السبت، 26 فبراير 2022

عن الحرب

 

الكون كان هادئا لكن فجأة تبدل كل شئ ، الظلام كان مسالما لكن أضاءته حرائق وانفجارات ، طائرات وصواريخ يطارد بعضها بعضا ، دوى القذائف والطلقات ، تُلقى القذائف هنا وهناك ، لا تبالى على أى مكان تقع .

الأشجار تحاول الصمود فتنتزع من جذورها ، البيوت تُسوى بالأرض ، تحولت إلى كتل من الركام ، كل شئ أصبح خرابا ، سيارات مشتعلة ، حفر تفوه من بطنها النيران ، محطات وقود خُربت بالكامل ، شبكات الكهرباء والاتصالات دمرت ، محطات المياه فجرت ، طرق أغلقت بفعل القذائف التى شقتها ، جثث يفور منها الدم ، القذائف منزوعة القلب ، لا تفرق بين صغير وكبير ، شيخ وطفل ، ذكر وأنثى ، قوى وضعيف ، انسان وحيوان ، نبات وجماد ، الكل يدرك نصيبه ، ويتجرع معاناته .

الناس تتكدس ، تفر ، تبحث عن ملاجئ تحتمى بها ، الوجوه ملطخة بالسواد ، وأجساد مخضبة بالدماء وأخرى تتخبط وتتعثر ، العيون تبكى غابت عنها لمعتها وذهبت منها فرحتها وبدلت طمأنينتها خوفا ورعبا ، السيارات تتكدس فوق الجسور ، لم يعد أحد فى مأمن ، فى الحرب الكل خاسر حتى من يظن أنه انتصر ، الكل فيها يفقد شئ حتى نفسه ربما يفقدها ، حتما ستفقد روحك ، قلبك ، ذاتك ، بعضا منك ، أقاربك ، أهلك ، أصحابك ، جيرانك ، معارفك ، ذكرياتك ، انسانيتك ، ستفقد شيئا حتما ، الحرب مخيفة ولا يدفع فيها الثمن غير من لا ناقة له فيها ولا جمل .

الخراب فى كل بقعة ، المركبات والأليات محطمة على جوانب الطرق ، جذوع الأشجار واقعة هنا وهناك ، تكاد لا تجد متسعا تمر منه ، الأرض لم تعد ممهدة ولا صالحة للسير ، بوارج غارقة وسفن مستلقية على جانبها وأدخنة تتصاعد .

صافرات الانذار لا يكف دويها رغم أن الوضع فى الملاجئ يزداد سوءا ، أكوام من أجساد البشر مكدسة فوق بعضها ، المؤن لا تكفى ولا الثياب ولا الغطاء ، الحزن يخيم والكل يتوجع والألم مسيطر على الملامح والبكاء لا يكف .

الويل لكل الويل للأسلاك الشائكة ، للحدود ، للمعابر ، لمن يحول دون الانسان وحياته ، لمنيئد الأحلام قبل أن تولد ، لمن يقتل الضحكات والوجوه الباسمة ، لمن يسجن أحدهم فى بؤرة لا يسمح له بالمرور حتى يقتنصه الموت ، الويل كل الويل لمن مات داخله الإنسان ، الويل كل الويل لمن خذل ، لمن باع ، لمن فر ولمن خان .

الجمعة، 25 فبراير 2022

جمعة مباركة

 

الهواء اليوم شديد ، يتلاعب بالأشجار ، بالستائر ، بالثياب المعلقة فوق الحبال ، تحول المشابك بينه وبين أن يصرع الثياب أرضا مثلما يفعل بالأوراق الملقاة فى أرضية الشوارع يقلبها وينقلها ويجعلها تترنح لا تقوى على مجاهدته .

الشمس ساطعة تنشر أشعتها بسخاء لكن الهواء يكسر دفئها ويحيله إلى برودة متقبلة .

البيوت بالداخل أشد برودة من الشرفات ، الشرفات تتدفئها الحرية ، مفتوحة إلى السماء ، تنظر إليها طيلة الوقت ، تشاهد القمر ، النجوم ، السحب ، تساقط الندى ، تشهد تعاقب الليل والنهار ، أما البيوت فهى سجينة جدرانها رغم المنافذ فيها إلا أنها صغيرة لا تمدها بالدفء المناسب لذا تُستخدم أجهزة التدفئة الصناعية لمحاولة إصلاح ذلك .

الكلب الصغير ينبح ، يعلو صوته ، تُغلق الأبواب أمامه ، كلما فتح أحدهم بابه أسرع نحوه ، كلما رأى سيارة مقبلة جرى نحوها ، مثله مثل تلك القطة التى يبدو أن أصحابها تركوها او أنها ضلت طريقها نحوهم فأصبحت تستأنس بدرانا ، تظل مختبئة بجوار السور إلى ان يُفتح الباب فتُسرع إلى الداخل وتستلقى على المشاية الموضوعة فى مقدمة السلم ، أصبحت تتبادل ذلك الفراش مع الكلب الصغير ، يبدو أنها رقت لحاله وصعب عليها أن يبقى يعانى البرد والوحدة وحده ، أصبحت أشاهدهم يلعبون سويا برفقة الأطفال الصغار ، القطة تخشى القط الأسود الذى دوما يتحرش بها ، يضربها ويزجرها ، توالى الأيام بدل حالها ، كانت ممتلئة فى البداية بفرو مهذب لكنها الآن أصبحت تشبه كثيرا تلك القطط التى لا مآوى لها ولا ملجأ .

كنا سابقا نقيم فى بيت من طين ، كان فى أشد أوقات البرد دافئا جدا ، رغم انه خالى من الشرفات ، كان سقفه من خشب وبوص وطين فكانت تتسرب من بينه الأمطار .

كانت قطتى لونها مزيج من الأحمر والأسود والأبيض ، كانت تستلقى على حجرى وعندما أنام تنام بجوارى وذات قيلولة وجدت قد وضعت أولادها بجانبى ، بينما كانت أمى مشغولة أمام الفرن ، تخبز لنا العيش وتعد لنا صينية الأرز المعمر ، أحبه بدون سكر ، فكانت أمى تعد اثنتين ، إحداهما بسكر والثانية بدون ، كان عندى كلب صغير اسميته " جاك " كنت أتركه يلهو فى الطابق الثانى ، كان مزيجا من الأبيض والأسود والرمادى إلا أن أبيضه يطغى ، كانت لدى عنزة صغيرة ، كانت دوما تلهو بجوارى حتى عندما كنت أجلس على المصطبة أمام البيت كانت تصعد وتجلس بجوارى ، سمراء بها بقع بيضاء ، سميتها " بسمه " وعندما ولدت ، أنجبت أنثى لكنى سميت ابنتها " عزوز " رغم ذلك ، عزوز ورثت عن أمها شقاوتها وخفة ظلها لكن لونها غلب عليه الأبيض فكان اسوده قليلا .

الحيوانات أشد ألفة وأكثر وفاء من كثير من البشر ...

لكن منهم القاسى والغليظ كحمارة عمتى ، كلما عاملتها برفق رفصتك وكلما اعتليت ظهرها أوقعت بك أرضا وفرت منك وضاع وقتك فى مطاردتها لكنها رغم ذلك كانت تخشى زوج عمتى فكانت عصاه قوية لا تفارق يده فكان إن قال لها "هش اقف " لا تستطع رفع قدم من مكانها وان قال لها " حا " تحركت بمهل إلا إن نخزها فى جنبها فحينها تسرع .

السبت، 19 فبراير 2022

قسوة

 

البيت بارد ، أشعر بالبرودة تتسلل إلى أطرافى وكأنها تسرى فى عروقى ، الجدران باردة ، الصمت جعلها أشد بردا ، الصور على الجدران باردة أيضا ، صمتت فترة طويلة حتى علاها الغبار ، حتى الغبار الذى يعلوها بارد ايضا .

المدفأة رغم أنها تشتاط غضبا إلا أنها باردة أيضا ، أضع يدى على جدرانها فتكاد تتجمد ، الأبواب تصطك يعلو صوتها كأنها أسنان تصطدم فى بعضها، النوافذ تهتز يكاد زجاجها أن يسقط ، السلم الخشبى ، السقف الخشبى ، الستائر البالية ، عروق أخشاب سوداء مدعمة بأعواد البوص مثبتتة بعجين من طين وتبن ، كل شئ اهتز فجأة ، تحرك من موضعه ، تراقص يمينا وشمالا ، صوت الرعد يعلو ويعلو ، الأمطار تتساقط ، تنهمر بقسوة ، صوت المزاليج يفتح ، المياه تزاداد ، قطرات ، كرات ثلج ، حبات ملح ، دفقات دفقات .

أرتجف فى موضعى ، حتى كوب الشاى الذى اجتهدت حتى أعددته لا أستطيع أن أمد يدى لألتقطه ، كل أطرافى ترتعش ، ضلوعى كأنها تادخلت فى بعضها وكلما علا صوت الرعد تجمدت فى مقعدى أكثر ، أخاف الظلمة ، وتساقط الأشجار ، البرق تكاد من هوله أن تشتعل الحرائق ، المزرعة كانت آمنة جدا ، كنت أحب البقاء هنا لأطول وقت ، أقضى جل وقتى فيها ، أرعى أشجارى وأسقى ورودى وأزهارى ، ألاعب جيادى وأضع للماشية والابل والأغنام والماعز طعامهم وسقياهم ، كل شئ الآن غاضب ، حتى كلابى تنبح بصوت خائف ، أظنها ترتجف مثلى الآن .

أنتظر حتى تهدأ الزوبعة ، أتمالك أعصابى ، تهدأ دقات قلبى ، أتحرك بخطوات بطيئة نحو النوافذ والأبواب لأغلقها جيدا ، أرى الكلاب ترتعد فى الخارج فأفتح لها الباب لتدخل وأطلب منها أن تسامحنى أن أبقيتها تعانى وحدها هذه الأجواء فلم أكون أقوى على الحركة ، تنظر إلى معاتبة يكاد الدمع يسقط منها ، أقربهم من المدفأة فيضجعون أمامها ويفردون رؤوسهم على الأرض وعيونهم غرقى فى الحزن ، ألقى على ظهورهم بعض خرق بالية فلا أملك غيرها  .

عاد المطر يتدفق بلا انقطاع ، تلاقت عينى مع أعين الكلاب ، جميعنا ذاهل ، لا يعرف ما يحدث ، الخوف يسيطر علينا ، نسمع أزيزا وارتطام ، اتمسك بجانبى مقعدى ، أخشى الانزلاق أو الوقوع ، لا أعلم كيف سأنزلق ولا أين سأقع ولكنه الخوف يبسط رهبته فى الصدور فتزوغ العيون ويضطرب القلب وترتعش الأطراف ويصير الصمت موتا ! .

هدأت الريح لكن الأمطار مازالت محافظة على هطولها ، تدلت أغصان الأشجار حول سيقانها فكأنها أشبه بأذرع متراخية لأجساد ماتت واقفة ، المياه تنهمر وكأنها شلال متدفق ينزل من جبل عال ، المياه تجمعت بركا فى المساحات الخالية أمام البيت ، تسقط فيها الأضواء فتلمع ، وتبحر فيها النجوم فتلهو ويبدو القمر حزينا ! .

الليل يتسلل رويدا رويدا ، أهو الليل أم هى ظلم السحب المتكدسة فوق رأسى أم هو الخوف يجثو ويجثو ، البرد يشتد قسوة والأمطار تشتد غلظة وكرات الثلج تشتد تماسكا وكأن السماء تقذفنا بكرات بيضاء .

الكلاب غلبها النوم فنامت ، أكاد أحسدها على حالها ، أحاول أن ألحق بهم لكن النوم يعاندنى وأصوات الرعد ولهيب البرق يزعجنى ، تدور فى رأسى الدوائروالأفكار ، كأنى أسير أتخبط فى طريق وعر ، أقع من هنا وتصطدم قدمى من هنا وتغرس هنا ، أسير متكفئ ، أحبو ، تنزلق قدمى من قمة عالية  ،  يهزمنى النوم فتقع رأسى بجوارى .

الجمعة، 18 فبراير 2022

ثلاثية الملك والكتابة

 

يتجول الكاتب الرائع " محمد توفيق " ويطوف حول تاريخ الصحافة فى عمل موسوعى أطلق عليه الملك والكتابة ، صدر عن ريشة للنشر والتوزيع .

الكتاب الأول يغطى الفترة من 1798 م الى 1899 م بعنوان فرعى جورنال الباشا .

تلاه الكتاب الثانى ويغطى الفترة من 1900م الى 1949 م بعنوان فرعى حب وحرب وحبر .

أما الكتاب الثالث فقد تناول الفترة من 1950 م وحتى 1999 م وأختار له عنوانا فرعيا قصة الصحافة والسلطة فى مصر .

تجول بخفة وبراعة حول ما حدث فى مصر فى هذه الحقبات المتعاقبة فى عمل موسوعى تعب وجد فيه كثيرا ، يصور لنا تاريخ الصحافة منذ بدايتها مع الحملة الفرنسية وينقل لنا ما نشرته تلك الصحف حول الأحداث مؤيدة ومعارضة وأرفق صورا مقتبسة من تلك الصحف والجرائد ونقل أخبارا وأحاديث كثيرة ، استند الى مصادر كثيرة جدا أدرجها فى نهاية كل جزء من هذه الثلاثية ، استغرق الأمر الكثير فى أروقة الصحافة وأرشيف الصحف وأرشيف دار الكتب والوثائق ومكتبة الاسكندرية وأجرى العديد من المقابلات حتى يخرج لنا هذا العمل الموسوعى بهذا الشكل البديع .

نقل لنا حكم محمد على حتى ثورة يوليو ونفى فاروق واعلان الجمهورية وانتهاء الملكية ، عشنا الاشتراكية والرأسمالية ، حكى لنا أوقات الحرب وأوقات الأمل وبهجة الانتصار ، رأينا ميلاد الصحف وخفوتها ، عشنا معاناة أصحاب القلم وانتقام ذوى السلطة .

بدأت ثلاثيته بأول جريدة أصدرها نابليون تحت اسم بريد مصر " كورييه دوليجيبت " وانتهت بجريدة الشعب برئاسة تحرير مجدى أحمد حسين الصادرة عن حزب العمال الذى يرأسه ابراهيم شكرى .

بدأت الحكاية عندما قدم نابليون الى مصر وتعداد سكانها لا يتخطى ثلاثة ملايين نسمة وتوقفت وعدد سكانها يناهض سبعين مليون نسمة .

الرحلة تبدأ عند نهاية القرن الثامن عشر ثم تصحبك فى رحلة حية وبث مباشر للقرن التاسع عشر ثم القرن العشرون كأنك تعيش الأحداث ، تشارك فى صناعتها وفى صياغتها ، تعيش مؤثرا فى التاريخ ، تفر مع كل مطارد وتُعذب مع كل معتقل وتفرح مع كل انتصار وتتوجع مع كل ألم .

أن تعرف مصر كيف عانت وكيف كانت وكيف صمدت أمام كل هذا وكيف تجاوزته وكأنه ما كان ، ترى الحكايات كيف بدأت وإلى ماذا انتهت .

ماذا دار فى عقل تابليون ومن خلفه بعده ، كيف كانت رحلة محمد على وكيف تشكلت عقليته وكيف تطورت أفكاره ، وكيف غدر بأصحابه وماذا آل إليه حاله .

تبحر مع الجبرتى وتصحب الامام محمد عبده وتجلس على المقهى بصحبة جمال الدين الافغانى وتسافر مع رفاعة الطهطاوى وتعبش مطاردا مع عبدالله النديم ، تقابل عبدالرحمن الكواكبى وتشهد وقفة عرابى فى قصر عابدين وتشهد ميلاد " جريدة الهلال " .

ترى مصر محتلة من الفرنسيين ثم يحكمها محمد على واسرته قبل أن تقع مجددا فريسة للاحتلال البريطانى بمباركة الخديوى توفيق وقبل أن ترهقها الديون والقروض فيما ابتلت به ابان حكم الخديوى سعيد والخديوى اسماعيل ، تعانى فى حفر قناة السويس ويقتلك الوجع والحزن على أولئك الذين لقوا حتفهم بينما يرقص غيرهم فوق جثثهم .

يبتهج قلبك لجرأة مصطفى كامل ولحكمة محمد فريد وتسير تنادى " سعد ..... سعد .. يحيا سعد " ، تعيش حربين عالميتين وتنجو من الأوبئة بأعجوبة ، وتعجز عن منع ميلاد اسرائيل وتأتى النكسة على ما تبقى من صمودك وقوتك فى 56 ثم 67 قبل أن ترتد إليك روحك وتعود منتصرا فى 73 .

تعاين لحظات الخيانة والغدر وتبدل المواقف ، ترى سجينا صار رئيسا ومناضلا صار وزيرا وملكا صار فى المنفى وصبيا صار واليا وحاكما ، ترى طاعونا تفشى وزلزالا مدمر ، تشتعل حروبا وتباد مدنا ومن لا ناقة له ولا جمل يدفع الثمن .



الخميس، 17 فبراير 2022

زحمة

 

أجلس على المحطة ، كراسى خشبية قديمة ، تحدث صوتا عندما تجلس عليها أو تأتى بأى حركة ، أنتظر الوقت يمضى ، أتأمل الرصيف المتكسر ، الدهانات التى أصابها العطب ، نشع الجدران ، الطحالب الخضراء تحوم أسفل مواسير الصرف ، الناس تغدو وتروح ، أصوات مرتفعة وأخرى هامسة وثالثة أصابها الصمت .

ضحكات صاخبة ودموع تشق فى الخدود مجراها ، السفر حكايات وكل يحمل حكاياته مع أمتعته ، وجوه شاحبة وأخرى راضية ، وجوه قلقة وغيرها مطمئنة ، أطفال وشباب وشيوخ ، ذكور وإناث ، على رصيف المحطة يختلط الجميع ، تختفى الأعراق والأنساب ، ويتزاحم الجميع ليدرك مقعدا فى القطار أو مكانا جيدا للوقوف .

الصفحات كما الوجوه تخفى تحت ثناياها الكثير ، يتراكم عليها الغبار كما تتراكم التجاعيد على الوجوه ، لها رائحة حارة كلهيب أنفاس البشر ، تتكلم مختنقة وتسترسل فرحة راقصة .

" كان علىٌ أن ألعب بالكل حتى يربح الكل وهو حل لم يكن مريحا إضافة إلى كونه خطرا لكنى لا أملك غيره ..." مذكرات الرئيس الأمريكى كارتر .

ترتفع الصافرات تعلن عن قدوم قطار للمحطة فيتدافع المسافرون وتنتشر الفوضى بين قادم ومغادر ومن ينزل ومن يصعد ومن تغلبه أمتعته ومن يقتنص الفرصة ليتحرش ويشبع غرائزه .

أكشاك البيع احتلت المحطة ، عصائر ، مياه غازية ومعدنية ، مقرمشات وسجائر ، وجبات سريعة ، كروت شحن ، مقاعد مصطفة يجلس عليها منتظرى القطارات تقدم إليهم طلباتهم ويشاهدون الأفلام ، نسوة يصفون أقفاصا سجنت بداخلها الدواجن والبط والأوز ، أوعية تنفجر منها روائح المش والجبنة القديمة ، أرغفة من الخبز المحمص ، أوعية مملوءة بالبيض مدسوس وسط كميات من الأرز كى لا يتكسر .

النظرات تلمع فى العيون البسيطة يغلفها الرضا ويحدها العشم فى أن يوسع الله الرزق ويرسل ما يسد فم العيال فالحاجة يا ولدى قاسية كقسوة تلك الأيام .

علاوة اضافية لجميع العاملين من أول يناير .... زيادة المعاشات بنسبة 10فى المئة .

كان ذلك هو العنوان الذى تصدر صحف صباح الاثنين السابع عشر من يناير لعام 1977 ، وفى مساء ذات اليوم اتخذت مجموعة من القرارات الاقتصادية ترتب عليها أن زادت اسعار الخبز والأرز والسكر والشاى واللحوم والبنزين والبوتاجاز والدقيق والذرة والحلاوة والفاصوليا والمنسوجات والملابس .

تلك البطون تتم طعامها بالرضا ، الحب يغمرهم والدفء يسرى فى عروقهم ، فقراء معدومين تكاد لا تغطى ملابسهم أجسامهم ولا تسد الأطعمة جوعهم رغم ان رغيف الخبز يسعدهم حتى وإن خلا مما يبدل طعمه لكن الحمد لا يفارق شفاههم وأن تنام قرير العين لا تحمل حقدا لأحد هو أكثر ما يغنيهم ، يا بنى الغنى يخشى النوم ، يعيش فى قلق وتوتر واضطراب ، يخاف أن يحدث ما يقلل من أرباحه وأن تخفق مشروعاته لكننا الحمد لله ننام بملئ أعيننا وهذا يكفينا ولا نسأل الله سوى الكفاف والستر .

نرى القطار قادما من بعيد تسبقه صافراته فينتفض الجميع ويبلعنا كلنا فى جوفه وينطلق فارا من المحطة غير مباليا بأولئك الذين نزلوا منه وغادروه فلم ينزف دمعة من أجلهم ولا يبالى بالذين ابتلعهم فى داخله فمثلهم مثل من سبقهم سيبقون معه وقتا محددا ثم يغادرونه ، هكذا علمته الدنيا ألا يجعل أحدا يمتلك قلبه حتى لو صاحبه عمره فالكل له وقت ويمضى !

الحياة كما القطار تعلم جيدا ان كل من يسكنها له وقت محدد يقضيه وبعده يمضى حتى هى نفسها تعلم أنها لا محالة راحلة فسبحان من يبقى حين يفنى كل شئ !



الخميس، 3 فبراير 2022

حكايا صغيرة

 

يا صغيرتى .. ابتسمى ، اليوم سأحكى لك حكاية جديدة من تلك الحكايات التى أنسج خيوطها أثناء حديثنا ، أخبرك سرا عنى ، أنا رغم قولك أننى أجيد الكتابة لكنى حكاء سيئا جدا ، لا اجيد سرد الحكايات ، أترك القلم فقط يمارس شغفه ، لذا تجديننى دوما أفضل الكتابة ، أبحث عنها وأسعى إليها ، أتهرب من حديث أو اتصال هاتفى وأستعيض عنه برسائل قد تملأ جنبات الكتب فلا تترك فيها فراغا ولا حواشى ، أحاول أن أصيغ لك الحكايات ، أقفز من فوق الأسوار المرتفعة والمبانى الشاهقة ، أعبر المحيط فى لمح البصر وأقطع الصحراء كأننى الضوء ، أقذف الألم بسهام تنغمس فى قلبه ، افتش عما يزعجك وأحيك حول عنقه خيوطى حتى إذا قويت واشتد عضدها وأصبحت وثاقا غليظا مغلظا قيدتها فى جناح طائرة وتركت لقبطانها العنان كى يلهو ، يتساقطون كذباب حاصرته المبيدات وقضت على ما تبقى من أنفاسه طائرات الرش .

أعلم أنك لا تعرفين شيئا عن طائرات الرش كما لم تكون تعرفين شيئا عن أشجار الجميز ، ماذا لو أخبرتك عن الصمغ الذى كنت أستخرجه من أشجار السنط ، أخدش جذوعها حتى ينفرج لى داخلها فأجمع منها الصمغ فى كيس بلاستيكى ، أشعل عليه النار قليلا ثم أستخدمه فى لصق مقتنياتى وأوراقى ، أو أصنع طائرات ورقية أو مراكب صغيرة وأجعل فى جوانبها أشرعة كبيرة وأنثر على جانبيها المجاديف ، كنت عندما لا أجد الصمغ أستعين بعجين من نشا أستخدمه لأداء نفس الغرض .

الجميز حلو المذاق ، ثمرة تنمو بتجمعات على شجرة ضخمة الجذوع سهلة الطلوع ، كنا صبيانا نصعدها ونجلس فوق جذوعها ونلتهم من ثمارها ، نفتح الثمار ونتأكد من خلو داخلها من الحشرات والديدان ونسمى الله ونأكل ...

كذلك أيضا أشجار التوت إلا أننى كنت إذا تناولت التوت ذو اللون الأحمر الغامق او الأسود تورمت عيناى ، شجرة الكولونيا أيضا كنت أحبها جدا ، طعم ثمارها رائع ، كان من حسن الطالع أن هذه الشجرة هى شجرة واحدة فى كل القرية وهى عند أخوالى وبالتالى كنت أحظى بإلتهام البعض منها ، ربما يكون لها اسم أخر لكنا كنا نسميها كذلك ، هكذا سمعت منهم .

كان عندى أخوالى أشجار نخيل يتساقط من تمرها الشهد ، شجرة المانجو العتيقة قبل أن تقطع ووتخلع جذورها وتزال معها الصفة القديمة ويحل محلهم بيت خالتى .

أشجار التين الشوكى الذى كان مستقرا خلف حائط جدتى ، كنت أخشى الاقتراب منه كى لا يصيبنى شوكها أو يكون هناك ثعبانا متخفيا خلف أغصانها الكثيفة ، كان خالى يقطع لى حبات ألتهمها بحب .

كانت أغصان العنب وفروعه تتمدد حول أركان الحظيرة وفوق سقفها ، لازالت أثار تكعيبة العنب هذه محفورة فى رأسى ، أتشبث بالقائم الخشبى وأصعد عليه أحمل فى يدى فأسا صغيرة وفجأة تفلت من يدى وتنغرس فى رأسى فينزل الدم خطا غليظا فوق عينى فيغرق وجهى ، تكتم الخالة الدماء بمسحوق البن والتراب الأحمر ، يربطون رأسى برباط من القماش الأبيض فتبزغ الدماء منه ، كان كل ما يشغلنى ماذا سيفعل بى عندما يرانى وقد شقت رأسى ... لكن الله سلم .

نسيت أن أحدثك عن طائرة الرش .... ربما مرة أخرى ..... أرى ابتسامتك تتلألأ أمامى الأن فاحفظيها .

الجمعة، 28 يناير 2022

جدد شغفك

 

تهجرك الكتابة فى أشد أوقات احتياجك لها ، تمسك بالقلم تحايله ، تحاول معه ، تلاطفه ، تبكى أمامه ، تشتكى له حالك ، تخبره مشاعرك كل شئ نيابة عنك ، الهموم قد اعتلت الصدر وثقلت عليه واصبح لا يقوى على حملها ، ترغب أن تفرغها على سطح ورقة ، أن تطمسها بالحبر حتى تتلاشى فى أمواج زرقته أو تغرق فى عمقه أو تتعثر بين شعبه ومرجانه ، ان تبحر مع تلك السفينة أوقات وأوقات ، تغرق أيامها فى لياليها وتتلاشى لياليها فى أيامها حتى تستقر بك على شط رحب ، جزيرة خالية سوى من اشجار وحيوانات أليفة ، ألقى بجسدى على الأرض ، يغلبنى النوم ، حتى تملأ الراحة أطرافى وتروى ضلوعى وتتخلل مسامى وتجرى رفقة الدم فى شرايينى .

رحلة أبتعد فيها عن كل شئ ، عن المطامع والأنانية ، عن الحقد والجشع والنفوس الخبيثة ، عن العيون الكاذبة والوعود الزائفة ، أنام حتى يغيب كل ما حدث ، أشتهى خلوة كخلوة أصحاب الكهف ، ثلاثمائة سنين وفوقهم تسعا ، ربما أطمع فى المزيد حتى يتغير الزمان ويتبدل ساكنوه ، حتى يكتسى الوقت فرحا وتضاء بالسعادة أيامه .

السماء صافية ، خالية من السحب ، المياه هادئة ، تقضى يومها تداعب حبات الرمل وتتحرش بجذوع الأشجار ، الشمس تنزع ثيابها وتقفز فى الماء حتى تغيب ثم تطل برأسها فينسدل شعرها على كتفها ثم تقفز ، تتراقص فى حركات دائرية ، تتجه نحو مجراها ، أغصان الأشجار تحتضن عشش الطيور ، تلمع الأوراق ، تحجب رسائل الشمس من أن تقع على الأرض .

تندفع نسمات الهواء ، تحمل رذاذ الماء تغسل به أوراق الشجر ، تتقافز الدلافين على سطح الماء ، تلهو وتلعب ، تلقى التحية ، تغازلنى بعينها ، يقطر من عينيها العسل ، خجولة كأنها القمر .

المياه نقية تماما ، تظهر ما تحتها حتى القاع ، تجلس بالقرب تشاهد مخلوقات لم ترى مثلها قط ، أسماك كبيرة وأسماك صغيرة تتوارى خلف الشعب ، كائنات لا تعرف اسمها ، نباتات وطحالب ، أزهار وعروق أخشاب ، جذور ممتدة مغطاة باللون الأخضر الغامق .

تجلس تتأمل تلك الطبيعة النقية التى إن لم تدنسها تدخلات البشر لصارت جنانا تبهج الناظرين ، زرقة السماء وزرقة المياه وخضرة الأغصان وبهاء الزهور ، تغريد الطيور وضجيج الحيوانات وخرير المياه  ورائحة الياسمين .

العالم مرهق بفطرته ، تحتاج بين وقت وأخر إلى خلوة بعيدا عن كل شئ ، أعمالك ومسئولياتك واهتماماتك ، خلوة من المحيطين بك قريبين كانوا أو ضد ذلك ، الحياة لن تتوقف إن ابتعدت عنها قليلا لكنك ستعود كأنك ولدت من جديد ، بروح طفل وقلب طاهر نقى شغوف ، خلوتك لتجديد شغفك فإن تكرار الأشياء يفقدها لذتها ويضعف همتك فى إنجازها .

يا عزيزى اخلو بنفسك جدد شغفك .

أن يهجرك قلمك حتى تبحث عما يبحث فيه الروح مجددا ، تبحث عن شئ يستفزه حتى يخرجه من صمته ، يتلوى ويتراقص أمامه ويكأنه أفعى أو أمرأة لعوب تجيد فعل الغواية ، الترياق الذى يثير شهوته ويحفز انتصابه حتى يخرج ما فى جوفه ويهد جدران صمته .

الأفعال تستفزه ، الكلمات تستفزه ، الخذلان يستفزه ، المواقف تستفزه ، كل شئ هو ذاته ما يجعله صامتا يجعله أيضا صارخا بصوت جهورى وكلمات رنانة تطرق فى الأذان وكأنها طنين نحل .

يا عزيزى ... اخلو بنفسك جدد شغفك !


الاثنين، 24 يناير 2022

سيرة القصر وأنت

 

الليل ثقيل كعادته هذه الأيام ، أكره فيه وحدتى وخلوتى رغم سابق حبى لذلك لكن لكل وقت ندائه ، كان يصحبنى قمره أما الآن فحتى قمره غادرنى وتركنى فى ظلمات أتخبط ، أتكوم حول نفسى ، أحاول أن أهرب بالنوم ، أدس رأسى تحت وسادتى ، ضوء المصابيح معتم ، أحاول كتم أنفاس جند الصداع ، تشرد بى الخواطر والأفكار ، بكل ما تبقى لدى من قوة  أقاوم تلك الأفكار الخبيثة ، يسعفنى النوم فأغفو .

قتل قطز على يد صديقه الظاهر بيبرس الذى تولى مقاليد الحكم بعده ، وزع الميراث على حاشيته وأمرائه ، أرض متسعة تصل إلى النيل تقدم هدية الى " شهاب الدين أحمد العينى " يبنى عليها قصرا ضخما زينة للناظرين يدعو إليه السلطان بنفسه لحضور مراسم افتتاحه ، كعادة الأيام لا تثبت على حال ، يقدم قايتباى ويحمل فى جعبته الشر لأمراء وحاشية من كان قبله فيقبض على الرجل بعد أن كان أميرا للحج ويساومه أن يدفع له مبلغا دوريا مقابل أن يطلق سراحه فيفعل ويتعثر فى السداد فيقبض عليه مجددا ويرحل قايتباى ويحله محله قانصوه الغورى وينهج نفس سيرته فيفر الرجل إلى مكه ومن هناك الى المدينة المنورة ويبقى فيها هاربا إلى مماته ويدفن بالبقيع .

مات الرجل وبقى لقصره حكايه فالبيوت ترتدى اصحابها زيا تتسم بصفاتهم وتقاسى أوجاعهم ، تشقى وتفرح ، تزغرد وتصرخ ، تبتسم وتئن ، أحيانا تمتلأ باللهو وأحيانا تلطخها الدماء ، يستولى على القصر بعد فرار صاحبه ثم تسقط الدولة المملوكية وتتحول مصر الى ولاية عثمانية فيجعل بكوات المماليك من القصر منتزها لهم ثم تحول الى مكان للحبس الجبرى للمغضوب عليهم من المراء أو مجلسا للوالى بعد أن يخونه أمراؤه ، سجن حربى حولته الحملة الفرنسية الى مستشفى للجنود ويدفن كليبر فى حديقته قبل أن تنقل رفاته مع بقايا فلول الحملة الفرنسية ثم يأتى محمد على فينشأ بالقصر مدرسة حربية ثم يحوله " كلوت بك " الى مدرسة للطب وينسب المكان لصاحبه فيسمى القصر العينى وتمر عليه الأيام وتتوالى الأحداث والفواجع ويبقى شاهدا على كل ذلك وتهدم منشأته ويعاد بناؤها وتفتتح مجددا فى تسعينات القرن الماضى .

تبقى سيرة المكان عطرة طيبة كسيرة صاحبه ، كل منهما شقى وفر ودارت عليه الدوائر ثم استقر حيث راق له ، يدفن صاحبه بأطهر الأماكن ويخلد القصر مكانا للتداوى والعلاج .

الليل ولى بأحلامه وخواطره ، رجل ملثم وفرار وهرب ، ساحات قصرممتلئة بأجساد الجوارى وأصوات الطرب ثم نفس الساحات مسرح للكر والفر والدماء .

أستيقظ للصلاة ثم أتجهز للمغادرة ، برد الشتاء قارص ، أرتدى الكثير من الثياب ، نغادر البيت ونخلف وراءنا أكفا مرتفعة بالدعاء والابتهال ونظرات تتضرع الى الله أن يردنا مجبورين .

سلكنا الطريق الغربى ، خلفنا وراءنا بيوتنا وشوراعنا ، الأماكن التى نعرفها وحفرت فينا أثارها ، رائحتها تفوح منا ورائحتنا تفوح فيها ، مررنا على مدن جديدة يحاولون من خلالها بث الحياة فى تلك الأماكن ، سيارة معطلة نزل منها ركابها لدفعها علها تعاود سيرتها الأولى ، صحراء مترامية ، كثبان رملية ، وديان وتلال ، سهول بها بعض النباتات والحشائش الجبلية والخرق البالية ، السيارة تطوى المكان والشمس ترتفع فوق رؤوسنا تداعب أشعتها زجاج السيارة ، أتأمل فى الطريق ، السماء ، الصحراء ، البنايات بعيدة كأنها نمل ، ننعطف من طريق الى طريق ، المقطم ، صلاح سالم ، ميدان التحرير ، القاهرة تصحو ، القاهرة لا تنام ، القاهرة عائمة على جبل من الزحام ، القاهرة باقية بحسن نوايا أهلها ، تدور عليهم الدوائر وتتجمع حولهم المطامع ويتسابق فى نهبهم الطغاة ويولى الوقت بهؤلاء وتبقى القاهرة لأصحابها ، أماكن تحتفظ بزيها القديم ، الأزهر ، شارع المعز ، مصر القديمة ، أماكن السفارات والأعيان ، جاردن سيتى ، الزمالك ، المهندسين ، لكل منطقة سمتها ورائحتها .

نزلف الى المستشفى ، يساعدنى أخى ، نجلس ننتظر ، يحين دورى ، يستقبلنى الطبيب مبتسما ، يحيينى كعادته ، وقت طويل بين العقاقير والأدوية ، أم تساعد طفلها ، تمنيت لو تأخذنى فى حضنها ، كم اشتاق الى عناق طويل منك يا أمى " رحمك الله " أنت وأبى ، يلقى على مسامعى الطبيب العديد من الوصايا ، أعرفها سلفا ولكن ما باليد حيلة .

ينقضى أكثر النهار ، ننتهى ونغادر ، نركب السيارة ، اركن رأسى على زجاج بابها ، سيدة منتقبة ثيابها جميلة تحمل حقيبة بها قطع من القماش ، تمسك بيديها طفليها ، يرتدون زى الحضانة ، يحملون حقائبهم خلف ظهورهم ، يتقافزون فتمسكهم وتزجرهم بقوة ، تخشى أن تصدمهم احدى السيارات المارة ، عبور شوارع القاهرة يحتاج الى مهارة واتقان فما بالك أن كان بصحبتك صغار ، فتاة ترتدى فستانا اسودا ، ضيقه يبرز ثناياها ، تلمع ساقاها ويطل شعرها من تحت غطائه ، وجهها أختفى تحت قناع من المساحيق ، الشوارع مكتنزة بالطلاب ، لازالوا بعيدا عن الهموم ، ضحكتهم رائقة كماء النيل .

نعود الى طريقنا وسط الصحراء والليل يقترب وأضواء خافتة تصحبنا فى سفرنا ، السماء بها قطع منيرة ، فراغات بين السحب ، أرجوانى عند الغروب ، فضى بعده ، ونجوم كأنها فلك فى الأنهار تسبح ، محطة للكهرباء تبث الكهرباء للعاصمة الادارية والمدن الجديدة المحيطة بها ، بساتين من النخل ، المدن الجديدة تبدو أضواءها كأنها علامات ، وعند منتهى بصرك تعانق السماء الرمال وتذوب السحب بينهما ، الوقت يمر ، نعبر البوابات وندفع الرسوم ، ثم نطرق أبواب مدينتنا .

الأماكن كما الأشخاص تتألم ، تتوجع ، تبكى ، تقاوم ، تبقى ، وأنت كما المكان عانيت وقاومت وستقاوم حتى تنتصر .

السبت، 8 يناير 2022

شروق

 

ابتسمى يا صغيرتى فالشمس اليوم خرجت مبتهجة لعلها تبشرك بقرب زوال تك المحنة التى ألمت بك ، لعلها بشرى من الله بقرب انفراج تلك الكربة ، أُخبرت بأن حرارتك قد انخفضت الى معدلات تقترب من المعدلات الطبيعية وأن نسبة الأكسجين أيضا ارتفعت وأصبحت مستقرة ، يا صغيرتى أكثر الناس ابتلاء بعد الأنبياء المطهرون المقربون من ربهم ، يبتليهم الله ليرفع مقامهم ودرجاتهم فربما بالابتلاء يدرك المرء المنازل التى لا يبلغها بطاعته ، أعلم أن المحنة ثقيلة وأن الابتلاء شديد وأن وقته طال وفاق قدراتنا الضعيفة على التحمل ، أعلم أيضا أن التعافى سيحتاج بعض الوقت ، كلنا نعلم وندرك ذلك جيدا ، نستعن بالله ونطلب منه أن يمدك بالقوة لتخطى كل ذلك وأن تمرين من ذلك الاختبار بسلام كما عهدناك قوية محاربة لا تسمحى لأى عائق بكسرك ولا بالوقوف فى طريق أحلامك .

أتعلمين ؟

أحاول أن أكتب لكن الكلمات تأبى ، جمدت ، تحجرت على فاه القلم ، هربت منى وفرت بعيدا ، وحدها الدعوات تبقى ، وحدها الدعوات تنطق ، وحدها الدعوات تجرى تشق السحب وتطرق أبواب السماوات .

أعلم أن ما يؤلمك أكثر هى الوحدة التى وضعت فيها رغما عنك ، العزلة الاجبارية ، غرفة العناية المعقمة ، الأجهزة الطبية المتصلة بجسدك ، تقاومين سكاكين الصداع التى تضرب فى رأسك ، تخبريننى أن مقاومتك ضعفت وأنك وصلت إلى الدرجة القصوى فى تحملك وأجيبك بأن الله أبدا لا يُكلف نفسا أو يحملها فوق طاقتها ومادام قدر لك ذلك فقطعا سيمنحك قدرة تفوق تلك المطلوبة لتحمل ذلك ، تقولين أرهقت الجميع حولى ، اخوتى تعبوا كثيرا ، أحبائى ، أخبرك بأن كل مدرك نصيبه من الابتلاء لا محالة ، تقولين الدائرة التى حولى ضاقت وأخشى ان طالت اليوم أكثر أن تغلق الدائرة على ، أجيبك بأن العبرة ليست بكثرة المحيطين وانما بصدقهم وأن صديق واحد صادق خير من ألف مدع زائف ، أخبرك بأن الابتلاء أتاك ليكشف أقنعة كثيرة محيطة وقد عاينت بنفسك ورأيت بأم عينك من بقى على العقد ومن زاغ، أخبرك بأنه حتى لو بقيت وحدك فى الدائرة كما تعتقدين فإن نعمت بسلامك النفسى فذاك يغنيك عن الكل ، يا صغيرتى الله هو السلام ويهب السلام فإن مُنحتِ السلام فقد نجوت .

أتعلمين ؟

قريبا كل ذلك الوقت سيمضى وكل ذلك الوجع سيرحل وستأتى أيام نذكر فيها ذلك ، نقول حدث وحدث ، نتذاكر تلك الذكريات ونسال الله أن يبارك فى أجر الصبر فيها والرضا بها ، سنقول ابتلينا ورضينا وصبرنا وشكرنا ، منحنا الله القوة فقاومنا وأجزل لنا العطاء فعوضنا كما لم نكن نحلم أبدا ، كانت أياما ثقالا ولكن الله هونها ويسر لنا تجاوزها ، سنحكيه تاريخا لأبنائنا لنعلمهم كيف يكونوا أقوياء وأن يتمسكوا دوما بإيمانهم وأن ثقتهم فى الله لابد أن تبقى أبدا راسخة لا تتزحزح ، ألا يسمحوا للشيطان بأن يسرب إليهم اليأس القنوط أبدا .

يا صغيرتى

الشمس اليوم مبتهجة ، تلفح أشعتها أجسادنا برفق ، تلمسنا بسلام وتبث فى أطرافنا الدفء
، تنسينا برد الأمس وتمحو عنا أثار الضباب .

الخميس، 6 يناير 2022

لم نعد صغارا " 41 "

 

أسير فى طرقات المدينة وشوارعها شبه الخالية ، بعض باعة الفاكهة على جوانب الطرقات ، سيارات مصطفة يجلس بجوارها سائقوها أشعلوا نارا إلتفوا حولها ، ينفثون الدخان من افواههم وأكواب الشاى بجوارهم يتصاعد منها البخار ، تعلو ضحكاتهم ونكاتهم التى لا تخلو من بذاءة كعادة أحاديث أوقات الصفا ، على اليمين يقف رجل خمسينى أمام عربته اتخذ من مؤخرتها مصدرا لرزقه ، يضع فيها ماكينة يصنع بها القهوة والمشروبات الساخنة وأطباق مغلفة وضع فى كل منها أربع ساندوتشات ، يلتف حوله المارة ، أتخطى الطريق إلى الجانب الأخر وفى منتصف جانبيه يقف بائع فاكهة ، وأمامه فتاة تتفحص مشترواتها ويحاول أن يداعبها كى لا تنتبه لما تفعله ، وعن يساره يقف شيخ عجوز ببعض أقفاص الفاكهة أيضا وفى الجهة الأخرى سيارة أخرى تقدم المشروبات الساخنة وسيارات تصطف بجوارها .

السماء تلمع صافية وقمر يبزغ ضيه يطل على استحياء ونسمات رطبة ، المحال شغلت جانبى الطريق واحتلت أسف البيوت ، ورشة لاصلاح اطارات السيارات ملحق بها معرض لتجارة الدراجات البخارية ، بجواره ورشة للرخام ، معرض للأثاث تتقدمه أرجوحة يعدونها اليوم من الأثاث المنزلى يليهم بقالة تتبعها مقلة للمسليات والمقرمشات ابتاع منهم شيئا لأسرتى ، أواصل سيرى بضع دقائق تقتحم أنفى رائحة المخبوزات الطازجة فدون أن أشعر تقودنى قدماى إلى المخبز أقتنى بعضا من المخبوزات الساخنة  وأنتقل منه الى المحل الملاصق له فأشترى قائمة من المنتجات طلبت منى برسالة على الهاتف وانتهت بعدة اكياس من الفاكهة والخضروات  .

أستيقظ باكرا ، السيارة يغطيها الضباب ، الشوارع خالية سوى من أوراق سقطت تحت الأشجار ، الطرقات باردة ، أشرع النوافذ ، أعد كوبا من الشاى ، أشربه على مهل ، أعيد بعض الأوراق إلى أماكنها ، الشمس أصبحت مبهجة ، أجلس فى الشرفة ، أمسك بيدى كتابا ، الحياة دبت فى المكان ، المحال تعرض بضاعتها ، الأصوات تتداخل ، شركة لتوزيع المواد الغذائية يعمل بها عصبة من الرجال ، أصواتهم دوما فى ارتفاع ، حديثهم كأنه الشجار ، فلافل الخال "ديما ع البال " لافتة تصدرت مقدم مطعم على وشك الافتتاح ، توب ستايلست – مصفف شعر للرجال عادة يفتح أبوابه عند الظهيرة إلا إن هاتفه أحدهم مبكرا ، ورشة لإصلاح وتغيير إطارات وبطاريات السيارات ، مغسلة للملابس ، محال لقطع الغيار ، بقالة مهران ، سيارة يعلو صدوت محركها ، يتصاعد منها دخان كثيف ، ملابس فى الشرفات تداعب أشعة الشمس ، تؤرجحها نسمات الهواء الطرية ، سيارات اصطفت تغفو بجوار بعضها ، فض نعاسها سيارة مرت صوت محركها مزعج كأنه لم يسلم من زكام الشتاء ، محل النظارات مغلق ، محل الزجاج كعادة صاحبه يفتح أبوابه ويتسكع بالجوار ما لم يكن مشغولا فى تقطيع مرأة أو تركيب زجاج لدى أحدهم ، العمارات القريبة نائمة تماما ، يبدو أن العمال الذين يعملون فى تشطيب بعض الشقق فيها تغيبوا اليوم أو غلبهم النوم ، طفل صغير يلهو أمام محلهم ، تركه والده وانصرف بالسيارة ، حارس العمارة صوته مميز ، يتخطى كل الأصوات المتداخلة ، ذو وجه بشوش ، طوال الوقت يقطع الشاره جيئة وذهابا ، يحمل شيئا ، ينظف سيارة ، يكنس القمامة ويجمعها فى أكياس ويلقى بها فى الصندوق القريب ، يساعد سيدة فى توصيل مشترواتها إلى شقتها ، يبدل لأحد السكان أنبوبة الغاز ، يتحدث فى الهاتف ، يجلس برفقة زوجته وأولاده على رصيف العمارة أمام المدخل تلفحهم أشعة الشمس ، هو وأخوه وأبنائهم وأزواج بناتهم يتولون هذه المنطقة ، بدأ الأمر بأكبرهم سنا منذ من يجاوز خمس سنوات ثم ألحق به البقية وكلما كثرت المبانى زاد عددهم وكأنهم نتاجها .

 أتذكر مشكلة ما فأبحث لها عن حل وأرسل استفسارات بشأنها إلى المختصين والزملاء العاملين فى نفس المجال فربما تكون قد صادفتهم مثلى ، أجد بعض الفيديوهات التى تتحدث عن موضوعات قريبة والبعض يجتهد ويرسل إلى حلولا لأجربها فربما قد تفيد ، أقرأ وأستمع وأشاهد وأبحث لأتعلم وأصل إلى الحل المناسب ، يهاتفنى أحد أصدقائى يطلب منى أن أصحبه لمشوار سريع فألبى .