الأحد، 6 مارس 2022

قراءات صباحية

 

باكرا اليوم طالعت مقالا للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله عنوانه استرخ من فضلك وجدتنى بعد قرائته أدع الهاتف جانبا وأشد على الغطاء وأحاول أن أنام ، حاولت كثيرا دون جدوى ، يذكر رحمه الله مواقف حدثت معه وتحدث معنا أو من تعرض لذات الموقف بنفس التفاصيل تقريبا فمن تعلم ركوب الدراجات قطعا سيكون قد سمع ممن يعلمه أنه لابد أن ترخى أعصابك وقد عانيت حتى تعلمت ركوب الدراجات وذكرت ذلك قبلا ، كذلك من حاول قيادة السيارات فقطعا سمع المثل من مدرب القيادة ومن تعلم السباحة أو حاول ذلك قطعا سمع ممن يعلمه أنه لابد أن تترك أعصابك كليا حتى تجد نفسك تطفو وحدك على سطح الماء دون اى حاجة الى جهد وان شددت أعصابك غرقت ، ثم ذكر مواقف حدثت معه أثناء ممارسته الطب ولو اتبعنا نفس النهج وذكرنا ما يحدث معنا من مواقف أثناء ممارستنا لحياتنا اليومية سواء فى العمل او العلاقات الأسرية والخارجية لوجدناها كلها لكى نتمكن من إنجازها بأقل الأضرار لابد لنا من الاسترخاء جيدا لفعل ذلك ، ثم ختم مقاله رحمه الله بأنه فى سبيل محاولته تعلم فن الاسترخاء أهدى إليه كتابا عن اليوجا فى حجم خروف صغير وعندما فتحه قرأ فى فصله الأول " قبل أن تدرس اليوجا يجب أن تسترخى .. تسترخى إلى أقصى حد " مما يعنى أن على أن أسترخى كى أتعلم طريقة الاسترخاء .

قبله كنت قد انتهيت توا من مطالعة مقال عن مذبحة القلعة التى اعدها محمد على للمماليك فى الثانى من مارس لعام ألف وثمانمائة وأحد عشر من الميلاد أثناء الحفلة التى أٌقامها لتنصيب ابنه طوسون على رأس الحملة المتجهة إلى الحجاز وبعد انتهاء الحفلة وبعد أن امتلأ الجميع من الأكل والشرب والغناء والترف والمرح ونادى المنادى بالانصراف وأثناء اتجاه المماليك للخروج من باب العزب أغلقت فى وجوههم الأبواب وفتكت بهم البنادق وأعملت فى رؤوسهم السيوف حتى تخطى حجم القتلى المتكدسين فوق بعضهم الأمتار فى بعض الأماكن ثم انطلق الجنود إلى بيوت الأمراء واتباعهم وأجوارهم فعملوا فيها سلبا ونهبا واغتصابا وسبيا وساد الهرج والمرج ولم تهدأ الأمور حتى نزل محمد على فى اليوم التالى ماشيا يتبعه أمراؤه وجنده فأمر بقطع عنق اثنين من النهابين وقطع طوسون ابنه رأس أخر وهكذا هدأ الأمر إلا أن مطاردة الفارين لم تنتهى .

يؤكد الجبرتى: «عدد القتلى فى هذه الحادثة أكثر من ألف إنسان، أمراء، وأجناد، وكشاف، ومماليك، صاروا يحملون رممهم على الأخشاب، ويرمونهم عند المغسل بالرميلة، ثم يرفعونهم ويلقونهم فى حفر من الأرض فوق بعضهم البعض، لا يتميز الأمير عن غيره، وسلخوا عدة رؤوس من رؤوس العظماء، وألقوا جماجمهم المسلوخة على الرمم فى تلك الحفر، فكانت هذه الكائنة من أشنع الحوادث التى لم يتفق مثلها»  

يسأل «جيلبرت سينويه» فى كتابه «الفرعون الأخير، محمد على» ترجمة «عبدالسلام المودنى»: «هل يجب تذكير من يستنكر هذه العملية أنها تدخل بشكل طبيعى فى إطار ما كان معروفا فى الأعراف السياسية لذلك العصر ولتلك المنطقة؟.. فالصدر الأعظم والقبطان باشا قاما بمثل ذلك فى أبوقير والقاهرة فى أكتوبر 1801، وسيقوم السلطان محمود الثانى بعمل مشابه ضد الانكشارية فى استانبول سنة 1827، وقام بونابرت شخصيا فى مارس 1799 وتحت أسوار يافا بقتل حوالى ألفين وخمسمائة سجين دون أن يرف له طرف " ..

وأتساءل إلى أى درجة كان محمد على مسترخيا حينما جلس يشاهد جنده يقطعون الرؤوس ويضعونها تحت قدمه كى يحصلون المكافأت والهدايا التى وعدهم بها وهل كان نابليون مسترخيا مثله وهل كان على مثل حالهم السلطان محمود الثانى والصدر الأعظم والقبطان باشا ومن فعل ذلك مثلهم قبلهم أو بعدهم ....

علمت أهمية الاسترخاء أكثر عندما غادرت مسكنى وتوجهت نحو عملى وفى الطريق توقفت أمام مخبز لأبتاع منه بعض أرغفة الفينو وفجأة أخبرنى البائع بأنه اعتبارا من اليوم أصبح ثمن الرغيف جنيه واحد .

السبت، 5 مارس 2022

على شفا بحيرة

 

تغادر مكانك ، تهبط درجات السلم ، تجد القطة نائمة بوداعة عند مدخل البيت ، تطفئ المصابيح المضاءة منذ الليل ، تغلق الباب وراءك جيدا ، تتنفس ، تُقلب وجهك فى السماء ، تلتفت يمينا ويسارا ، تنظر إلى البيوت والشرفات ، الكل نائم والكون يستيقظ على مهل ، تفتح باب السيارة ، تضع حقيبتك وتشغل السيارة وتتركها بعض الوقت كى تستيقظ هى الأخرى من سباتها ، ترجع إلى الخلف ثم تسير إلى اليمين بخطوات بطيئة وعند تقاطع الشارع مع الطريق تتمهل قليلا وتطلق صافرات التنبيه ، تنحدر يمينا مجددا وتواصل سيرك ، فتاة صغيرة تعبر الطريق تحمل على كتفها حقيبة وفى يمينها حقيبة أخرى ، تنتظرها سيدة على جانب الطريق فى سيارة صغيرة ، تنتظر حتى تمر ثم تواصل سيرك .

عمال النظافة يجلسون على جانب الطريق يرتدون زيهم الأخضر ، سيارة لإعداد المشروبات تقف يمينا على ناصية الطريق تقدم مشروبا ساخنا لشاب ترجل من سيارته ، تدور ناحية اليسار وعن يمينك ترى جماعات من الناس تفترش الرصيف ينتظرون السيارات التى تقلهم إلى مقار عملهم ، تواصل سيرك إلى أن تصل وجهتك ، كل الأماكن المجاورة مازالت مغلقة ، سيارة حمراء ربع نقل تقف أمام بقالة صغيرة يترجل منها سائقها ويدفع بمفتاحه فى القفل ويرفع باب المحل ، تغادر السيارة وتحمل حقيبتك وتصعد إلى مكانك ، تعد مشروبك الصباحى وتتناول معه قطعا من البسكويت ، تصف الأوراق أمامك ، عقارب الساعة هى من تؤنسك فى تلك الأوقات ، أصبحت صديقتك ، تعد عليك أوقات تواجدك وتحصى لك أوقات غيابك ، تُخبرك متى شُغلت عنها ومتى انتبهت لها ، كانت مؤخرا تمل من إهمالك فأصبحت تتأخر وتتراخى عن أداء عملها ، فتكسل وتنام أكثر الوقت ، أما الآن فعاودت سيرتها الأولى ، تدون المهام المطلوب القيام بها ويخطر فى بالك المغادرة لإنجاز بعض المهام المؤجلة .

تتردد قليلا ثم تستعن بالله وتقرر إنجاز ما أكثرت من تأجيله ، ترتب الأعمال مع زملائك ثم تصطحب أحدهم معك وتبدأ رحلتك ، تطمئن على إطارت السيارة ، يطلب منك صديقك ان يتولى هو القيادة فتوافق ، بسم الله توكلنا على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، دقائق قليلة تقضى فى طرقات المدينة قبل أن تنتقل إلى الطريق الرئيسى الذى يعج بالسيارات ، أخر مرة كنت فيها فى هذا الطريق ربما قبل عامين أو يزيد وكانت مهمة لإنجاز بعض الأعمال لعميل فى مدينة ساحلية ، تطورات كثيرة ألحقت بالطريق وبدلت الكثير من معالمه .

الشمس قوية هذا الصباح ، تصدم وجوهنا مباشرة ، تنبه صديقك إلى عدم تجاوز السرعات المقررة ، بعض الوقات فى مناورات على الطريق مع سيارات أكثرها من النقل الثقيل ، تصل إلى الكارتة ، تسدد رسوم مرور الطريق ثم تستمر قبل أن تنعطف يمينا مستقلا لطريق جديد ، الطريق جيد إلى حد ما ، تغيب عنه أعمدة الإنارة كثيرا والقليل الموجود منها تستخدم الطاقة الشمسية لتشغيله ، مزارع كثيرة على الجانبين ، تتقدم كل منها لافتة تحمل اسم احدى الشركات ، قصر ذهبى فخم وسط الحقول وسياج يدور حول تلك المساحة ، وبالسياج بوابات تتقدمها أكشاك حراسة ومراقبة .

لافتات منتشرة على الطريق لتعريف المسافرين بالطرق والتفرعات المتجهة نحو المدن التى يريدونها ، تتخطى بوابة للعبور وتسدد رسوما مجددا ، تتخطى كمين أمنى أشار إلى الكثير من سيارات النقل للتوقف يمينا ، تواصل السير ، بعض الباعة كالعادة على الطريق ، تدور يسارا ثم تسير ببطء قليلا وعلى مهل تتجه ناحية اليمين إلى أن ينبت أول الطريق فتنعطف كليا داخله ، على اليمين تبدو فى الأفق مدينة اجتزأت من المياه مساحة لتسكن فيها ، قوارب صيد كثيرة وممرات صغيرة تتسلل إلى داخل البحيرة ، تتخذ منها سيارات النقل الخفيف مسارا تحمل من خلاله الأسماك ، الكثير من مثل ذلك منتشر على طول البحيرة ، أحدهم نزل بسيارته إلى الماء يغسلها ، نواصل المسير ، ترقبكم مياه البحيرة والأكواخ والمناطق المهملة والتى سيأتى يوم ويحسن استغلالها حتما ، تنتشون من رائحة شى الأسماك وغيوم أطلت تغطى رأسيكما .

لافتات تخبركم أنكما اقتربتما من وجهتكما ، خرائط جوجل تخبركما عن كيفية مواصلة السير داخل المدينة ، وكعادة كل المدة هذه الأيام الكثير من التكسير فى الشوارع والحواجز فى الطرق ، تسألون المارة فيرشدونكما إلى المكان الذى تسألان عنه فتتجهون إليه ثم تبحثان عن مكان تصفون فيه السيارة ، تسأل السائس عن المكان المنشود فيرسل معكما أحدهم فيصحبكما إلى مكان مغاير فتعتذرون للرجل وتسألونه عن الأخر فيخبركم فتغادرون متجهون إليه فيتبعكم "السمسار" الذى أرسله معكما السائس ليرشدكما إلى وجهتكم ، يحاول السمسار تحصيل عمولة من الطرفين على عمل لم يفعله ومعروف لم يصنعه ولكن ما باليد حيلة ، تقضون اليوم وتنجزون ما أتيتما من أجله وعند العصر تبدأون رحلة العودة .

الطرق مزدحمة الأن أكثر ورائحة شواء الأسماك تزداد أكثر وأكثر والشوارع تضج بالباعة والناس والسيارات تتداخل وجهاتها وكل منها يلقى براسه ليسبق غيره ، رؤوس النخيل تداعب النسيم والشمس تغرق رأسها فى البحيرة لتدرك الغسل الأخير قبل أن تبيت ليلتها ثم تودعنا بشفقها الأحمر تبكى على يوم لن يعود .



الثلاثاء، 1 مارس 2022

المؤذن

 

يتخطى الجميع ، يبحث عن فرجة يجلس فيها ، يلتفت حوله ، كاد أن يتعثر بالجالسين ، يجد فرجة صغيرة ، دس نفسه فيها وجلس متكئا ، عيناه مثبتتان على الشيخ ، تنهمر الكلمات من فيه كأنما تهبه الحياة ، كل كلمة تتلقاها أذنيه وتقسط بها على قلبه فتلمع عيناه وتنفرج أساريره وينشرح صدره .

سنوات طوال يتنقل فيها بين الموالد والليالى بصحبة فرقته ، مزماره معه فى النهار يقوم بصيانته وعندما يخلو بنفسه يستمع إلى الست ثم يحاول مع نفسه أن يعزف ما سمعه من فرقتها ، يقتضى وقتا طويلا يعيد العزف إلى أن يجيده ، ينفخ فى مزماره كأنما يقاتل نمر شرس .

زفة فى عرس أحدهم أو ليلة يقضيها فى مولد سيدى ابو مسلم أو سيدى الشيخ جوده او سيدى خضر أو سيدى أبو مسافر ... ما أكثر الموالد فى بلد تعج بأولياء الله الصالحين والمشايخ ومريديهم ورفاعية وصوفية وخلواتية و ..... لن تستطيع لذلك حصرا ، مع فرقته وبصحبة ألاتهم مهمتهم الترويح عن الناس بالانشاد والذكر ، يدعوهم أكابر القوم ، كل عائلة تصنع لنفسها خيمة وتنقل إلى الخيمة كل ما تحتاجه من متاع ، أجولة من الأرز والدقيق وأقفاص من الطماطم والخضروات وشعلات ومواقد وأنابيب غاز ، أطباق وأوانى وموائد تنتشر ، الذبائح لا تكف ، وروائح الشيشة والحشيش لا تنضب ، كل عائلة تتبارى أن تظهر أنها الأغنى وأن خيمتها هى الأفضل وأنها فى الضيافة هى الأكرم ، كل عائلة تتعاقد مع منشد لإحياء ليلة من الليالى ، عادة تكون مدة المولد سبعة أيام ، أسبوعا كاملا فى ليلته الختامية تعد زفة كبيرة يتقدمها أكابر العائلة التى تدعى مسئوليتها عن خدمة مقام الشيخ وقبره ، يمتطون جيادا بيضا زاهية ويحملون رايات خضراء ويكتسون بأفضل وأزهى الثياب وكأنه سقط الوقار عليهم لتوه ، وتصنع الهوادج على الجمال وتعبء بالنسوة والأطفال ويطوف من حولهم المريدون يحملون سيوفا صدئة والبعض طوقت الثعابين عنقه وسيارتان رع نقل تحملان الفرقة الموسيقية وألاتها كى يعلو صوت الانشاد والذكر .

يقضى الوقت منسجما مع معزوفاته ، تنسحب منه روحه وتبحر فى عالم مختلف فينهمر منه العرق فكأنه بال فى ثيابه ، يتمايل الناس أمامه وتعلو الأصوات ، تسحر الألباب وتُسكر العقول ، الله ... الله .. قول كمان يا مولانا ، يرفع أحدهم ذراعه ويعلو صوته ....الله حى الله حى الله حى ... يسقط منه ثوبه من فرط انتشائه ، فيعيد ويزيد ويعزف وينشد ويتمايلون أكثر وأكثر ، يواصل إلى أن تنتهى فقرته ثم تبدأ السهرة مع منشد الليلة ، أحد مشائح وأعلام المدح ، الشيخ أحمد مجاهد ، البنا ، الشوبكى ، عبد للمعبود ، الشيخة سمية ، وأحيانا فاطمة عيد وابنتها شيماء ... وغيرهم " .

يدخل إلى الخيمة ، يلتهم الطعام وكأنه ثور جائع فيأكل إلى تنتفخ بطنه ، مواعيد الموالد وأماكنها ثابتة كل عام وتتوالى فهذا الأسبوع هنا والذى يليه هناك وهكذا ...

تعجبه فتاة فينكحها وترفض أمها أن تصحبه فتبقى عند أهلها ولا يراها إلا فى أسبوع المولد الذى ينعقد فى بلدهم أو ربما يتسلل لها خلسة من الوقت عندما يغلبه الشوق إلى حضنها فقد علمته الغنج وأرته العشق كما لم تفعل غيرها امرأة .

يتزوج بقريبة له فى قريته النائمة وسط بساتين نبتت فى الصحراء كبقة زيت فى بحر ، أنجبت له ابنة كأنها القمر وتلتها بابن اتخذه سندا وصاحبا ثم أقعدها المرض ...

يقضى الليل وحيدا تعاتبه نفسه وتلومه ولا يرتاح لمطعمه ومشربه ويفكر أن رزقه لا يطيب له ولابد أن يغير طريقه ، يسير فى الليل يبكى ويستند الى السور الطينى المحيط ببستان الباشا فى تلك المزرعة التى تتخطى المئة فدان ، يسقط فى سيره مغشيا عليه فيرى وكأنه وحيدا وسط ضباع جائعة وكلها تقترب منه وتحيطه ويصرخ ويصرخ وينادى ثم قفزت عليه فجأة فأغلق عينه واستسلم لمصيره ثم أفاق .

تزوجه زوجته بأخرى قريبتها صغيرة فى السن لعلها ترعاه وترعى أبناؤهم فتنجب له الأخرى طفلين ويعاجلها المرض فتموت .

يحدثه قريبه معلم القرأن أن هناك مسجدا بمدينة قريبة يحتاج إلى مؤدى شعائر أن كان يريد ، فيبكى ويبتسم ويسجد لله شكرا .

يحين موعد الأذان فيتقدم بخطى ثقيلة ، يغلق المذياع ويرفع السماعة إلى فمه ويضع يده على أذنه ويرفع النداء

الله أكبر الله أكبر ............ لا إله إلا الله

ويسقط مغشيا عليه .



واجب مدرسى

 

أرسل لى صغيرى يسألنى عن واجب مدرسى مقرر عليه " لخص قصة قرأتها للأديب نجيب محفوظ " ، صغيرى بالصف الخامس فى المرحلة الابتدائية ، لا أظن ان واضع السؤال يشك أن أحدا سيكون قد قرأ شيئا مما كتبه أديبنا الراحل نجيب محفوظ فضلا عن أن يستطيع القيام بتلخيص تلك القصة فى ثلاثة سطور ، كما أكاد أجزم أن معلمينه أيضا لا يعرفون شيئا عن نجيب محفوظ سوى المشهور عنه والمتداول اعلاميا وأشك إن كان منهم إلا القليل قد قرأ شيئا مما كتب ، أذكر قديما أنه كان من المقررات الدراسية قصة كفاح طيبة وهى الرواية التى أتم بها ثلاثيته التاريخية التى بدأ بها حياته الروائية قبل الانتقال الى بحور الحارة الواقعية قبل أن يصبغ عليها شيئا من الفانتازيا والرمزية التى واصل فيها حتى توقف عن الكتابة فى 2004 قبل أن تدركه الوفاة بعد ذلك بنحو عامين ، قلت له يا صغيرى أكتب لهم لم أقرأ شيئا مما كتب الأديب نجيب محفوظ ولم أكن أعرفه ، سألت أبى عنه فأخبرنى أنه الأديب المصرى الوحيد الذى حصل على جائزة نوبل فى الأداب ، عاش من العمر 95 عاما ، شغل العديد من الوظائف وكتب الكثير من الروايات والقصص والأعمال المسرحية وحولت الكثير من كتاباته إلى أعمال فنية ، لم يشتهر نجيب محفوظ فى أدب الطفل مثلما هو معلوم عن أديبنا رائد أدب الطفل فى مصر " كامل الكيلانى " وقد كان مقررا سابقا فى المدارس ترجمته لقصة " مصباح علاء الدين " ومن تراجمه المشهورة أيضا " السندباد البحرى ، نوادر جحا ، روبنسون كروز ، حى بنى يقظان ...." .

أعلم أن للسؤال أهمية ولكن كان من الأولى أن يكون مقررا درسا أو فصلا كاملا يحكى مختصرا عن اهم الأعلام المصريين فى مجالات متنوعة و منها بالتأكيد الأداب وتحكى شيئا عنهم ، نفتح لأبنائنا المجال لتشغيل عقولهم وكذلك لأسرهم وعائلاتهم أيضا ، نلقى إليهم بطرف الخيط ونطلب منهم البحث عنه والوصول إلى معلومات أكثر ، نرشدهم إلى الطريق الصحيح بدلا من أن تعج الكتب وتتضخم بأشياء لا تغنى ولا تسمن من جوع ، ليس من الصعب أن يكون هناك فصلا بعنوان اليوم العالمى لكتاب الطفل نذكر لهم شيئا عنهم ونشير إلى الأبرز منهم على مستوى العالم مثل " تشارلز بيرو ، يعقوب محمد اسحاق ، جون نيوبرى ، طارق البكرى ، الدكتور سوس .... " ، ثم نفصل لهم بعضا من اعلامنا فى هذا المجال فنحكى لهم مثلا عن " سعيد محمد العريان ، أحمد محمود نجيب ، عبدالتواب يوسف ، الدكتورة عفاف طبالة ، محمد عطيه الابراشى ، محمد الهراوى ، فريد معوض ، ابراهيم عزوز ، أمل فرح ، نادية كيلانى  ... " .

التاريخ زاخم بأسماء لن نستطيع حصرها والمكتبة المصرية تعج بألاف الكتب من أدب الطفل نستطيع ببساطة أن نلخصها وندرجها فى الكتب المدرسية مقررات على أبنائنا وفى نهاية كل درس نشير إلى أنه ملخصا من قصة الأديب .... هذه الاشارة البسيطة تفتح أمامهم المجال للبحث والسعى والتعلم ومحاولة معرفة التفاصيل أكثر فالمعرفة لا توهب وإنما تكتسب .

نحن أمة الأدب وأصل اللغة ومعجزة نبينا الخالدة " القرآن الكريم " أنزل بلسان عربى مبين فجدير بنا أن نتخذ من ذلك اساسا ونتم عليه البناء .

السبت، 26 فبراير 2022

عن الحرب

 

الكون كان هادئا لكن فجأة تبدل كل شئ ، الظلام كان مسالما لكن أضاءته حرائق وانفجارات ، طائرات وصواريخ يطارد بعضها بعضا ، دوى القذائف والطلقات ، تُلقى القذائف هنا وهناك ، لا تبالى على أى مكان تقع .

الأشجار تحاول الصمود فتنتزع من جذورها ، البيوت تُسوى بالأرض ، تحولت إلى كتل من الركام ، كل شئ أصبح خرابا ، سيارات مشتعلة ، حفر تفوه من بطنها النيران ، محطات وقود خُربت بالكامل ، شبكات الكهرباء والاتصالات دمرت ، محطات المياه فجرت ، طرق أغلقت بفعل القذائف التى شقتها ، جثث يفور منها الدم ، القذائف منزوعة القلب ، لا تفرق بين صغير وكبير ، شيخ وطفل ، ذكر وأنثى ، قوى وضعيف ، انسان وحيوان ، نبات وجماد ، الكل يدرك نصيبه ، ويتجرع معاناته .

الناس تتكدس ، تفر ، تبحث عن ملاجئ تحتمى بها ، الوجوه ملطخة بالسواد ، وأجساد مخضبة بالدماء وأخرى تتخبط وتتعثر ، العيون تبكى غابت عنها لمعتها وذهبت منها فرحتها وبدلت طمأنينتها خوفا ورعبا ، السيارات تتكدس فوق الجسور ، لم يعد أحد فى مأمن ، فى الحرب الكل خاسر حتى من يظن أنه انتصر ، الكل فيها يفقد شئ حتى نفسه ربما يفقدها ، حتما ستفقد روحك ، قلبك ، ذاتك ، بعضا منك ، أقاربك ، أهلك ، أصحابك ، جيرانك ، معارفك ، ذكرياتك ، انسانيتك ، ستفقد شيئا حتما ، الحرب مخيفة ولا يدفع فيها الثمن غير من لا ناقة له فيها ولا جمل .

الخراب فى كل بقعة ، المركبات والأليات محطمة على جوانب الطرق ، جذوع الأشجار واقعة هنا وهناك ، تكاد لا تجد متسعا تمر منه ، الأرض لم تعد ممهدة ولا صالحة للسير ، بوارج غارقة وسفن مستلقية على جانبها وأدخنة تتصاعد .

صافرات الانذار لا يكف دويها رغم أن الوضع فى الملاجئ يزداد سوءا ، أكوام من أجساد البشر مكدسة فوق بعضها ، المؤن لا تكفى ولا الثياب ولا الغطاء ، الحزن يخيم والكل يتوجع والألم مسيطر على الملامح والبكاء لا يكف .

الويل لكل الويل للأسلاك الشائكة ، للحدود ، للمعابر ، لمن يحول دون الانسان وحياته ، لمنيئد الأحلام قبل أن تولد ، لمن يقتل الضحكات والوجوه الباسمة ، لمن يسجن أحدهم فى بؤرة لا يسمح له بالمرور حتى يقتنصه الموت ، الويل كل الويل لمن مات داخله الإنسان ، الويل كل الويل لمن خذل ، لمن باع ، لمن فر ولمن خان .

الجمعة، 25 فبراير 2022

جمعة مباركة

 

الهواء اليوم شديد ، يتلاعب بالأشجار ، بالستائر ، بالثياب المعلقة فوق الحبال ، تحول المشابك بينه وبين أن يصرع الثياب أرضا مثلما يفعل بالأوراق الملقاة فى أرضية الشوارع يقلبها وينقلها ويجعلها تترنح لا تقوى على مجاهدته .

الشمس ساطعة تنشر أشعتها بسخاء لكن الهواء يكسر دفئها ويحيله إلى برودة متقبلة .

البيوت بالداخل أشد برودة من الشرفات ، الشرفات تتدفئها الحرية ، مفتوحة إلى السماء ، تنظر إليها طيلة الوقت ، تشاهد القمر ، النجوم ، السحب ، تساقط الندى ، تشهد تعاقب الليل والنهار ، أما البيوت فهى سجينة جدرانها رغم المنافذ فيها إلا أنها صغيرة لا تمدها بالدفء المناسب لذا تُستخدم أجهزة التدفئة الصناعية لمحاولة إصلاح ذلك .

الكلب الصغير ينبح ، يعلو صوته ، تُغلق الأبواب أمامه ، كلما فتح أحدهم بابه أسرع نحوه ، كلما رأى سيارة مقبلة جرى نحوها ، مثله مثل تلك القطة التى يبدو أن أصحابها تركوها او أنها ضلت طريقها نحوهم فأصبحت تستأنس بدرانا ، تظل مختبئة بجوار السور إلى ان يُفتح الباب فتُسرع إلى الداخل وتستلقى على المشاية الموضوعة فى مقدمة السلم ، أصبحت تتبادل ذلك الفراش مع الكلب الصغير ، يبدو أنها رقت لحاله وصعب عليها أن يبقى يعانى البرد والوحدة وحده ، أصبحت أشاهدهم يلعبون سويا برفقة الأطفال الصغار ، القطة تخشى القط الأسود الذى دوما يتحرش بها ، يضربها ويزجرها ، توالى الأيام بدل حالها ، كانت ممتلئة فى البداية بفرو مهذب لكنها الآن أصبحت تشبه كثيرا تلك القطط التى لا مآوى لها ولا ملجأ .

كنا سابقا نقيم فى بيت من طين ، كان فى أشد أوقات البرد دافئا جدا ، رغم انه خالى من الشرفات ، كان سقفه من خشب وبوص وطين فكانت تتسرب من بينه الأمطار .

كانت قطتى لونها مزيج من الأحمر والأسود والأبيض ، كانت تستلقى على حجرى وعندما أنام تنام بجوارى وذات قيلولة وجدت قد وضعت أولادها بجانبى ، بينما كانت أمى مشغولة أمام الفرن ، تخبز لنا العيش وتعد لنا صينية الأرز المعمر ، أحبه بدون سكر ، فكانت أمى تعد اثنتين ، إحداهما بسكر والثانية بدون ، كان عندى كلب صغير اسميته " جاك " كنت أتركه يلهو فى الطابق الثانى ، كان مزيجا من الأبيض والأسود والرمادى إلا أن أبيضه يطغى ، كانت لدى عنزة صغيرة ، كانت دوما تلهو بجوارى حتى عندما كنت أجلس على المصطبة أمام البيت كانت تصعد وتجلس بجوارى ، سمراء بها بقع بيضاء ، سميتها " بسمه " وعندما ولدت ، أنجبت أنثى لكنى سميت ابنتها " عزوز " رغم ذلك ، عزوز ورثت عن أمها شقاوتها وخفة ظلها لكن لونها غلب عليه الأبيض فكان اسوده قليلا .

الحيوانات أشد ألفة وأكثر وفاء من كثير من البشر ...

لكن منهم القاسى والغليظ كحمارة عمتى ، كلما عاملتها برفق رفصتك وكلما اعتليت ظهرها أوقعت بك أرضا وفرت منك وضاع وقتك فى مطاردتها لكنها رغم ذلك كانت تخشى زوج عمتى فكانت عصاه قوية لا تفارق يده فكان إن قال لها "هش اقف " لا تستطع رفع قدم من مكانها وان قال لها " حا " تحركت بمهل إلا إن نخزها فى جنبها فحينها تسرع .

السبت، 19 فبراير 2022

قسوة

 

البيت بارد ، أشعر بالبرودة تتسلل إلى أطرافى وكأنها تسرى فى عروقى ، الجدران باردة ، الصمت جعلها أشد بردا ، الصور على الجدران باردة أيضا ، صمتت فترة طويلة حتى علاها الغبار ، حتى الغبار الذى يعلوها بارد ايضا .

المدفأة رغم أنها تشتاط غضبا إلا أنها باردة أيضا ، أضع يدى على جدرانها فتكاد تتجمد ، الأبواب تصطك يعلو صوتها كأنها أسنان تصطدم فى بعضها، النوافذ تهتز يكاد زجاجها أن يسقط ، السلم الخشبى ، السقف الخشبى ، الستائر البالية ، عروق أخشاب سوداء مدعمة بأعواد البوص مثبتتة بعجين من طين وتبن ، كل شئ اهتز فجأة ، تحرك من موضعه ، تراقص يمينا وشمالا ، صوت الرعد يعلو ويعلو ، الأمطار تتساقط ، تنهمر بقسوة ، صوت المزاليج يفتح ، المياه تزاداد ، قطرات ، كرات ثلج ، حبات ملح ، دفقات دفقات .

أرتجف فى موضعى ، حتى كوب الشاى الذى اجتهدت حتى أعددته لا أستطيع أن أمد يدى لألتقطه ، كل أطرافى ترتعش ، ضلوعى كأنها تادخلت فى بعضها وكلما علا صوت الرعد تجمدت فى مقعدى أكثر ، أخاف الظلمة ، وتساقط الأشجار ، البرق تكاد من هوله أن تشتعل الحرائق ، المزرعة كانت آمنة جدا ، كنت أحب البقاء هنا لأطول وقت ، أقضى جل وقتى فيها ، أرعى أشجارى وأسقى ورودى وأزهارى ، ألاعب جيادى وأضع للماشية والابل والأغنام والماعز طعامهم وسقياهم ، كل شئ الآن غاضب ، حتى كلابى تنبح بصوت خائف ، أظنها ترتجف مثلى الآن .

أنتظر حتى تهدأ الزوبعة ، أتمالك أعصابى ، تهدأ دقات قلبى ، أتحرك بخطوات بطيئة نحو النوافذ والأبواب لأغلقها جيدا ، أرى الكلاب ترتعد فى الخارج فأفتح لها الباب لتدخل وأطلب منها أن تسامحنى أن أبقيتها تعانى وحدها هذه الأجواء فلم أكون أقوى على الحركة ، تنظر إلى معاتبة يكاد الدمع يسقط منها ، أقربهم من المدفأة فيضجعون أمامها ويفردون رؤوسهم على الأرض وعيونهم غرقى فى الحزن ، ألقى على ظهورهم بعض خرق بالية فلا أملك غيرها  .

عاد المطر يتدفق بلا انقطاع ، تلاقت عينى مع أعين الكلاب ، جميعنا ذاهل ، لا يعرف ما يحدث ، الخوف يسيطر علينا ، نسمع أزيزا وارتطام ، اتمسك بجانبى مقعدى ، أخشى الانزلاق أو الوقوع ، لا أعلم كيف سأنزلق ولا أين سأقع ولكنه الخوف يبسط رهبته فى الصدور فتزوغ العيون ويضطرب القلب وترتعش الأطراف ويصير الصمت موتا ! .

هدأت الريح لكن الأمطار مازالت محافظة على هطولها ، تدلت أغصان الأشجار حول سيقانها فكأنها أشبه بأذرع متراخية لأجساد ماتت واقفة ، المياه تنهمر وكأنها شلال متدفق ينزل من جبل عال ، المياه تجمعت بركا فى المساحات الخالية أمام البيت ، تسقط فيها الأضواء فتلمع ، وتبحر فيها النجوم فتلهو ويبدو القمر حزينا ! .

الليل يتسلل رويدا رويدا ، أهو الليل أم هى ظلم السحب المتكدسة فوق رأسى أم هو الخوف يجثو ويجثو ، البرد يشتد قسوة والأمطار تشتد غلظة وكرات الثلج تشتد تماسكا وكأن السماء تقذفنا بكرات بيضاء .

الكلاب غلبها النوم فنامت ، أكاد أحسدها على حالها ، أحاول أن ألحق بهم لكن النوم يعاندنى وأصوات الرعد ولهيب البرق يزعجنى ، تدور فى رأسى الدوائروالأفكار ، كأنى أسير أتخبط فى طريق وعر ، أقع من هنا وتصطدم قدمى من هنا وتغرس هنا ، أسير متكفئ ، أحبو ، تنزلق قدمى من قمة عالية  ،  يهزمنى النوم فتقع رأسى بجوارى .

الجمعة، 18 فبراير 2022

ثلاثية الملك والكتابة

 

يتجول الكاتب الرائع " محمد توفيق " ويطوف حول تاريخ الصحافة فى عمل موسوعى أطلق عليه الملك والكتابة ، صدر عن ريشة للنشر والتوزيع .

الكتاب الأول يغطى الفترة من 1798 م الى 1899 م بعنوان فرعى جورنال الباشا .

تلاه الكتاب الثانى ويغطى الفترة من 1900م الى 1949 م بعنوان فرعى حب وحرب وحبر .

أما الكتاب الثالث فقد تناول الفترة من 1950 م وحتى 1999 م وأختار له عنوانا فرعيا قصة الصحافة والسلطة فى مصر .

تجول بخفة وبراعة حول ما حدث فى مصر فى هذه الحقبات المتعاقبة فى عمل موسوعى تعب وجد فيه كثيرا ، يصور لنا تاريخ الصحافة منذ بدايتها مع الحملة الفرنسية وينقل لنا ما نشرته تلك الصحف حول الأحداث مؤيدة ومعارضة وأرفق صورا مقتبسة من تلك الصحف والجرائد ونقل أخبارا وأحاديث كثيرة ، استند الى مصادر كثيرة جدا أدرجها فى نهاية كل جزء من هذه الثلاثية ، استغرق الأمر الكثير فى أروقة الصحافة وأرشيف الصحف وأرشيف دار الكتب والوثائق ومكتبة الاسكندرية وأجرى العديد من المقابلات حتى يخرج لنا هذا العمل الموسوعى بهذا الشكل البديع .

نقل لنا حكم محمد على حتى ثورة يوليو ونفى فاروق واعلان الجمهورية وانتهاء الملكية ، عشنا الاشتراكية والرأسمالية ، حكى لنا أوقات الحرب وأوقات الأمل وبهجة الانتصار ، رأينا ميلاد الصحف وخفوتها ، عشنا معاناة أصحاب القلم وانتقام ذوى السلطة .

بدأت ثلاثيته بأول جريدة أصدرها نابليون تحت اسم بريد مصر " كورييه دوليجيبت " وانتهت بجريدة الشعب برئاسة تحرير مجدى أحمد حسين الصادرة عن حزب العمال الذى يرأسه ابراهيم شكرى .

بدأت الحكاية عندما قدم نابليون الى مصر وتعداد سكانها لا يتخطى ثلاثة ملايين نسمة وتوقفت وعدد سكانها يناهض سبعين مليون نسمة .

الرحلة تبدأ عند نهاية القرن الثامن عشر ثم تصحبك فى رحلة حية وبث مباشر للقرن التاسع عشر ثم القرن العشرون كأنك تعيش الأحداث ، تشارك فى صناعتها وفى صياغتها ، تعيش مؤثرا فى التاريخ ، تفر مع كل مطارد وتُعذب مع كل معتقل وتفرح مع كل انتصار وتتوجع مع كل ألم .

أن تعرف مصر كيف عانت وكيف كانت وكيف صمدت أمام كل هذا وكيف تجاوزته وكأنه ما كان ، ترى الحكايات كيف بدأت وإلى ماذا انتهت .

ماذا دار فى عقل تابليون ومن خلفه بعده ، كيف كانت رحلة محمد على وكيف تشكلت عقليته وكيف تطورت أفكاره ، وكيف غدر بأصحابه وماذا آل إليه حاله .

تبحر مع الجبرتى وتصحب الامام محمد عبده وتجلس على المقهى بصحبة جمال الدين الافغانى وتسافر مع رفاعة الطهطاوى وتعبش مطاردا مع عبدالله النديم ، تقابل عبدالرحمن الكواكبى وتشهد وقفة عرابى فى قصر عابدين وتشهد ميلاد " جريدة الهلال " .

ترى مصر محتلة من الفرنسيين ثم يحكمها محمد على واسرته قبل أن تقع مجددا فريسة للاحتلال البريطانى بمباركة الخديوى توفيق وقبل أن ترهقها الديون والقروض فيما ابتلت به ابان حكم الخديوى سعيد والخديوى اسماعيل ، تعانى فى حفر قناة السويس ويقتلك الوجع والحزن على أولئك الذين لقوا حتفهم بينما يرقص غيرهم فوق جثثهم .

يبتهج قلبك لجرأة مصطفى كامل ولحكمة محمد فريد وتسير تنادى " سعد ..... سعد .. يحيا سعد " ، تعيش حربين عالميتين وتنجو من الأوبئة بأعجوبة ، وتعجز عن منع ميلاد اسرائيل وتأتى النكسة على ما تبقى من صمودك وقوتك فى 56 ثم 67 قبل أن ترتد إليك روحك وتعود منتصرا فى 73 .

تعاين لحظات الخيانة والغدر وتبدل المواقف ، ترى سجينا صار رئيسا ومناضلا صار وزيرا وملكا صار فى المنفى وصبيا صار واليا وحاكما ، ترى طاعونا تفشى وزلزالا مدمر ، تشتعل حروبا وتباد مدنا ومن لا ناقة له ولا جمل يدفع الثمن .



الخميس، 17 فبراير 2022

زحمة

 

أجلس على المحطة ، كراسى خشبية قديمة ، تحدث صوتا عندما تجلس عليها أو تأتى بأى حركة ، أنتظر الوقت يمضى ، أتأمل الرصيف المتكسر ، الدهانات التى أصابها العطب ، نشع الجدران ، الطحالب الخضراء تحوم أسفل مواسير الصرف ، الناس تغدو وتروح ، أصوات مرتفعة وأخرى هامسة وثالثة أصابها الصمت .

ضحكات صاخبة ودموع تشق فى الخدود مجراها ، السفر حكايات وكل يحمل حكاياته مع أمتعته ، وجوه شاحبة وأخرى راضية ، وجوه قلقة وغيرها مطمئنة ، أطفال وشباب وشيوخ ، ذكور وإناث ، على رصيف المحطة يختلط الجميع ، تختفى الأعراق والأنساب ، ويتزاحم الجميع ليدرك مقعدا فى القطار أو مكانا جيدا للوقوف .

الصفحات كما الوجوه تخفى تحت ثناياها الكثير ، يتراكم عليها الغبار كما تتراكم التجاعيد على الوجوه ، لها رائحة حارة كلهيب أنفاس البشر ، تتكلم مختنقة وتسترسل فرحة راقصة .

" كان علىٌ أن ألعب بالكل حتى يربح الكل وهو حل لم يكن مريحا إضافة إلى كونه خطرا لكنى لا أملك غيره ..." مذكرات الرئيس الأمريكى كارتر .

ترتفع الصافرات تعلن عن قدوم قطار للمحطة فيتدافع المسافرون وتنتشر الفوضى بين قادم ومغادر ومن ينزل ومن يصعد ومن تغلبه أمتعته ومن يقتنص الفرصة ليتحرش ويشبع غرائزه .

أكشاك البيع احتلت المحطة ، عصائر ، مياه غازية ومعدنية ، مقرمشات وسجائر ، وجبات سريعة ، كروت شحن ، مقاعد مصطفة يجلس عليها منتظرى القطارات تقدم إليهم طلباتهم ويشاهدون الأفلام ، نسوة يصفون أقفاصا سجنت بداخلها الدواجن والبط والأوز ، أوعية تنفجر منها روائح المش والجبنة القديمة ، أرغفة من الخبز المحمص ، أوعية مملوءة بالبيض مدسوس وسط كميات من الأرز كى لا يتكسر .

النظرات تلمع فى العيون البسيطة يغلفها الرضا ويحدها العشم فى أن يوسع الله الرزق ويرسل ما يسد فم العيال فالحاجة يا ولدى قاسية كقسوة تلك الأيام .

علاوة اضافية لجميع العاملين من أول يناير .... زيادة المعاشات بنسبة 10فى المئة .

كان ذلك هو العنوان الذى تصدر صحف صباح الاثنين السابع عشر من يناير لعام 1977 ، وفى مساء ذات اليوم اتخذت مجموعة من القرارات الاقتصادية ترتب عليها أن زادت اسعار الخبز والأرز والسكر والشاى واللحوم والبنزين والبوتاجاز والدقيق والذرة والحلاوة والفاصوليا والمنسوجات والملابس .

تلك البطون تتم طعامها بالرضا ، الحب يغمرهم والدفء يسرى فى عروقهم ، فقراء معدومين تكاد لا تغطى ملابسهم أجسامهم ولا تسد الأطعمة جوعهم رغم ان رغيف الخبز يسعدهم حتى وإن خلا مما يبدل طعمه لكن الحمد لا يفارق شفاههم وأن تنام قرير العين لا تحمل حقدا لأحد هو أكثر ما يغنيهم ، يا بنى الغنى يخشى النوم ، يعيش فى قلق وتوتر واضطراب ، يخاف أن يحدث ما يقلل من أرباحه وأن تخفق مشروعاته لكننا الحمد لله ننام بملئ أعيننا وهذا يكفينا ولا نسأل الله سوى الكفاف والستر .

نرى القطار قادما من بعيد تسبقه صافراته فينتفض الجميع ويبلعنا كلنا فى جوفه وينطلق فارا من المحطة غير مباليا بأولئك الذين نزلوا منه وغادروه فلم ينزف دمعة من أجلهم ولا يبالى بالذين ابتلعهم فى داخله فمثلهم مثل من سبقهم سيبقون معه وقتا محددا ثم يغادرونه ، هكذا علمته الدنيا ألا يجعل أحدا يمتلك قلبه حتى لو صاحبه عمره فالكل له وقت ويمضى !

الحياة كما القطار تعلم جيدا ان كل من يسكنها له وقت محدد يقضيه وبعده يمضى حتى هى نفسها تعلم أنها لا محالة راحلة فسبحان من يبقى حين يفنى كل شئ !



الخميس، 3 فبراير 2022

حكايا صغيرة

 

يا صغيرتى .. ابتسمى ، اليوم سأحكى لك حكاية جديدة من تلك الحكايات التى أنسج خيوطها أثناء حديثنا ، أخبرك سرا عنى ، أنا رغم قولك أننى أجيد الكتابة لكنى حكاء سيئا جدا ، لا اجيد سرد الحكايات ، أترك القلم فقط يمارس شغفه ، لذا تجديننى دوما أفضل الكتابة ، أبحث عنها وأسعى إليها ، أتهرب من حديث أو اتصال هاتفى وأستعيض عنه برسائل قد تملأ جنبات الكتب فلا تترك فيها فراغا ولا حواشى ، أحاول أن أصيغ لك الحكايات ، أقفز من فوق الأسوار المرتفعة والمبانى الشاهقة ، أعبر المحيط فى لمح البصر وأقطع الصحراء كأننى الضوء ، أقذف الألم بسهام تنغمس فى قلبه ، افتش عما يزعجك وأحيك حول عنقه خيوطى حتى إذا قويت واشتد عضدها وأصبحت وثاقا غليظا مغلظا قيدتها فى جناح طائرة وتركت لقبطانها العنان كى يلهو ، يتساقطون كذباب حاصرته المبيدات وقضت على ما تبقى من أنفاسه طائرات الرش .

أعلم أنك لا تعرفين شيئا عن طائرات الرش كما لم تكون تعرفين شيئا عن أشجار الجميز ، ماذا لو أخبرتك عن الصمغ الذى كنت أستخرجه من أشجار السنط ، أخدش جذوعها حتى ينفرج لى داخلها فأجمع منها الصمغ فى كيس بلاستيكى ، أشعل عليه النار قليلا ثم أستخدمه فى لصق مقتنياتى وأوراقى ، أو أصنع طائرات ورقية أو مراكب صغيرة وأجعل فى جوانبها أشرعة كبيرة وأنثر على جانبيها المجاديف ، كنت عندما لا أجد الصمغ أستعين بعجين من نشا أستخدمه لأداء نفس الغرض .

الجميز حلو المذاق ، ثمرة تنمو بتجمعات على شجرة ضخمة الجذوع سهلة الطلوع ، كنا صبيانا نصعدها ونجلس فوق جذوعها ونلتهم من ثمارها ، نفتح الثمار ونتأكد من خلو داخلها من الحشرات والديدان ونسمى الله ونأكل ...

كذلك أيضا أشجار التوت إلا أننى كنت إذا تناولت التوت ذو اللون الأحمر الغامق او الأسود تورمت عيناى ، شجرة الكولونيا أيضا كنت أحبها جدا ، طعم ثمارها رائع ، كان من حسن الطالع أن هذه الشجرة هى شجرة واحدة فى كل القرية وهى عند أخوالى وبالتالى كنت أحظى بإلتهام البعض منها ، ربما يكون لها اسم أخر لكنا كنا نسميها كذلك ، هكذا سمعت منهم .

كان عندى أخوالى أشجار نخيل يتساقط من تمرها الشهد ، شجرة المانجو العتيقة قبل أن تقطع ووتخلع جذورها وتزال معها الصفة القديمة ويحل محلهم بيت خالتى .

أشجار التين الشوكى الذى كان مستقرا خلف حائط جدتى ، كنت أخشى الاقتراب منه كى لا يصيبنى شوكها أو يكون هناك ثعبانا متخفيا خلف أغصانها الكثيفة ، كان خالى يقطع لى حبات ألتهمها بحب .

كانت أغصان العنب وفروعه تتمدد حول أركان الحظيرة وفوق سقفها ، لازالت أثار تكعيبة العنب هذه محفورة فى رأسى ، أتشبث بالقائم الخشبى وأصعد عليه أحمل فى يدى فأسا صغيرة وفجأة تفلت من يدى وتنغرس فى رأسى فينزل الدم خطا غليظا فوق عينى فيغرق وجهى ، تكتم الخالة الدماء بمسحوق البن والتراب الأحمر ، يربطون رأسى برباط من القماش الأبيض فتبزغ الدماء منه ، كان كل ما يشغلنى ماذا سيفعل بى عندما يرانى وقد شقت رأسى ... لكن الله سلم .

نسيت أن أحدثك عن طائرة الرش .... ربما مرة أخرى ..... أرى ابتسامتك تتلألأ أمامى الأن فاحفظيها .