمت لا يصير صمتا إلا فى الصحراء .
والدتى تسب سوء حظى كانت دائما ما تقول لو أنى تاجرت بالأكفان لكسد الموت وغادر الديار .
أحببتها لأنها كثيرات فى واحدة ، صعبة سهلة حرة فاتنة ، ذكية غبية خجول ماجنة ، كذابة صدوق ، هى فى الحقيقة ما كذبت قط ولكنها مثل العجائز إن أرادت قول الحقيقة مثلتها بحكاية تختلقها .
تطلق جنون ضحكاتها إذا ما داهمها خوف أو حل بها كرب ، وتذرف الدمع سخيا فى فورة فرح ، أحببت وجها ما رأيت مثله قط ، يؤاخى بين ملامح النحيب دمعا وتقطيبة حاجبين ، وبين ثغر يكركر .
لم أفتقد شيئا إلا مقازة لا يرى أخرها وخياما متناثرة فى العراء مثل حبات خال ترصع ظهر فتاة عارية ، وعواء ذئاب الليل ، وعزيف رمال تسوقها الزوابع وعيون الماء العذب ، وغناء حادى الإبل وتمايل أعناق جماله طربا مع الحداء وأرضا تلفظ كمأها فى الربيع وأراضى خبراء بعد ليال مطيرة ...
لم أفتقد شيئا إلا ما ذكرت ، والنجوم ، حتى النجوم تبدو فى الصحراء أقرب ، تكاد تقطفها بيدك مثل بلح نخلة فتية ، أما النجوم هنا فتبدو بعيدة فى سماء مدينة الطين ... مثل صالحة .


الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

لسعة برد


البرد شديد ، الظلام يسود متوترا ، الشوارع خالية ، اعمدة الإنارة يتطاير منها الشرر ، القمر خامل ، يتوارى مبتعدا ، أقطع أمتارا وكأنى أشق طريقا فى صخر صلد ، كلب يرتعش ، سيارة تمر مسرعة ، الحوانيت خلت من الرواد ، بائع فاكهة يجمع أقفاصه ويلملم العبوات والصناديق  الفارغة ، بعض اللافتات مازالت مضاءة ، مياه سقيا الحديقة انتهزت غفلة المسئول عنها فتخطت إلى الطريق المقابل ، ورشة الكاوتش أغلقت أبوابها وصانع الرخام يصف الأجزاء المتناثرة حول طاولته ، المخبز يخمد نيرانه ، كوافير بهجة  ، شعر وطلاء شفاه ، حلاق يعلو صوت أدواته ، بائع الحلوى وحيدا كما عهدته دوما ومتجر الكتب كسته خيوط العنكبوت ، المقهى مازال به البعض ، زهر النرد صوته واضح ، رائحة النرجيلة ، بخار يعلو من براد الشاى ، أم كلثوم تغنى ......هذه ليلتى .
كنا نجتمع ، نشعل قطع الأخشاب والحطب والأغصان الجافة والأوراق ، نملأ وعاءا بالشاى ، نشكل دائرة بالقرب من أعمدة النار نكسر بها لسعات البرد ، نطمئن بعضنا ببعضنا ، نوزع أكواب الشاى نرشفها على مهل ، ماكينة المياه صوتها يشق صمت الليل منفردا ، المياه تغيب كثيرا هذه الأيام ولا تأتى إلا فى اوقات متأخرة من الليل وبكميات لا تكفى الجميع ، ينتظر كلا منا ليال طويلة حتى يحين دوره فيروى عطش أرضه ، قسمنا أنفسنا مجموعات وكل مجموعة لها أوقات محددة ثم التى تليها وهكذا حتى تسقى كل الأراضى ، البعض طباعه غليظة وقاسية كقسوة الصخر والبعض طيب وهادئ كرائحة الطمى ، كنت صغيرا ، أخشى الظلام وعواء الكلاب ورؤوس الشياطين وسارقى البشر، كنت أحاول تناسى ذلك بالبقاء وسط المجموعة دوما وأشد الأوقات صعوبة هى تلك التى أضطر فيها للنزول إلى الأرض للاطمئنان على جريان المياه فى كل جوانبها وإبعاد ما يعيق جريان المياه وتمهيد الطريق لها فى كل نواحى الأرض ، حكايا الفلاحين ممتعة ، الشقوق التى فى أيديهم وأرجلهم مثل شقوق الأرض العطشانة وهكذا حياتهم ارتبطت بها فاكتسبوا منها كل شئ سماتهم وألوانهم وهيئاتهم ، جدى ...... وابتسامته وصوت محمد رشدى .....أدهم الشرقاوى .