الجمعة، 30 يوليو 2021

لم نعد صغارا " 20 "

 

منحدرات كثيرة فى الطريق وانعطافات أكثر ، منافذ تحصيل رسوم ، المناخ يتغير مع كل مسافة أقطعها ، شبورة أكاد لا أرى معها مقدمة السيارة ، ثم تطل شمس تفرق كل ذلك ، ثم يهب هواء طريا كنسيم الفجر ، ورياحا تحمل الغبار فكأنه يحمل الصخر معه .

الحنين قوى يتخطى قدرتى على التحمل ، تخور حصونى امام رياحه العاتيه ، تهب فجأة وكأنها خماسين ، فى ليلة باردة كعادة ليالى يناير ، زوابع من الشجون تثور داخلى ....

عصفور ينفض جناحيه رعشة وبردا ، تتساقط زخات المطر ، كرات ثلج بيضاء ، الخدود محمرة ، شاحبة ، الأنفاس حارة ، العيون زائغة ...

تائه بين كل ذلك ، اصارع حالى ، أفر من أقصى إلى أقصى ، مشقة وقسوة ، الوقت فى سجن الوجع ثقيل كقطار بضائع معطل فى ربع خالى ، كدمعة برئ هلك ظلما ، كصرخة وطن !

الطريق خالى والفراغ حولى أخذنى فتجاوزت السرعة المقررة بعض الشئ ، ألمح سائق أتوبيس قادم من الخلف يقلب إلى أنوار مصابيحه  ، يشير إلى أن أهدئ من سرعتى ، هذه المنطقة بها رادار لمراقبة سرعة السيارات ، أستمع لنصيحته وأراقب معالم الطريق ، الرمال بينى وبين البحر ، بالجوار الأصفر يطغى لونه وفى الأفق الأزرق يعلو ويبسط ، وسفن تشق أمواجه ، البحر هادئ فى هذا الصباح مناسب للملاحة والصيد .

بعد دقائق قليلة أجد كمينا قد أعد للسيارات التى تجاوزت السرعات المقررة ، يوقف بعض السيارات على جانب الطريق وينظر إلى ارقام سياراتى ثم يسمح لى أن أمر .

أراجع بنزين السيارة لعلمى أن المسافة تحتاج إلى اعادة تموين السيارة بوقودها حتى أتمكن من الوصول ، لا أجد محطة قريبة فأسير منتبها للطريق ومخفضا للسرعة شيئا ما حتى وجدت محطة بعد بضعة كيلومترات فتوجهت نحوها ، زودت السيارة بالوقود وغسلت وجهى ، توقفت لدقائق تناولت بعضا من المياه وشربت علبة عصير ثم واصلت السير .

الأربعاء، 10 مارس 2021

طبيب أرياف ---- د محمد المنسى قنديل .....صدرت عن دار الشروق

 

هى رواية عن الضعف ، الذل ، المرض ، الفقر ، الحب ، الرغبة ، المدينة ، القرية ، الصحراء ، عن العلم والجهل والجبروت ، عن المرأة وعنك ....

المقتطفات

- لا يستسلمون ولكنهم يعانون فى صمت لأنه لا توجد وسيلة غير المعاناة ..

- أمراض تمتد من شقوق الأرض إلى عروق دمائهم .-

- أدرك أن جذور المرض مقيمة فى مصر بينما الصحة عرض زائل ، مثلما تم خلق الظلام وجعله مقيما فى مصر ، راقدا فى ثنايا تربتها ووضع النور فى أماكن أخرى .

- يرددون دعوات متصلة بأن أعلو أكثر من العلو الذى أنا فيه ، كيف يمكن أن أعلو وكل هذا الانكسار بداخلى ، وهذا العالم يخلو من كل ما أصبو إليه ؟ ..

- نعبر قرى منسية وبيوتا واطئة وفلاحين لا يكفون عن العمل من سنين سحيقة ومع ذلك لا يستطيعون إبعاد الجوع عن بيوتهم ...

- مدينة واسعة مليئة بكل أنواع الأماكن وكل تواريخ الزمن ، لقد عشت فيها كلها فى أسوأ أماكنها وأغرب أزمانها ...

- تبدو بيوت القرية متلاصقة بشدة ، الجدران متساندة على بعضها البعض ، لو تفرقت لسقطت جميعا ، مغطاة بالقش ، يكفى عودا واحدا ليشتعل كل شئ .

- تلك الرهبة الطبيعية التى يُحس بها المصريون تجاه أى نوع من الحكام ، نوع من الخنوع يكمن داخل الجينات " كروموسوم " متوارث من الضرورى استئصاله .

- تقف فجأة على اطراف أصابعها وتمس بشفتيها خدى ، مسة خفيفة كرفة فرشاة ، كومضة ضوء ، كذوبان سحب ، أضع يدى على خدى مبهورا وعندما أفتح عينى أجدها قد اختفت من أمامى ....

- وصل جسده إلى درجة من المرض لا يمكن أن توجد إلا فى مصر .....

- تتمايل ذؤابات النخيل فى نعومة وتنفض الطيور البيضاء الندى من على أجنحتها ويردد الصدى أصواتا متباعدة ، ربما خوار بقرة أو نباحا خافتا لكلب ...

- أراقب الطيور وهى تدور حول رءوس النخيل ، طيورا مهاجرة جاءت من بعيد تستطيع العودة فى أى وقت تشاء ، لا تعوقها الموانع الأرضية التى تحول المكان حولنا إلى سجن والعواطف إلى توق ورغبات مكبوتة .

- ألق بذرتك فى أى مكان واصنع جذورا .

- كل امرأة هى أرض شَرقَى مهما مارست معها الحب فلا تُحس بالرى ...

- إن لم تفز فى معركة الفراش فكل معاركك خاسرة ..

- الصناديق لا تختار الرئيس ، الله وحده هو الذى يختاره ، ياتى به من المجهول ليحكم ويعلو قبل أن يختاره إلى جواره ، كل شئ عدا ذلك هو مجرد مسرحية .

- يبدو النهر ممتدا وساجيا بلا نهاية ، عاجزا عن الغضب ولكنه ينطوى على حزن قديم ...

- الصحراء لا ترحم ولا العربان يرحمون ....

- صوته كان مرتعشا ، لابد ان قسوة الموت قد أذابت جزءا من صلابته ...

- تُخيم على الصحراء كلها رهبة الموت حتى الريح تبدو كأنها توقفت عن أن تهب ...

- يهربون من قسوتكم ، الحياة قاسية بشكل عام ولكنكم تزيدون من قسوتها ...

- أنتم لا تمسكون إلا بخناق الضعفاء الذين يعيشون على الفتات وتريدون أن تشاركوهم هذا الفتات .

- ينزاح الضباب أكثر وتبدو الشمس وكأنها تبحث عن مخرج للشروق وتظهر هامات النخيل عالية ....



الجمعة، 22 يناير 2021

لم نعد صغارا " 19 "

 

أسرع إلى مسكنى ، أتدثر فى فراشى ، فرائسى ترتعد وقشعريرة تسرى فى أطرافى ، أغيب فى نوم عميق ، أجرى فى السهل الممتد ، أفر من وحش يطاردنى ، أهرب من ظلام ذراعه تناطح السحب ، طريق طويل لا ينتهى وخوف ينشر جنوده .

أغادر الفراش متكاسلا ، أتوضئ وأصلى ، أغسل الإناء وأضع المياه فى السخان ، أُعِد مشروب الصباح ، أفتح باب البلكونة ، أبُعد الستائر ، تطل الشمس ، تتأرجح الستائر يداعبها الهواء ، تلاطف الشمس وجهى ويلامس الصقيع قدمى ، أزيل التراب الذى اعتلى الكرسى والمنضدة بقطعة قماش بالية ، أخرج حاسوبى من حقيبته ، وأوصله بالكهرباء ، اصف قلمى واراقى أمامى ، أحضر أجندتى من مكتبتى ، أطالع الفقرة التى انتهيت إليها فى الكتابة .

تشغلنى اخبار العمل ومستجداته فأغيب معها قليلا ثم يأخذنى الحنين مجددا إلى الكتابة فأحول بصرى عن مواقع التواصل وأمنح قلمى وقته ليمارس شغفه .

يغرق كل شئ فجأة ، الطموح ، الأمل ، الأمنيات ، كل شئ يسقط منك رغما عنك ، حاولت وجاهدت ولكن لحظات الضعف فاقت قوتك وإرادتك ، يا أبى  يعبثون بكل شئ ، أحلام البسطاء وابتسامة الطيبين ، الجشع سيد الموقف والضباع حاصرت الغابة ....

يا أبى علمتنى أن أكون طيبا ، أزرع الأرض ، أنشر الخير ، أعطى السائل ، أعلم كل ساع وأعين المحتاج وما علمتنى كيف ألقى هؤلاء ؟ .... صنائع المعروف تفعل يا ولدى ... صنائع المعروف تكفى ..... الخير حصنك والعلم سبيلك والتقوى زادك يا ولدى .

أهجر كل ذلك وأبحث عن راحة أخرى ، أقطع مسافة طويلة ، مئات الكيلومترات ، بين الجبال والرمال ، بحر يقترب حينا وتخفيه الجبال أحيانا ، خمسمائة متر فوق سطح البحر ، الهواء يلفحنى ، الجبال ترتدى ثيابا بألوان زاهية وألوان واهية وألوان بالية وألوان فرحة وألوان باكية .

الطريق يطول ، الطريق يطوى ، الصحراء تتسع ، الصحراء تضيق ، القلب يخاف ، القلب يرقص ، النفس تطرب ، النفس ترتعد ، الأزرق مريح ، الأزرق مخيف ، الأزرق خائف .

الطريق غريب ، يتلوى كأفعى ، يرتفع حتى تظنه لامس السماء ، ويهبط حتى تراه غارقا فى زرقة البحر ، ومع منتهى كل نظر تعانق الرمال السحب كعاشقين اجتمعا على الحب فذابا فيه ...

" اللهم يا ذا الطول ، بك أحاول وبك أطاول ، أن أخرج من هذا التيه ، من هذا اليأس ، أن أجد باب الخروج ، سبيل الرشاد " – الدعاء مقتبس من كتاب القرأن نسخة شخصية .



الأحد، 18 أكتوبر 2020

طرفة عين

 

ثم تجد نفسك تصارع هذا الموج وحدك ، الشاطئ بعيد ، المياه تثور ، السماء كأنها غضبى ، السحب تكدست ، الرياح تجرى كأنها تفر من الزحف ، فى لحظة كل شئ يتبدل ، طرفة عين هى المسافة الفاصلة بين كل ذلك ، كــ حالى ، أتقلب فى لمح بصر من أقصى الوجع إلى أعلى الرضا والفرح ،" عجيب ، غريب" ، هكذا يقولون فى وصفهم ، كيف يمكنك التحول فى ذات الوقت بين نقيضين ؟ ، كيف تكون تضحك بملئ فيهك ثم تصمت فجأة وكأن أصابك سهم ؟ ، أنا أيضا لا أعلم لكنى على ما أنا عليه لم أتغير ولم أتبدل ولكن ربما هو شعور ينتابك فجأة ، لا تسبقه مقدمات ولا تملك له تبريرات ، عيونك توشك أن تبكى ووجهك يكسوه الحزن وملامح الألم تملكت تقاسيم وجهك ، تفضل الوحدة وترفض كل من يقترب منك وتبعده عنك خشية أن تفقده ، تفقد اللذة والشغف ، تشعر بالملل ويصيبك ضيق مفاجئ ، كدر يعلن فرض سيطرته ووجه عبوس يأبى أن يبتسم  .

ربما ما تعايشه أو ما عايشته يوما وما مررت به ، ربما لم تنعم بسلام كهذا قبلا فأصبح ذلك الهدوء غريبا عنك ، هى الأيام تصنع كل ذلك أنت مستسلم تماما لتوجهاتها ، تحاول أن تُمسك بالدفة فتفاجئك ، فتكابر وتحاول ان تقوى عليها فتثقل عليك أكثر ، هى أيضا لا تقبل بالهزيمة والتاريخ فى صفها فهي قديمة بقدمه وانت نقطة تكاد لا تُرى ....

ربما الاعتياد على حال معين يهيئك أن ترفض غيره ، فإنك إن قيدت عصفورا فى قفص لمدة طويلة حتى فقد أمله فى الحرية مجددا ثم فجأة نزعت الأصفاد وفتحت له الأبواب ، هل تظنه يغادر مكانه قيد أنملة ؟ فى اعتقادى لا ، لن يغادر مكانه وسيكتفى بالنظر إلى عينيك ويبتسم ، إنها جريمتك يا عزيزى فأنت فى سبيل إحيائه بداعى المحافظة عليه قتلته ، قتلت فيه الرغبة للمرح ، للتحليق ، للطيران ، للحرية ، وأصبح يدرك أنه فى قفصه آمن وخارج ذلك القفص الموت ينتظر اقتناصه ...

لست هشا كورقة شجر ولا صلبا كصخرة وإنما إنسان ، قد يكون فى طرفة عين هشا جدا كخيط عنكبوت وقد يكون فى طرفة عين قويا كجبال راسيات ، الموقف هو ما يصنع رد فعلك ونفسك وما صنعته معها وبها ...

تحاول تعلم عيش الوقت ، ان تحافظ على ذاتك فلا تهلكها بأن تحملها ما لا طاقة لها به ولا بأن تنصاع لها بالكلية فتصبح كأنها عهن منفوش تظنها عظيمة وهى لا تعدل جناح بعوضة ، طرفة عين تنقلك من حال إلى حال وما سمى القلب قلبا إلا لكثرة تقلبه وتنقله بين الأحوال بلمح بصر .

السبت، 10 أكتوبر 2020

فى قلبى أنثى عبرية – د خولة حمدى

 

ترددت قبل أن اكتب عن الرواية التى انتهيت من قرائتها مؤخرا مثلما أفعل مع بعض مما اقرأ فى الفترة الأخيرة ولكنى تذكرت الزفاف الذى قرأته عنه منذ بضعة أيام للأسير الفلسطينى المحرر "عبدالكريم مخضر" والذى كان قد أعلن خطبته على الفلسطينية "جنان سمارة" ثم أعتقل هو وبقيت هى  على العهد لثمانية عشر عاما حتى من الله عليه بالحرية مؤخرا وأتما عقد زفافهما فدفعنى هذا الوفاء إلى أن أكتب عن تلك الرواية التى قدمت لها كاتبتها د خولة حمدى قائلة أنها مأخوذة عن أحداث حقيقية .

لغة الرواية سلسة وأحداثها جذابة تطرق المشاعر وتأسر القلوب عامة ذات أثر طيب مقربة ومحببة للقلوب ، أحداث المقاومة ، عادات وثقافات أصحاب الديانات المختلفة ، التربية ، الثقافة ، الصراع والسعى للوصول إلى المعرفة الحقة ، صغيرة تحرص على دينها رغم أن عائلها يهودى ويهودية تقدم العون لمصاب كان يقاوم أهل ملتها ، الصراعات مختلفة ونظرة مغايرة لأحوال العرب اليهود مما يعادون الفكر الصهيونى ورؤية الإسلام بعيونهم ، القرب من أفكار واساليب التربية ، التعايش مع الأخر وصراع الدعوة ، المشاق عند تغيير العقيدة ، أحداث الحياة وصراعاتها فلا فرح يستوى على الدوام ولا حزن يبقى أبد الدهر .

ريما ، ندى ، أحمد ، حسان ، سماح ، سارا ، سونيا ، جاكوب ، تانيا ، أنابيلا ، دانا ، ميشال ، جورج ، سالم ... أب لم يحسن إلى أبنائه ، وزوج يختار الأبوة طريقا ، لبنان ، تونس ، فرنسا ، صيدا ، قانا وجرية ....

أحبة يرحلون فنُصدم ، صغيرة حلمت بالشهادة فنالتها ، صديق يحمل أخاه فى قلبه ، حب أقسم أن يبقى مهما امتد الزمن " سبع سنوات " ، واشتدت العوائق " غياب وبعد ودين ووطن ... " ، وفى القرآن شفاء وسكينة نفس وراحة قلب ...

استمتعت بالقراءة وتركت فى نفسى أثر ......


الثلاثاء، 6 أكتوبر 2020

الحياة ليست عادلة يا صديقى

 

أعتقد ذلك جدا ، نسعى فقط إلى أن نتجاوز ما قد يصيبنا فيها ، خلقنا من أجل رسالة معينة ، ومهمتنا تستلزم إنجازها وغياب العدالة حينا وضعفها أحيانا من الأشياء التى تجعل للرسالة معنى وهدف .

ألا تحب أن تتخطى هذا المنعطف ؟

إذن دع عنك هذه الأفكار وارتدى ثوبا مغايرا وفتش فى حافظات أسرارك ، ابحث فى خبايا نفسك ، ستجد القوة التى تبحث عنها ، يا صديقى النور موجود يتولد ذاتيا ، تسعى فقط أن تزيل الغبار الذى اعتلى تلك البلورة التى تزين المصباح من الخارج فجعلها تبدو وكأنها مشكاة لا نبع لها .

كل الذى تخطيناه كان صعبا وشاقا جدا ، كنا نظن أننا لن نقدر على تجاوزه ولكن الإيمان هو السر يا صديقى فبالإيمان كل شئ يكون ، أن تعلم أنك ما كُلفت إلا  بشئ تستطيعه حتى لو ظننت أنك لا تستطيع ، هى فقط المحاولة ، بعض الصخور يوحى مظهرها بقوة تعييك حتى عن مجرد التفكير فى الاقتراب منها وما إن تصيبها طرقة واحدة من معولك إلا وجدتها مفتتة  أمامك .

أن تنتصر على الخوف الذى يسكنك ثم تبدأ المحاولة ، اقتل خوفك ، حاول ، وحينئذ تجد الأهداف تحققت تباعا ، أما علمت أن الله أمر " مريم البتول " أن تهز براحة يدها جذع النخلة فيتساقط عليها الرطب طيبا ومن أين لأمرأة تضع وليدها وحيدة بعيدة من قوة لفعل ذلك  ، ولا تنسى أن تعطى مساحة أكبر للاختلاف فى النتائج ، فليست كل الأشياء تسير كما هو مخطط تحديدا فاحرص على أن تكون هناك العديد من الخطط " الخيارات " البديلة فذاك من الحكمة بمكان وتقبل نسب ودرجات التحقق يزيد الأمر يسرا ويمنح النفس الرضا .

انزع رداء القلق و توضأ بالمعرفة وولى قلبك شطر العلم وتطهر من كل ما يعيق عقلك وأرفع يديك وألقى خلف ظهرك كل ما يخيفك وقلب وجهك فى السماء وأمسك على حلمك بمجامع قلبك وأستقم فى طريقك وسر مقتصدا واغضض طرفك عن كل المفاتن وتيقن أن السعى بلوغ وأن البلوغ إرادة .

الخميس، 1 أكتوبر 2020

لم نعد صغارا " 18 "

 

الناس زائفون يا ولدى ، لا تغرك أقوالهم ولا تُخدع بأفعالهم ، إن هى إلا أقنعة يتوارون خلفها ، يخفون القبح ، البذاءة ، نظرات الخداع ، الدموع جنود مسيسة وربما يخفون عكس ذلك يا ولدى ، حتى يمكنهم العيش فى وسط هذا المجتمع المغرق بالخداع ، يدعون بالقيم والفضيلة ومن حولهم يموتون جوعا لا يجدون ما يكفى لسد جوع أطفالهم .

سر معى قليلا ....

انظر ذاك الجالس هناك ، لا تفارق المسبحة يده ، كلمات الشكر وكأنها حُفرت على طرف لسانه رغم ما قاساه من وجع ، زوجته توفيت ، ابنه اختفى فجأة ولم يعثر عليه ، واخوته اغتصبوا إرثه ولا يخفى عليك كم يكفى لمعاش شيخ فى مثل عمره ....

وهذه الفتاة تخرج متأنقة يقولون أنها تعمل فى شركة كبيرة ، السيارة كل يوم تأتى إلى هنا كى تأخذها وتعيدها فى أخر اليوم ، أما أنا فأعرفها جيدا ، تعمل فى البيوت كى تنفقها على إخوتها لغياب والديها ، هى تخفى ذلك حتى لا يعاير أحد إخوتها بسبب عملها ، تعرف جيدا الناس لا يتركون أحدا وشأنه وسيرة الغير هى فاكهة المجالس .....

ذاك الشاب الذى لا يقوى على الحركة ، قريبا كان قويا مفتول العضلات ، يمشى بين الناس يختال بقوته وهيئته وبنيته ، العيون لا ترحم يا ولدى ، انظر إلى ما آل إليه حاله ، أصبح ضعيفا واهنا أصابه خبيث المرض ، العين تقتل يا ولدى وتدخل الجمل فى سم الخياط ....

البيت البديع الذى عن يمينك ، يقولون أن صاحبه عثر على قارورة بها قطع ذهبية قديمة عندما كان يهدم البيت القديم وقالوا أنه تاجر فى الأثار وقالوا أنه تاجر فى المخدرات ، قالوا وقالوا يا ولدى ..... والحق يا ولدى غير كل ذلك ، قص على ذات مساء أنه صنع خيرا لأحدهم فجزاه الله فوق الإحسان إحسانا فأنعم عليه بما لا يحصى له شكرا .....

الدنيا يا ولدى خداعة ، ما تراه بعينك ليس دايما هو الحق وما يتكلم به الكثير غالبا لا يكون صائبا فالشائعات هنا تربتها خصبة فما أن تلقى ببذرتها حتى تنتشر كالنار فى الهشيم فى ساعة قيلولة .....

السبت، 5 سبتمبر 2020

1970

 

بشكل مغاير وباستخدام ضمير المخاطب يعود إلينا " صُنع الله إبراهيم " بروايته الجديده وكالعادة من إصدارات دار الثقافة الجديدة ويسرد علينا تفاصيل العام الأخير فى حياة " عبدالناصر " .

الراوى يرتدى زى عبدالناصر ويخلع عنه الصورة التى يراه الناس بها ويترك عبدالناصر يتحدث مع نفسه وعن نفسه ، عن أفعاله وتصرفاته ومواقفه وحكمه عليها ، عن محاسبته لنفسه ، يذكر خططه وأخطاءه ، حرائق القاهرة ، البدايات ، الانتصارات الصغيرة والانكسارات الكبيرة ، التخطيط ليوليو ، حرب اليمن ، الأحداث الدامية فى الأردن وقتال كتائب المقاومة الفلسطينية ، عمان وحربها الأهلية ، انقلابات وصراعات فى كل الدول العربية ، سوريا ، ليبيا ، العراق ، جيفارا ، كوبا ، الثورة ومقتضياتها ، حكم الرجل الواحد ، الاتحاد السوفيتى ، الملك حسين ، ياسر عرفات ، الفتن ، الخيانات ، مجلس قيادة الثورة ، الملك ، الدعم ، الاقطاع ، عبدالحكيم عامر ، عبدالمنعم رياض ، أنور السادات ....

العدوان الثلاثى فى 56 ، نكسة يونيو 67 ، البيت والأسرة ، تأميم القناة وكلمة السر ديليسيبس ، الحلم العربى ، الضغط على الاتحاد السوفيتى للحصول على التسليح اللازم ، نيكسون والدعم غير المحدود لاسرائيل ، حرب الاستنزاف وغارات هنا وهناك ، الأحزاب الشيوعية ، الاخوان المسلمين ، مجلس الأمة ، تشكيل أحزاب المعارضة ، دخول المدارس وأسعار المهمات المدرسية والزى المدرسى ، حلم السد العالى ، عبدالحكيم عامر ، برلنتى عبدالحميد ، شمس بدران ، زيزى مصطفى ، عبدالحليم حافظ ، أم كلثوم ، عبدالوهاب ، نجيب محفوظ ، السنهورى ، هيكل ، التنحى ، الأخطاء القاتلة .

الحياة العامة فى شكل ما ينشر فى الجرائد من اخبار ، تخفيضات على اسعار الثلاجات والبوتجازات ، التفكير فى ادخال التلفزيون الملون ، النجاح الساحق لفيلم ذهب مع الريح ، شروق وغروب ، الذكرى السنوية لشهداء الجبهة ، نتائج الثانوية العامة ، ايقاف انتاج السيارة رمسيس بعد زيادة انتاجها ، افتتاح مصانع لانتاج الصلب ، زيارات الرئيس للاتحاد السوفيتى والسفر من هنا لهناك ، مطروح ، اتفاقيات وقف اطلاق النار " روجرز " والرفض العربى لها  وتهدئة الأوضاع بين كتائب المقاومة والسلطات الأردنية .

ألام الساق وتصلب الشرايين ، قهوة السادات ، عصير الابنة ، ومسرحية قديمة يموت فيها البطل على يد أقرب الناس إليه .

يوميات تنتهى فى أواخر سبتمبر فترحل مغادرا العالم  بعد انقضاء القمة العربية .

وختامها

خذلت نفسك وخدلتنا ... ثم ذهبت ، وذهبت معك مقدرات الأمة وآمالها .... إلى حين .



الجمعة، 4 سبتمبر 2020

حديقة الأرامل

 

مجموعة قصصية للروائى والقاص العراقى " ضياء جبيلى " المولود فى البصرة ، له العديد من الروايات مثل " لعنة ماركيز – وجه فلسنت القبيح – بوغيز العجيب - أسد البصرة – المشطور .... وغيرها " والعديد من المجموعات القصصية مثل " ماذا نفعل بدون كالفينو – لا طواحين هواء فى البصرة – حديقة الأرامل " ، شارك فى العديد من الكتابات المشتركة وحصل على العديد من الجوائز الأدبية .

حديقة الأرامل مجموعة قصصية تحوى سبع عشرة قصة تنوعت بين الواقعى والغرائبى والفانتازى وللحرب أثر باد على ما ورد فيها ورائحة البصرة تطغى عليها .

عمر الورد

طفلة ولدت كلما دمعت عيناها فاضت الروائح والعطور والنعمة التى ولدت بها جعلها أبواها والمحيطين بها نقمة عليها حتى أكل الطمع بهجتها وكانت بعمر الورد .

البحث عن الزمن المفقود

عن العمر الذى تقضيه وتظن أنك تنجز وتبلى بلاء حسنا وتعتلى فى وظيفتك أعلى المراتب حتى يجرى الزمن وتجد نفسك بلغت أوان التقاعد فلا يبقى لك سوى اصطحاب حفيدتك إلى الحديقة للتنزه وإلقاء أكياس القمامة وفجأة تجد نفسك تقلب فى أكياس القمامة وسط طابور من المتقاعدين مثلك عسى أن تجد شيئا هاما أو بعضا من الزمن المفقود .

محنة الجندى حميد

أن تؤخذ من الدار إلى النار مباشرة ، لم تمنعهم بنيتك الهزيلة من ذلك ولا قلة معرفتك ولا نقص إدراكك وفجأة تجد نفسك ملقى وسط أكوام من الجثث والأشلاء ، تهم بالقيام فتخشى القناصة وتهم بالحركة فتخشى الأسر وتهم بالحديث فتخشى أن يفتضح أمرك فتؤثر الصمت لساعة والساعة جرت فى ذيلها العمر حتى انتهى وما عثر منك سوى على بقايل هيكلك العظمى ....

الذكرى السنوية

طوال العام بكامل أناقتك واتزانك ورجاحة عقلك وحسن تصرفك إلا فى هذا اليوم ، تذهب الى الميدان وتخترق الشارع وفى منتصفه ترتمى على الرصيف وتتجمد مكانك تلقى بأذنيك وتشخص عينيك ولا يقوى أحد على تغيير موضعك ، ظنوك مجنونا تارة ومتسولا تارة ومريضا مرات أخرى ، يبعدوك أحيانا وفى السجن تقضى أياما وفى المشفى الكثير من الوقت وأنت لا تدرى لما حتى ينقضى العمر وأنت على عادتك ولا تعرف ولا يعرف أحدا سرك إلا ذاك الذى أصيبت زوجته عندما كانت تمر بنفس الموضع .

الذراع

تتسلل ، تستلقى بجوارها ، تنتبه لك ، تفسح لك المجال ، تتوسد ذراعك ، ينقضى الوقت ، ساعة وساعة أخرى ، تشرق الشمس ، ينتصف النهار ، يمر اليوم والذى يليه وتتوالى الأيام حتى انتفخ جسدها وخرجت رائحتها و...... انتهى .

الشاعر والصمت

أن تظل تبحث عن هويتك ، عن نجاحك طوال سنوات عمرك وتتعثر كثيرا ، تشيب ويجرى العمر بك ، تُدعى لتلقى قصيدة ، تعتلى المنصة ، تقف أمام الجميع الذين لطالما وددت أن ينتبهوا لك ، تتجمد فى فمك الكلمات ، تتخشب مكانك ، تنظر إليهم طويلا وأخيرا تقول " وشكرا " ، يصفق الجميع ويطرونك ويمدحونك وكأنك أتيت بما لم يأتى به أحدا ، تنهال عليك العروض وتتسابق إليك القنوات وتحيطك الصحف فتضحك وتضحك وتبكى ..... ويقتلك الصمت .

العش

تسريحة شعر مميزة ، تصطحب كتابا وتجلس فى المكان المعتاد وكالعادة لا ينتبه لها أحد ولا يلقى أحد عليها كلمة غزل ، وأمامها يجلس هذا الذى تحيطه العصافير ووحده مدح تسريحتك ، يعجبك انتباهه فتفعلى مثل النساء الأخريات لجذبه ولا ينتبه ، تبدلى تسريحتك بذيل حصان  فيغيب ويغيب ، يحط عصفور على كتفك ويأبى الرحيل ، يعرض عليك صبى شرؤاه فتوافقين ، تسألينه هل يفهم ما يقول ؟ فيجيبك نعم  .... فقد عشه .

وقصص أخرى ختمت بـــ

" لا تخافى ....هذا ليس بياض العمى ، هذا بياض اللؤلؤ ، خبأته لك فى عينى كى لا تطوله أيدى النساء " .



الأحد، 9 أغسطس 2020

لم نعد صغارا " 17 "

 

الوقت طويل سرمدى كأنه لا ينتهى ، الليل هرم كشيخ عجوز أضعفته الفواجع والسنون ، الفجر ابتعد ، ولى وكأنه فر من الزحف ، الوجع استقر كجبال راسيات ، الجروح واعرات ، يخترقن الجسد ويكسرن الضلوع ، الوطن تائه ، حائر وسط الدروب ، ملقى به وسط الظلمات ، ظلمات متراكمة طبقات فوق بعضها كأنهن موجات ..

ناى حزين ونحيب ينبع من قلب أم كلمى وأب لم تحل شيبته بينه وبين البكاء كأنه طفل يصرخ طلبا لثدى امه ، دموع تخط طريقها على ناصية وجوه اعتادتها فلم تضل يوما طريقها إليها ، وحدها الدموع تحنو عليهم فى عالم اتخذ القسوة سبيلا ...

أتم الطريق سيرا أطالع تلك الوجوه ، كل وجه وحده حياة ، حكاية سطرتها الأيام ، أثار الزمن بادية محفورة فى كل جبهة وناصية ، شقوق تخللت أقدامهم كأنها شقت فى اجسادهم قنواتا للسفر ، جلود جافة غليظة أشد قسوة من الصخر ، عيون بريئة تبتسم فكأن الدنيا كلها تضحك ، عيون مكلومة تبكى فكأن العالم لم يرى يوما فرح ...

تمر كل يوم قبل الظهر وقبيل الغروب ، تقلب فى صناديق القمامة ، تبحث فيها عن اى شئ تقتات به ، يصحبها أطفال صغار وقد يأتى بدلا منها إحدى قريباتها ، أم أحسبها فى عقدها السادس ، ولم يمنعها ذلك من السعى لاكتساب رزقها ، قالت لى ابنى وزوجته وأولاده وزوجى وعائلتى ، الفقر يا ولدى هو ما يجعلنى أقلب فى صناديق القمامة ، أولاد الحلال يعرفوننى فيضعون لى بعض الأشياء بجوار الصندوق فأتى لأخذها وأبحث بالصندوق عن بقايا الطعام أو ما يمكن بيعه فنكتسب ما نعيش به ونستعين به على قضاء حاجاتنا ، عارف يا ولدى بنت ابنى الصغيرة سلمتها لسيدة لتخدمها فى بيتها واشترط عليها ان تحسن معاملتها ، تعيشن عندهم يا ولدى طول الوقت ، طلبت منها ألا تظلمها ، على الأقل أكون قد أودعتها فى مكان نظيف تجد فيه مكانا لنومها ولقمة تسد جوعها وترفع عنى حاجتها فأتفرغ لاخوتها ، أبيهم " ولدى " سقط أثناء عمله فأصبح قعيد وأنا نظرى بيروح يا نضرى وليس لنا أى مصدر دخل ولا عمل ولا أحد ينفق ، ولدى فى حاجة إلى عمليات كثيرة وعلاج مستمر لا نقدر على ثمنه ، ابنائه ايضا منهم المريض ومنهم الرضيع حتى أنى لا أستطيع إلحاقهم بأى من المدارس ، أتعلم لا مأوى لنا ، فاعل خير تفضل علينا ومنحنا غرفا فى بيته نعيش فيها ونحرس له بيته ، أولاد الحلال يعرفون مكاننا ، يرسلهم الله إلينا دوما يا ولدى ....

الطفلة الصغيرة لديها مرض فى قدمها ، أحب هذه الطفلة ، أعشق ابتسامتها ، كأنها ملاك مترب الوجه ، تحتاج فقط أن تبدل الثياب وتغتسل فتصبح اجمل أطفال الدنيا ، تنظر لى الصغيرة بعيون فرحة دامعة وكأنها تعاتب كل العالم بهذه النظرة فتخالط دمعتها دموعى .