الثلاثاء، 31 ديسمبر 2019

التجربة الأنثوية - صُنع الله إبراهيم


وكان الكتاب الأخير الذى أنهيت قرائته مع صباح اليوم الأخير لعام 2919 ميلاديا هو كتاب " التجربة الأنثوية " والذى عمل على جمعه واختيار مادته وترجمته الروائى الرائع " صُنع الله إبراهيم " وعمل على أن يحوى هذا الكتاب أجرأ الأعمال النسائية التى قامت بكتابتها عن نفسها المرأة ذاتها ، وأجرأ هنا قصد بها فى سرد المرأة لحياتها الجنسية وتجاربها فى هذا الشأن فجمع كتابات تتضمن بعض العلاقات بين النساء وبعضهن أو العلاقات الطبيعية واختار أحد عشر نصا لكاتبات من جنسيات مختلفة " فرنسية ، أمريكية ، إنجليزية ، إيرلندية ، أفريقية " والنصوص المختارة هى :-
بين ذراعى تمارا  للكاتبة الفرنسية فرانسواز مالية – جوريس
استيقاظ مود – للكاتبة الأمريكية مارج بيرسى
أنا الغريبة الجميلة – للكاتبة الأمريكية روزالين دريكسلر
لا يمكن أن يكون ميتا ، فقد تحدث إلى ! – للكاتبة الأمريكية رونا جافى .
أهلا بك ! – للكاتبة الأمريكية هاربيت سومرز .
الحب بالشخص الثالث والثمانين – للكاتبة الأمريكية جويس ألبرت .
يوميات زوجة غير مخلصة – للكاتبة الأيرلندية أدنا أوبريان .
الكراسة الذهبية – للكاتبة الإنجليزية دوريس ليسنج .
جامعة الكنوز – للكاتبة الإفريقية بيسى هيد .
سولا " رقيقة من الذهب تحتها مرمر " – للكاتبة الأمريكية تونى موريسون .
القلب النازف – للكاتبة الأمريكية مارلين فرتش .
تميزت تلك النصوص بجمال السرد وطلاقة العبارات وسهولتها ولم تخل الترجمة بجمال تلك المختارات والتى حصلت بعض كاتباتها على جائزة نوبل فى الأدب .
ومن بين تلك النصوص راقنى مقتطف من نص " سولا " للأمريكية تونى موريسون ، هذا سرده :-
لو أنا تناولت قطعة من جلد الشامواه ودعكت بشدة العظمة بالظبط فوق عظمة خدك فإن بعض الأسود سيتلاشى ، سوف يتقشر ويعلق بالشامواه كاشفا عن رقيقة من الذهب ، يمكننى رؤيتها تلتمع خلال السواد  ، أعرف أنها هناك ..
ولو أنا أخذت مبرد أظافر أو حتى قشارة ايفا القديمة – فهى تصلح – وكشطت الذهب ، سيتساقط كاشفا عن مرمر ، فالمرمر هو الذى يعطى وجهك تدرجاته واستداراته ، هو السبب فى أن ابتسام فمك لا يبلغ عينيك فالمرمر يعطيه وقارا يقاوم الابتسامة الكلية .
عندئذ ألتقط أزميلا ، ومطرقة صغيرة ، وأنقر فوق المرمر لأكشطه ، سيتصدع عندئذ كما يفعل الثلج أسفل المعول ، وخلال الشقوق سألمح الطفلة ، خصبة خالصة من الحصى وأغصان النباتات ، لأن الطفلة هى التى تكسبك تلك الرائحة ، سوف أدس يدى عميقا فى تربتك ، وأرفعها وأنخلها بأصابعى متلمسة سطحها الدافئ وقشعريرة الذى تحته .
لسوف أروى تربتك وأحفظها غنية مبللة ، لكن بأى مقدار ؟ ، كم من المياه تكفى للمحافظة على بلل الطَفلة ؟ وكم يعوزونى من الطفلة لكبح مياهى ؟ ومتى تصنع الاثنتان طينا ؟ .
ابتلمع فمها كما ابتلع فخذاها أعضاؤه وساد المنزل هدوء بالغ .
وكانت خاتمة التجارب الأنثوية المختارة نص القلب النازف ، وخاتمة الكتاب فى هذا النص هذه الرسالة البليغة المعنى  " لماذ تتكرر القصة القديمة دائما ؟ دائما المرأة هى التى تدفع الثمن ، رغم كل النوايا الطيبة من الجميع .

الجمعة، 20 ديسمبر 2019

ناقة صالحة ... سعود السنعوسى


يعود سعود السنعوسى ليغرد منفردا فى طريقه وخطه الكتابى الذى اختار فيأخذنا إلى الصحراء فى رحلة بديعة بجمال اللغة التى وصفتها ، أدمت منا العيون فى قالبها وإسقاطاتها فنكبر مع دخيل ونعشق مع صالحة وندمع لـ وضحى ونلهو مع حواريها المتبنى ، نحتار لحال صالح ونأسف لفعل فالح وسماء تغضب وذئاب تعوى حول الديار الصالحة ، هل نلتقى ؟  العلم عند الله .
من بديع ما جاء بها :-
الشمس تطبخ رؤوسنا ، ولا ماء فى قريتى والعرق لا يروى ظمأ ، ليس لى ولا للصغير إلا الصبر على سياط الشمس ، وحليب ضرع زاحمنا به الحوار ، ونبوءة بشرتنى بها سحابة لا تعود .
رغم أنى صموت مثل الصحراء ، لا أجيد لهجة الحاضرة البحرية الصاخبة الخالية من الحكمة ، المدينة ثرثارة بطبيعتها ، والحكمة وليدة صمت ، والصمت لا يصير صمتا إلا فى الصحراء .
والدتى تسب سوء حظى كانت دائما ما تقول لو أنى تاجرت بالأكفان لكسد الموت وغادر الديار .
أحببتها لأنها كثيرات فى واحدة ، صعبة سهلة حرة فاتنة ، ذكية غبية خجول ماجنة ، كذابة صدوق ، هى فى الحقيقة ما كذبت قط ولكنها مثل العجائز إن أرادت قول الحقيقة مثلتها بحكاية تختلقها .
تطلق جنون ضحكاتها إذا ما داهمها خوف أو حل بها كرب ، وتذرف الدمع سخيا فى فورة فرح ، أحببت وجها ما رأيت مثله قط ، يؤاخى بين ملامح النحيب دمعا وتقطيبة حاجبين ، وبين ثغر يكركر .
لم أفتقد شيئا إلا مقازة لا يرى أخرها وخياما متناثرة فى العراء مثل حبات خال ترصع ظهر فتاة عارية ، وعواء ذئاب الليل ، وعزيف رمال تسوقها الزوابع وعيون الماء العذب ، وغناء حادى الإبل وتمايل أعناق جماله طربا مع الحداء وأرضا تلفظ كمأها فى الربيع وأراضى خبراء بعد ليال مطيرة ...
لم أفتقد شيئا إلا ما ذكرت ، والنجوم ، حتى النجوم تبدو فى الصحراء أقرب ، تكاد تقطفها بيدك مثل بلح نخلة فتية ، أما النجوم هنا فتبدو بعيدة فى سماء مدينة الطين ... مثل صالحة .


الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

لسعة برد


البرد شديد ، الظلام يسود متوترا ، الشوارع خالية ، اعمدة الإنارة يتطاير منها الشرر ، القمر خامل ، يتوارى مبتعدا ، أقطع أمتارا وكأنى أشق طريقا فى صخر صلد ، كلب يرتعش ، سيارة تمر مسرعة ، الحوانيت خلت من الرواد ، بائع فاكهة يجمع أقفاصه ويلملم العبوات والصناديق  الفارغة ، بعض اللافتات مازالت مضاءة ، مياه سقيا الحديقة انتهزت غفلة المسئول عنها فتخطت إلى الطريق المقابل ، ورشة الكاوتش أغلقت أبوابها وصانع الرخام يصف الأجزاء المتناثرة حول طاولته ، المخبز يخمد نيرانه ، كوافير بهجة  ، شعر وطلاء شفاه ، حلاق يعلو صوت أدواته ، بائع الحلوى وحيدا كما عهدته دوما ومتجر الكتب كسته خيوط العنكبوت ، المقهى مازال به البعض ، زهر النرد صوته واضح ، رائحة النرجيلة ، بخار يعلو من براد الشاى ، أم كلثوم تغنى ......هذه ليلتى .
كنا نجتمع ، نشعل قطع الأخشاب والحطب والأغصان الجافة والأوراق ، نملأ وعاءا بالشاى ، نشكل دائرة بالقرب من أعمدة النار نكسر بها لسعات البرد ، نطمئن بعضنا ببعضنا ، نوزع أكواب الشاى نرشفها على مهل ، ماكينة المياه صوتها يشق صمت الليل منفردا ، المياه تغيب كثيرا هذه الأيام ولا تأتى إلا فى اوقات متأخرة من الليل وبكميات لا تكفى الجميع ، ينتظر كلا منا ليال طويلة حتى يحين دوره فيروى عطش أرضه ، قسمنا أنفسنا مجموعات وكل مجموعة لها أوقات محددة ثم التى تليها وهكذا حتى تسقى كل الأراضى ، البعض طباعه غليظة وقاسية كقسوة الصخر والبعض طيب وهادئ كرائحة الطمى ، كنت صغيرا ، أخشى الظلام وعواء الكلاب ورؤوس الشياطين وسارقى البشر، كنت أحاول تناسى ذلك بالبقاء وسط المجموعة دوما وأشد الأوقات صعوبة هى تلك التى أضطر فيها للنزول إلى الأرض للاطمئنان على جريان المياه فى كل جوانبها وإبعاد ما يعيق جريان المياه وتمهيد الطريق لها فى كل نواحى الأرض ، حكايا الفلاحين ممتعة ، الشقوق التى فى أيديهم وأرجلهم مثل شقوق الأرض العطشانة وهكذا حياتهم ارتبطت بها فاكتسبوا منها كل شئ سماتهم وألوانهم وهيئاتهم ، جدى ...... وابتسامته وصوت محمد رشدى .....أدهم الشرقاوى .


الخميس، 14 نوفمبر 2019

من آمن العقاب ... اساء الأدب .


روى لى أخى أن زميله بالعمل وكان شابا صغير السن متفوقا فى دراسته ما جعله يلتحق بهذا العمل فى تلك الجهة الهامة ، حسن الخلق ، جميل الهيئة ، حديث عهد بالخطوبة فلم يمر على خطبته سوى أيام معدودات وبينما كان يسير فى منطقته بصحبة والده إذ رأى شجارا وصريخا ، شخص غيبت المخدرات عقله ، توسط الشارع يحمل سلاحا ينهال به على الناس ترويعا وقتلا ، النسوة يصرخن والأطفال يفرون فزعا والرجال يصيحون والشيوخ يتضرعون يارب سلم ، الناس تخاف ، تكتفى بالمشاهدة ، لا أعلم من أين امتلكوا هذه القوة كى يشاهدوا دماء تراق وأعضاء تقطع أطرافا تتطاير كالشرر ، وكبف لرجل أن يتحمل ، تقدم منه الشاب يحاول تهدئته ، الحديث معه ، يستحلفه بالله أن يكف ، ويكفى دماء عند هذا الحد ، يتعلق بثيابه ، يقبل قدمه ، اقتلنى واترك الباقين إن شئت ، وبدون أن يرجف جفنه يقتله البلطجى ليتم به مجزرته ويواصل افتراء وتعدى على دماء الناس وأعراضهم فمن آمن العقاب أساء الأدب .
إن ما يحدث فى المجتمع فى الأونة الأخيرة ينذر بكارثة لن تكون السيطرة عليها من الأمور اليسيرة ما لم يتم الإسراع بوضع الوسائل للسيطرة عليها ووضع العقوبات الرادعة .
إن تفشى وإنتشار أعمال البلطجة والإتجار فى المواد المخدرة حتى أصبح ذلك يتم عيانا بيانا فى الأماكن العامة " على النواصى وفى الطرقات والشوارع .. " ، الإتجار فى الأعضاء البشرية ، حوادث وجرائم السرقات والخطف والاغتصاب والقتل والتطرف وترويع الآمنين وكل تلك السلوكيات المنبوذة والمحرمة فى الدين والعرف ، ينبغى أن يوجه انتباه المسئولين لبذل أقصى ما فى استطاعتهم وتسخير إمكانيات الدولة للقضاء على تلك الظاهرة والتى باتت مستوطنة فى بعض المناطق بسبب التأخر فى معالجتها بالأسلوب المناسب .
الأمور تتفشى حتى تصبح أشياء عادية يعتادها الناس وربما هذا يفسر سلوكهم عند حدوث مثل تلك الأشياء فلا تجد المارة يتحرك لهم ساكنا بل والأبشع حرص البعض على تصوير وبث هذه المشاهد مباشرة على مواقع وشبكات التواصل الاجتماعى دون أن يحاول بذل الجهد فى منع الجريمة من أن تحدث أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه رغم الفائدة التى تحصل من وراء القيام بالتصوير لتلك الأحداث ولكن لا تكون الفائدة بنشرها وإنما بتقديمها للجهات المختصة لمحاسبة الجناة ومعاقبتهم .
غياب الأخلاق بل وانعدامها عند البعض ، الابتعاد عن الدين والتشريع السماوى وأحكامه وتطبيق حدوده فضلا عن غياب الدور الدينى للجهات المنوط بها القيام بذلك وإنشغالها بمحاولة نيل الرضا والحفاظ على المناصب والكراسى ، التوجه الأحمق من الإعلام بوسائله ووسائطه المختلفة ساهم فى نشر الفاحشة وأعمال البلطجة وإشاعتها على كل المستويات وبين كل طبقات المجتمع وفئاته حتى أصبح الأطفال يقومون بمثل تلك الأعمال من باب تقليد الممثلين والفنانين وكأن رسالة الفن أصبحت نشر البلطجة والتطرف فى المجتمع ، غياب القدوة وتمكين أصحاب الحناجر العالية والخدود المنتفخة ، معدومى العلم والعقل والحكمة وقليلى الأخلاق من المنابر الاعلامية وأصبحت مشاهدتهم ورؤيتهم روتينا يوميا وفرضا على أفراد المجتمع رضوا ذلك أو أبوا ، غياب الرادع فمن آمن العقاب أساء الأدب ، الظلم ، الفقر ، الجهل ، المرض ، البطالة ، النفاق .... وغير ذلك الكثير أدى إلى تفشى هذه الأعمال بهذا الشكل المروع .
الأمر جد خطير ، الناس تتشاجر ، تتعارك ، تتقاتل ، الناس يشاهدون ، يصورون ، حرمة الدماء والأعراض والأموال ما عادت موجودة ، البيوت تهدم ، السيارات والمملكات تحرق ، الأعناق تذبح ، وبأيد ثابتة وعيون خلت من مائها وقلوب مات احساسها وبشر نُزعت منهم إنسانيتهم ، يقبضون على هواتفهم ويضغطون بأصابعهم على أذرة هواتفهم لتشغيل كاميرات الفيديو لتصوير وبث كل تلك المشاهد مباشرة وكأن الفعل عادى ، مشهد سينمائى يتم تصويره وبعد الانتهاء منه يعود أبطاله إلى حياتهم وقد اكتسبوا مزيدا من المال والشهرة وأكتسب المجتمع مزيدا من الجهل والتطرف والانحراف .
ربما تكون تلك الجمل القصيرة بمثابة رسائل عسى أن تصل إلى من يلقى لها بالا فيحاول السعى فى إصلاح ما يمكن إصلاحه ، وليس أفضل من الاستثمار فى التعليم ، حفظ الله الأرض ، الوطن ، الإنسان .

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

ضباب


الشمس تطل على إستحياء بضوء واهن، تطرق برفق خد الصباح ، تسأله أن يستيقظ ، أن يسمح لها بمعانقته وإختراق حصونه ، الضباب يأبى ، يكسو كل شئ بلونه ، الكل غائب لا يكاد يُرى أطرافه ، الكون أبيض ، رمادى ، الندى ثقيل ، طبقات متكدسة فوق بعضها ، قلعة من البرد وحبات الندى ، طيور تنفض أجنحتها تحاول تلمس الدفء ، أشجار اغتسلت لتوها وتخضبت بأريج الصباح ، بيوت نائمة ، سيارات ومركبات كسى زجاجها الضباب، الأنفاس كأعمدة الدخان ، الوجوه مخضبة بحمرة والليل ولى عند بزوغ الفجر ، الأرض خاملة وترابها مازال ناعسا  .
أسير وكأنى خلقت وحيدا فى هذا العالم ، كأنى فى سجن من خيوط الضباب ، غرفة زجاجية تحيط بى ليس بها مخارج ، فقط تركت دون سقف كى أستطيع التنفس ،  لا أرى أبعد من أمام عينى ، أخشى التعثر ، أمشى تقودنى ذاكرتى ومعرفتى الفطرية بتلك الأماكن التى أخطوها دوما ، لو لقينى أحدهم الآن لاصطدمنا ببعضنا إلا أن تسعفنا الأنفاس قبلها أو الأصوات ، أسير بمحاذاة الجدران فى المنطقة الفاصلة بينها وبين الأشجار ، كلما خطوت أكثر تكسرت أمامى الأوعية الضبابية لكنها تعود مجددا بعدما أتخطاها وكأنها تخلق من جديد .
العالم كله انحصر فى تلك المساحة وخلى من المخلوقات سواى ، أتحرك يمنة ويسرة أبحث عن أى شئ وأصل إلى لاشئ فلاشئ مطلقا سواى وبعض أصوات الطيور تطل من بعد تخبرنى أن بالخارج حياة أيضا وترغبنى فى إدراكها ، أهرول ثابتا فى مكانى ، أجلس ، أستلقى ، أتكئ ، أنام ، أتقلب فى مكانى ، عزلة رمادية داخل بقعة غشاها الضباب واختلسها من العالم ، جزيرة من فراغ لا تزيد مساحتها عن موضع خطواتى ، موحشة إذا تكدرت الدنيا فى وجهى ، مبهجة إذا عشتها جنة ، خالية من الجرائم التى ترتكب و الدماء التى تراق باسم الدين ، باسم الطائفية ، باسم الفقر ، باسم القبلية ، باسم الحاكم ، باسم الحرية وباسم الوطن .
حالة غريبة ، جعلتنى مشتتا ، سلكت بى مسالك عدة فى ثوانى قصيرة ، ما لبثت الشمس أن شقت السماء فبدى شعاعها قويا  كنصر مؤزر أتى بعد حين ، لم يعد ضعيفا واهنا كما كان ، انقشع الضباب مسرعا وكأنه ما كان وظهرت كل المعالم التى كانت قد تاهت وبدت البيوت والأشجار والسيارات وابتهجت الطيور وأخذت تغرد وتزقزق ، أصوات صبية يعلو ، ساعة تعلن أوان الذهاب .


الاثنين، 28 أكتوبر 2019

تشتت


كنت قد قررت الكتابة عن كثير من الأشياء ثم أحجمت فجأة ، تراجعت عن الكتابة ، لا أعلم سببا محددا لذلك وربما أعرف ، فى الحقيقة هى أسباب كثيرة مجتمعة ومتفرقة فربما حديث البعض معى وطلبهم منى ألا أفعل بعد كل كتابة سابقة ومبررهم ما الداعى من سرد كلمات لن يستمع لها أحد رغم معرفة الجميع بها وقناعتهم بحقيقتها ولكن ... وردى دوما " معذرة إلى ربى " أولا وثانيا كلمة ربما تكون كلمة حق وضعت فى مكانها الصحيح ووقتها المناسب وكتب الله لها أن تجد الصدى المطلوب فردت باطلا ورفعت ظلما وأرشدت إلى صواب وعلى الأقل وجهت الانتباه نحو شئ معين كان قد غُفِل عنه ، وربما كى لا يتعاطى البعض مع الكلمات وكأنها موجهة له وهو المقصود بها دون غيره رغم ما فى ذلك من فائدة فربما إن صدق مع نفسه ووجد فيها بعضا مما كُتِب سارع إلى تصحيح مساره وضبط بوصلته والتوجه إلى الطريق الصحيح وليس أفضل من ذلك قيمة إن كانت الكتابة سببا فى تهذيب الأحوال وتزكية النفوس .
ربما لمعرفتى بنفسى وبعظيم أخطائى واعترافى بضعفى وإسرافى فى أمرى فأخشى أن أكتب وأحدث بينما أنا غارق فى الخطايا كى لا أقع تحت قول الله " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب .. " ثم أتذكر أن هذا من مداخل الشيطان العظيمة عندما يريد أن يثبط همة إنسان ويضعف عزيمته عن فعل خير وسعى نحو رشد .
ربما أخشى الوقوع فى النفاق فكثيرا ما تحدثنى نفسى أن أفعالى كلها نفاق ورياء فكل ما أكتبه يجعل من يقرأ يظن بى الخير وحسن الخلق والفضيلة بينما أنا كلما خلوت بإثم اقترفته  " يظن الناس بى خيرا وإنى لشر الناس إن لم تعف عنى " .
فى الحقيقة بعد أن أنتهى من تلك الخاطرة المملوءة بالجمل المقتطعة من سردها الصحيح ربما سأحذف منها الكثير وربما لن أنشرها من الأساس وربما سأعمل على تهذيبها خشية أن يغضب البعض ما جاء بها من جمل وكلمات وأقع فى معضلة أخرى أنى أبتغى من وراء كلماتى رضا البعض وأتجنب إغضاب البعض غافلا عن أن رضا الله هو الغاية حتى لو كره كل الخلق  .

الخميس، 24 أكتوبر 2019

والسبب المطر !


وبعد مقدمة قصيرة ، انهالت الأمطار ، بدأت قطرات ثم أصبحت فى عجلة من أمرها تتدفق أفواجا أفواجا ، بدأت مبشرات فطرب الناس وتسابق البعض ليلهو وسط زخاتها مبتهجا ثم تتابعت فغضبت فتبدل لون السماء وأصبحت تشتعل وتئن وتزأر ، لم يكن اللمعان إبتهاجا كما كنا نظن وإنما كان صراخا أحدث دويا هائلا ، هزيم الرعد مدوى سبقه وميض البرق المفزع ، وأصبحت القطرات كرات من الثلج تقذف جماعات جماعات ، الأشجار كانت تتراقص طربا وفجأة أصبحت تتلوى ألما وكمدا حتى صرعتها الرياح فاقتلعت جذورها ، الطيور التى كانت تغرد وتلهو هرعت إلى أعشاشها ضامة صغارها بين أجنحتها ، الشمس غفلتنا وانسحبت دون أن يدركها أحد منا .
أصبحت الأمطار كأسد غاضب ، خرج من عرينه لتوه ، جائع يبحث عن فريسته وهل من فريسة أيسر من تلك التى تتقاذفها الريح وتحملها الأمطار .
كأن كل شئ تحالف ضدها ، أعمدة الكهرباء اشتعلت ، لم تقوى على كبح جماح شرايينها فأنفجرت العروق ملقية بشحناتها إلى الأرض والأرض أغرقها الماء والماء يحمل الموت والفريسة .... تركت فريسة .
هواتف لعينة وأبواق نزع منها صوتها وسيارات تعطلت فسد وقودها ، صرخات أم وكسر أب وبكاء صغار وأمانة ضاعت بين جنيهات عفنة ومؤن مغشوشة وذمم خربة وأنفس مريضة وراع ضيع رعيته .
الماء الطاهر ابتلع الروح والجسد البرئ فارقته قواه ، الألم وقت مضى والوجع ليل سرمدى ، النهار ولى مفارقا والليل أبى القدوم ، الروح تشبثت بالضوء والضوء هزمته دموعه .

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2019

صغيرة


هل هذا الوقت سيرحل ، هل ستمضى كل تلك الدموع التى انسالت ، ليست مما يمكن احتماله ، الأيام ربما تخفف الألام ، هل يموت الألم ؟! ، لا أظن ... ، أعتقد أنه يشتد ويشتد مع كل صورة وذكرى ، مع كل كلمة ولحظة ، مع كل شئ تلمسه وكل مكان خطت عليه بقدميها الصغيرتين ، يشتد ثم يبحث عن ركن يهدأ فيه ليمنح النفس وقتا تجمع فيها بقاياها حتى يستطيع أن يهجم عليها مجددا ويمارس معها أفعاله ، كأن الألم لذته رؤية الأرواح معذبة ، يبدل صوره ومظهره ، يقدم على غفلة ولا يرحل دون أن يترك علامة .
ابتسامتها ، كانت صافية كسماء اغسطس ، ساحرة كليالى الأندلس ، وهادئة كصلاة الصبح .
كلماتها حانية كريش نعام ، طيبة كرحيق الياسمين ، لمساتها دافئة وأشد حنانا من الدموع .
كانت تلهو سعيدة ، تلقى بكل الأشياء هنا وهناك ، تجرى ، تقفز ، ويتقافز الفرح أمام ناظريها ، تقرب المسافات ، ضحكتها صاخبة ، بريئة كتغريد الكناريا ، ثم  خملت فجأة ، سكتت فجأة ، وساد الصمت من يومها وحل الغياب .
يا طفلتى ، صغيرتى ، أميرتى ، الحلم الذى لم يكتمل والعمر الذى لم يتم ، يا جنتى ومهجتى وضحكتى التى رحلت معك ، يا قوتى التى وهنت وأوقاتى التى ضلت ، ودمعتى التى جفت وعينى التى جمدت.
لعبك ، أرجوحنك ، تنوراتك وفساتينك ، عرائسك ، فرشاتك ، مرآتك ، وقبلاتك ......... قبلاتك .
نظرة أخيرة وقبلة وداع ودمعة تغسل خدك ، من يمسح دموعى بعدك ، من يلهو معى ، من يختبئ لى خلف الستائر وتحت الأسرة وفى خزانات الملابس ، من يقطع لى الفاكهة ويصب العصائر على ملابسى ويملأ الأركان بالشيكولاته ، من يبتسم فى وجهى قبل النوم وعند الصباح ، من سيكون صباحى وليلتى ، من يصحبنى فى نومى وغفوتى ، من أبكى فيقبل دموعى ، وأضحك فيرقص لفرحى ، وأجرى فيطير يسبقنى ، من يعانق رأسى حتى تختفى فى كف يديه الصغيرتين ، من يسبقنى فيعانقنى ، من يصرخ فى وجهى إذا غضبت ، حتى تلك اللقيمات التى كنت تضعيها فى فمى ...؟! .
هل أعد ما تبقى من عذاب حتى يحملنى القدر إليك ، كم ستمهلنى الأوقات وهل يقوى قلبى على التحمل ؟ ، تحمل بعدك ، وأيام خلت منك وأوقات طعمها علقم .
الحياة هبة والفراق موعد والرحيل حقيقة وليس أشد منه وجعا ...

الجمعة، 11 أكتوبر 2019

لم نعد صغارا " 13 "


بالقرب يقف دوما شاب حسن الخلاق ، يكتسب قوته من تقديم وجبة الإفطار ، فى بادئ الأمر كان يضع ترابيزة صغيرة فى مكان غير الذى يقف فيه الأن ، أصبح اليوم جراج لصف السيارات بين مجموعة من المبانى التجارية وكان أحيانا يقف بدلا منه صاحبه ، لسنوات عدة إعتدت على شراء إفطارى منه ، كان قديما يكتفى بتقديم ساندوتشات الفول فقط واليوم أصبح يقدم برفقتها الطعمية وشرائح البطاطس والبيض ومزيج من السلاطات ، قديما كان يعمل كل يوم وحده أو يستبدل بشريك له واليوم بفضل الله عليه أصبح يقف وبرفقته اثنان أو ثلاثة من المساعدين أو يزيد بعد أن استبدل المكان وابتاع عربة يعد بها الوجبات وترابيزات يقدمها عليها وسيارة ربع نقل لينقل عليها المؤن والاحتياجات .
بالقرب كانت هناك مكتبة شهيرة ، أصحابها شديدى الود ، ابتسامتهم لا تفارقهم ، تجاورها مكتبة أخرى والمنافسة بينهما شديدة ، سمعت أنهما كانا يوما شركاء ولكنى لم أقف على حقيقة الأمر .
توالت الأيام وتغير الأمر وتفرق أصحاب المكتبة وأصبحتا مكتبتان ، الأولى فى نفس مكانها والجديدة من خلفها كل منها تطل على جهة مضادة ، الأولى أصبحت تديرها مجموعة من الفتيات والجديدة تديرها عائلة أحد الشركاء بالمكتبة الأولى قبل أن تفرقهم السنن .
مبنى للثقافة أو لنشر الثقافة أو هو مبنى فقط ولكنه يتبع إداريا وزارة الثقافة ، بناية صغيرة تحيطها الأشجار ، المساحات الواسعة حولها وفرت للسائقين مرادهم فى وجود مكان ظل يصفون فيه سياراتهم فى انتظار مواعيد ورديات عملهم أو دورهم فى الاصلاح فى الورش القريبة وأيضا مكانا جيدا يستطيعون فيه غسل سياراتهم وتنظيفها لوجود خطوط المياه والمعدة فى الأساس لرى الأشجار .
الجدران مشبعه بكلمات الغرام أو ما يقابلها من الألفاظ والأشكال المعبر عنها بالرسم و التى تخدش الحياء وتعبر عن فعل الغرام ، وخلف المبنى كان مكانا جيدا للقاء مختلسى اللذة أو راغبى الهوى أو لمن غافلتهم الرغبة فى قضاء حاجتهم ولا يجدون مكانا .
بالقرب مساحات مترامية تفترشها الرمال مكدسة كتلال وأحيانا مستوية وعلى مسافات متباعدة تخرج بعض الحشائش رؤوسها ، أحجار وبقايا مبانى مهدمة وأوراق مبعثرة تتصدر أحدها صورة اقتطعت من مجلة يملؤها نهد ثرى وزجاجة عتيقة .

الأحد، 6 أكتوبر 2019

مسافة


لا أعرف السباحة لكنى لم أغرق ، تخطيت تلك البحيرة إلى الجسر الأخر أحمل الصبى فوق كتفى ، أغرق رأسى فى الماء حتى أغيب عن السطح ثم أرتفع ، أضرب الماء وكأنى أقاتل عدوى ، أتشبث بالحياة ولو كانت مسافة نسمة .
تخطى حاجز الخوف يا صغيرى ، الظلام كامن فى العقل وفى تلك الأشياء التى يبثونها فى وسائل الاعلام والصحف ومواقع التواصل والمناهج وبعض الكتب ، أما ما تراه فليس سوى كسوة يرتديها الكون ليلا كـ -لون قميص أبيك ، الرؤى يا صغيرى هى أحاديث عقولنا ، أفكارنا ، خواطرنا ، ما نشغل به ونفكر فيه ونبحث عنه ونسعى إليه ..
لا خوف يا صغيرى ، نخشى فقط أن تخيب آمالنا ، أن تضل الأحلام طريقها أثناء سيرنا إليها ، أن يغيب الطريق وتطول الرحلة ويرحل الآثر ..
السلام النفسى ، الطمأنينة ، الراحة ، أن يكون لك مسارك الخاص ، أن تسعى حتى يسعى الحلم خلفك فتجعله فى قبضة يدك ، أن تعانق متعتك ، أن تصل إلى ذاتك .
إذا أردت البكاء فافعل ، فى وقت أخر كنت لأزجرك قائلا .. إن البكاء غير لائق ولكن الآن وقد أدركت كل هذه الأشياء وصقلتنى كل تلك المواقف وحفرت داخلى السنوات علاماتها سأقول لك ابكى كما شئت حتى تغسل روحك وتمحو ما علق بنفسك من دنس .