الخميس، 14 نوفمبر 2019

من آمن العقاب ... اساء الأدب .


روى لى أخى أن زميله بالعمل وكان شابا صغير السن متفوقا فى دراسته ما جعله يلتحق بهذا العمل فى تلك الجهة الهامة ، حسن الخلق ، جميل الهيئة ، حديث عهد بالخطوبة فلم يمر على خطبته سوى أيام معدودات وبينما كان يسير فى منطقته بصحبة والده إذ رأى شجارا وصريخا ، شخص غيبت المخدرات عقله ، توسط الشارع يحمل سلاحا ينهال به على الناس ترويعا وقتلا ، النسوة يصرخن والأطفال يفرون فزعا والرجال يصيحون والشيوخ يتضرعون يارب سلم ، الناس تخاف ، تكتفى بالمشاهدة ، لا أعلم من أين امتلكوا هذه القوة كى يشاهدوا دماء تراق وأعضاء تقطع أطرافا تتطاير كالشرر ، وكبف لرجل أن يتحمل ، تقدم منه الشاب يحاول تهدئته ، الحديث معه ، يستحلفه بالله أن يكف ، ويكفى دماء عند هذا الحد ، يتعلق بثيابه ، يقبل قدمه ، اقتلنى واترك الباقين إن شئت ، وبدون أن يرجف جفنه يقتله البلطجى ليتم به مجزرته ويواصل افتراء وتعدى على دماء الناس وأعراضهم فمن آمن العقاب أساء الأدب .
إن ما يحدث فى المجتمع فى الأونة الأخيرة ينذر بكارثة لن تكون السيطرة عليها من الأمور اليسيرة ما لم يتم الإسراع بوضع الوسائل للسيطرة عليها ووضع العقوبات الرادعة .
إن تفشى وإنتشار أعمال البلطجة والإتجار فى المواد المخدرة حتى أصبح ذلك يتم عيانا بيانا فى الأماكن العامة " على النواصى وفى الطرقات والشوارع .. " ، الإتجار فى الأعضاء البشرية ، حوادث وجرائم السرقات والخطف والاغتصاب والقتل والتطرف وترويع الآمنين وكل تلك السلوكيات المنبوذة والمحرمة فى الدين والعرف ، ينبغى أن يوجه انتباه المسئولين لبذل أقصى ما فى استطاعتهم وتسخير إمكانيات الدولة للقضاء على تلك الظاهرة والتى باتت مستوطنة فى بعض المناطق بسبب التأخر فى معالجتها بالأسلوب المناسب .
الأمور تتفشى حتى تصبح أشياء عادية يعتادها الناس وربما هذا يفسر سلوكهم عند حدوث مثل تلك الأشياء فلا تجد المارة يتحرك لهم ساكنا بل والأبشع حرص البعض على تصوير وبث هذه المشاهد مباشرة على مواقع وشبكات التواصل الاجتماعى دون أن يحاول بذل الجهد فى منع الجريمة من أن تحدث أو محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه رغم الفائدة التى تحصل من وراء القيام بالتصوير لتلك الأحداث ولكن لا تكون الفائدة بنشرها وإنما بتقديمها للجهات المختصة لمحاسبة الجناة ومعاقبتهم .
غياب الأخلاق بل وانعدامها عند البعض ، الابتعاد عن الدين والتشريع السماوى وأحكامه وتطبيق حدوده فضلا عن غياب الدور الدينى للجهات المنوط بها القيام بذلك وإنشغالها بمحاولة نيل الرضا والحفاظ على المناصب والكراسى ، التوجه الأحمق من الإعلام بوسائله ووسائطه المختلفة ساهم فى نشر الفاحشة وأعمال البلطجة وإشاعتها على كل المستويات وبين كل طبقات المجتمع وفئاته حتى أصبح الأطفال يقومون بمثل تلك الأعمال من باب تقليد الممثلين والفنانين وكأن رسالة الفن أصبحت نشر البلطجة والتطرف فى المجتمع ، غياب القدوة وتمكين أصحاب الحناجر العالية والخدود المنتفخة ، معدومى العلم والعقل والحكمة وقليلى الأخلاق من المنابر الاعلامية وأصبحت مشاهدتهم ورؤيتهم روتينا يوميا وفرضا على أفراد المجتمع رضوا ذلك أو أبوا ، غياب الرادع فمن آمن العقاب أساء الأدب ، الظلم ، الفقر ، الجهل ، المرض ، البطالة ، النفاق .... وغير ذلك الكثير أدى إلى تفشى هذه الأعمال بهذا الشكل المروع .
الأمر جد خطير ، الناس تتشاجر ، تتعارك ، تتقاتل ، الناس يشاهدون ، يصورون ، حرمة الدماء والأعراض والأموال ما عادت موجودة ، البيوت تهدم ، السيارات والمملكات تحرق ، الأعناق تذبح ، وبأيد ثابتة وعيون خلت من مائها وقلوب مات احساسها وبشر نُزعت منهم إنسانيتهم ، يقبضون على هواتفهم ويضغطون بأصابعهم على أذرة هواتفهم لتشغيل كاميرات الفيديو لتصوير وبث كل تلك المشاهد مباشرة وكأن الفعل عادى ، مشهد سينمائى يتم تصويره وبعد الانتهاء منه يعود أبطاله إلى حياتهم وقد اكتسبوا مزيدا من المال والشهرة وأكتسب المجتمع مزيدا من الجهل والتطرف والانحراف .
ربما تكون تلك الجمل القصيرة بمثابة رسائل عسى أن تصل إلى من يلقى لها بالا فيحاول السعى فى إصلاح ما يمكن إصلاحه ، وليس أفضل من الاستثمار فى التعليم ، حفظ الله الأرض ، الوطن ، الإنسان .

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2019

ضباب


الشمس تطل على إستحياء بضوء واهن، تطرق برفق خد الصباح ، تسأله أن يستيقظ ، أن يسمح لها بمعانقته وإختراق حصونه ، الضباب يأبى ، يكسو كل شئ بلونه ، الكل غائب لا يكاد يُرى أطرافه ، الكون أبيض ، رمادى ، الندى ثقيل ، طبقات متكدسة فوق بعضها ، قلعة من البرد وحبات الندى ، طيور تنفض أجنحتها تحاول تلمس الدفء ، أشجار اغتسلت لتوها وتخضبت بأريج الصباح ، بيوت نائمة ، سيارات ومركبات كسى زجاجها الضباب، الأنفاس كأعمدة الدخان ، الوجوه مخضبة بحمرة والليل ولى عند بزوغ الفجر ، الأرض خاملة وترابها مازال ناعسا  .
أسير وكأنى خلقت وحيدا فى هذا العالم ، كأنى فى سجن من خيوط الضباب ، غرفة زجاجية تحيط بى ليس بها مخارج ، فقط تركت دون سقف كى أستطيع التنفس ،  لا أرى أبعد من أمام عينى ، أخشى التعثر ، أمشى تقودنى ذاكرتى ومعرفتى الفطرية بتلك الأماكن التى أخطوها دوما ، لو لقينى أحدهم الآن لاصطدمنا ببعضنا إلا أن تسعفنا الأنفاس قبلها أو الأصوات ، أسير بمحاذاة الجدران فى المنطقة الفاصلة بينها وبين الأشجار ، كلما خطوت أكثر تكسرت أمامى الأوعية الضبابية لكنها تعود مجددا بعدما أتخطاها وكأنها تخلق من جديد .
العالم كله انحصر فى تلك المساحة وخلى من المخلوقات سواى ، أتحرك يمنة ويسرة أبحث عن أى شئ وأصل إلى لاشئ فلاشئ مطلقا سواى وبعض أصوات الطيور تطل من بعد تخبرنى أن بالخارج حياة أيضا وترغبنى فى إدراكها ، أهرول ثابتا فى مكانى ، أجلس ، أستلقى ، أتكئ ، أنام ، أتقلب فى مكانى ، عزلة رمادية داخل بقعة غشاها الضباب واختلسها من العالم ، جزيرة من فراغ لا تزيد مساحتها عن موضع خطواتى ، موحشة إذا تكدرت الدنيا فى وجهى ، مبهجة إذا عشتها جنة ، خالية من الجرائم التى ترتكب و الدماء التى تراق باسم الدين ، باسم الطائفية ، باسم الفقر ، باسم القبلية ، باسم الحاكم ، باسم الحرية وباسم الوطن .
حالة غريبة ، جعلتنى مشتتا ، سلكت بى مسالك عدة فى ثوانى قصيرة ، ما لبثت الشمس أن شقت السماء فبدى شعاعها قويا  كنصر مؤزر أتى بعد حين ، لم يعد ضعيفا واهنا كما كان ، انقشع الضباب مسرعا وكأنه ما كان وظهرت كل المعالم التى كانت قد تاهت وبدت البيوت والأشجار والسيارات وابتهجت الطيور وأخذت تغرد وتزقزق ، أصوات صبية يعلو ، ساعة تعلن أوان الذهاب .


الاثنين، 28 أكتوبر 2019

تشتت


كنت قد قررت الكتابة عن كثير من الأشياء ثم أحجمت فجأة ، تراجعت عن الكتابة ، لا أعلم سببا محددا لذلك وربما أعرف ، فى الحقيقة هى أسباب كثيرة مجتمعة ومتفرقة فربما حديث البعض معى وطلبهم منى ألا أفعل بعد كل كتابة سابقة ومبررهم ما الداعى من سرد كلمات لن يستمع لها أحد رغم معرفة الجميع بها وقناعتهم بحقيقتها ولكن ... وردى دوما " معذرة إلى ربى " أولا وثانيا كلمة ربما تكون كلمة حق وضعت فى مكانها الصحيح ووقتها المناسب وكتب الله لها أن تجد الصدى المطلوب فردت باطلا ورفعت ظلما وأرشدت إلى صواب وعلى الأقل وجهت الانتباه نحو شئ معين كان قد غُفِل عنه ، وربما كى لا يتعاطى البعض مع الكلمات وكأنها موجهة له وهو المقصود بها دون غيره رغم ما فى ذلك من فائدة فربما إن صدق مع نفسه ووجد فيها بعضا مما كُتِب سارع إلى تصحيح مساره وضبط بوصلته والتوجه إلى الطريق الصحيح وليس أفضل من ذلك قيمة إن كانت الكتابة سببا فى تهذيب الأحوال وتزكية النفوس .
ربما لمعرفتى بنفسى وبعظيم أخطائى واعترافى بضعفى وإسرافى فى أمرى فأخشى أن أكتب وأحدث بينما أنا غارق فى الخطايا كى لا أقع تحت قول الله " أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب .. " ثم أتذكر أن هذا من مداخل الشيطان العظيمة عندما يريد أن يثبط همة إنسان ويضعف عزيمته عن فعل خير وسعى نحو رشد .
ربما أخشى الوقوع فى النفاق فكثيرا ما تحدثنى نفسى أن أفعالى كلها نفاق ورياء فكل ما أكتبه يجعل من يقرأ يظن بى الخير وحسن الخلق والفضيلة بينما أنا كلما خلوت بإثم اقترفته  " يظن الناس بى خيرا وإنى لشر الناس إن لم تعف عنى " .
فى الحقيقة بعد أن أنتهى من تلك الخاطرة المملوءة بالجمل المقتطعة من سردها الصحيح ربما سأحذف منها الكثير وربما لن أنشرها من الأساس وربما سأعمل على تهذيبها خشية أن يغضب البعض ما جاء بها من جمل وكلمات وأقع فى معضلة أخرى أنى أبتغى من وراء كلماتى رضا البعض وأتجنب إغضاب البعض غافلا عن أن رضا الله هو الغاية حتى لو كره كل الخلق  .

الخميس، 24 أكتوبر 2019

والسبب المطر !


وبعد مقدمة قصيرة ، انهالت الأمطار ، بدأت قطرات ثم أصبحت فى عجلة من أمرها تتدفق أفواجا أفواجا ، بدأت مبشرات فطرب الناس وتسابق البعض ليلهو وسط زخاتها مبتهجا ثم تتابعت فغضبت فتبدل لون السماء وأصبحت تشتعل وتئن وتزأر ، لم يكن اللمعان إبتهاجا كما كنا نظن وإنما كان صراخا أحدث دويا هائلا ، هزيم الرعد مدوى سبقه وميض البرق المفزع ، وأصبحت القطرات كرات من الثلج تقذف جماعات جماعات ، الأشجار كانت تتراقص طربا وفجأة أصبحت تتلوى ألما وكمدا حتى صرعتها الرياح فاقتلعت جذورها ، الطيور التى كانت تغرد وتلهو هرعت إلى أعشاشها ضامة صغارها بين أجنحتها ، الشمس غفلتنا وانسحبت دون أن يدركها أحد منا .
أصبحت الأمطار كأسد غاضب ، خرج من عرينه لتوه ، جائع يبحث عن فريسته وهل من فريسة أيسر من تلك التى تتقاذفها الريح وتحملها الأمطار .
كأن كل شئ تحالف ضدها ، أعمدة الكهرباء اشتعلت ، لم تقوى على كبح جماح شرايينها فأنفجرت العروق ملقية بشحناتها إلى الأرض والأرض أغرقها الماء والماء يحمل الموت والفريسة .... تركت فريسة .
هواتف لعينة وأبواق نزع منها صوتها وسيارات تعطلت فسد وقودها ، صرخات أم وكسر أب وبكاء صغار وأمانة ضاعت بين جنيهات عفنة ومؤن مغشوشة وذمم خربة وأنفس مريضة وراع ضيع رعيته .
الماء الطاهر ابتلع الروح والجسد البرئ فارقته قواه ، الألم وقت مضى والوجع ليل سرمدى ، النهار ولى مفارقا والليل أبى القدوم ، الروح تشبثت بالضوء والضوء هزمته دموعه .

الثلاثاء، 15 أكتوبر 2019

صغيرة


هل هذا الوقت سيرحل ، هل ستمضى كل تلك الدموع التى انسالت ، ليست مما يمكن احتماله ، الأيام ربما تخفف الألام ، هل يموت الألم ؟! ، لا أظن ... ، أعتقد أنه يشتد ويشتد مع كل صورة وذكرى ، مع كل كلمة ولحظة ، مع كل شئ تلمسه وكل مكان خطت عليه بقدميها الصغيرتين ، يشتد ثم يبحث عن ركن يهدأ فيه ليمنح النفس وقتا تجمع فيها بقاياها حتى يستطيع أن يهجم عليها مجددا ويمارس معها أفعاله ، كأن الألم لذته رؤية الأرواح معذبة ، يبدل صوره ومظهره ، يقدم على غفلة ولا يرحل دون أن يترك علامة .
ابتسامتها ، كانت صافية كسماء اغسطس ، ساحرة كليالى الأندلس ، وهادئة كصلاة الصبح .
كلماتها حانية كريش نعام ، طيبة كرحيق الياسمين ، لمساتها دافئة وأشد حنانا من الدموع .
كانت تلهو سعيدة ، تلقى بكل الأشياء هنا وهناك ، تجرى ، تقفز ، ويتقافز الفرح أمام ناظريها ، تقرب المسافات ، ضحكتها صاخبة ، بريئة كتغريد الكناريا ، ثم  خملت فجأة ، سكتت فجأة ، وساد الصمت من يومها وحل الغياب .
يا طفلتى ، صغيرتى ، أميرتى ، الحلم الذى لم يكتمل والعمر الذى لم يتم ، يا جنتى ومهجتى وضحكتى التى رحلت معك ، يا قوتى التى وهنت وأوقاتى التى ضلت ، ودمعتى التى جفت وعينى التى جمدت.
لعبك ، أرجوحنك ، تنوراتك وفساتينك ، عرائسك ، فرشاتك ، مرآتك ، وقبلاتك ......... قبلاتك .
نظرة أخيرة وقبلة وداع ودمعة تغسل خدك ، من يمسح دموعى بعدك ، من يلهو معى ، من يختبئ لى خلف الستائر وتحت الأسرة وفى خزانات الملابس ، من يقطع لى الفاكهة ويصب العصائر على ملابسى ويملأ الأركان بالشيكولاته ، من يبتسم فى وجهى قبل النوم وعند الصباح ، من سيكون صباحى وليلتى ، من يصحبنى فى نومى وغفوتى ، من أبكى فيقبل دموعى ، وأضحك فيرقص لفرحى ، وأجرى فيطير يسبقنى ، من يعانق رأسى حتى تختفى فى كف يديه الصغيرتين ، من يسبقنى فيعانقنى ، من يصرخ فى وجهى إذا غضبت ، حتى تلك اللقيمات التى كنت تضعيها فى فمى ...؟! .
هل أعد ما تبقى من عذاب حتى يحملنى القدر إليك ، كم ستمهلنى الأوقات وهل يقوى قلبى على التحمل ؟ ، تحمل بعدك ، وأيام خلت منك وأوقات طعمها علقم .
الحياة هبة والفراق موعد والرحيل حقيقة وليس أشد منه وجعا ...

الجمعة، 11 أكتوبر 2019

لم نعد صغارا " 13 "


بالقرب يقف دوما شاب حسن الخلاق ، يكتسب قوته من تقديم وجبة الإفطار ، فى بادئ الأمر كان يضع ترابيزة صغيرة فى مكان غير الذى يقف فيه الأن ، أصبح اليوم جراج لصف السيارات بين مجموعة من المبانى التجارية وكان أحيانا يقف بدلا منه صاحبه ، لسنوات عدة إعتدت على شراء إفطارى منه ، كان قديما يكتفى بتقديم ساندوتشات الفول فقط واليوم أصبح يقدم برفقتها الطعمية وشرائح البطاطس والبيض ومزيج من السلاطات ، قديما كان يعمل كل يوم وحده أو يستبدل بشريك له واليوم بفضل الله عليه أصبح يقف وبرفقته اثنان أو ثلاثة من المساعدين أو يزيد بعد أن استبدل المكان وابتاع عربة يعد بها الوجبات وترابيزات يقدمها عليها وسيارة ربع نقل لينقل عليها المؤن والاحتياجات .
بالقرب كانت هناك مكتبة شهيرة ، أصحابها شديدى الود ، ابتسامتهم لا تفارقهم ، تجاورها مكتبة أخرى والمنافسة بينهما شديدة ، سمعت أنهما كانا يوما شركاء ولكنى لم أقف على حقيقة الأمر .
توالت الأيام وتغير الأمر وتفرق أصحاب المكتبة وأصبحتا مكتبتان ، الأولى فى نفس مكانها والجديدة من خلفها كل منها تطل على جهة مضادة ، الأولى أصبحت تديرها مجموعة من الفتيات والجديدة تديرها عائلة أحد الشركاء بالمكتبة الأولى قبل أن تفرقهم السنن .
مبنى للثقافة أو لنشر الثقافة أو هو مبنى فقط ولكنه يتبع إداريا وزارة الثقافة ، بناية صغيرة تحيطها الأشجار ، المساحات الواسعة حولها وفرت للسائقين مرادهم فى وجود مكان ظل يصفون فيه سياراتهم فى انتظار مواعيد ورديات عملهم أو دورهم فى الاصلاح فى الورش القريبة وأيضا مكانا جيدا يستطيعون فيه غسل سياراتهم وتنظيفها لوجود خطوط المياه والمعدة فى الأساس لرى الأشجار .
الجدران مشبعه بكلمات الغرام أو ما يقابلها من الألفاظ والأشكال المعبر عنها بالرسم و التى تخدش الحياء وتعبر عن فعل الغرام ، وخلف المبنى كان مكانا جيدا للقاء مختلسى اللذة أو راغبى الهوى أو لمن غافلتهم الرغبة فى قضاء حاجتهم ولا يجدون مكانا .
بالقرب مساحات مترامية تفترشها الرمال مكدسة كتلال وأحيانا مستوية وعلى مسافات متباعدة تخرج بعض الحشائش رؤوسها ، أحجار وبقايا مبانى مهدمة وأوراق مبعثرة تتصدر أحدها صورة اقتطعت من مجلة يملؤها نهد ثرى وزجاجة عتيقة .

الأحد، 6 أكتوبر 2019

مسافة


لا أعرف السباحة لكنى لم أغرق ، تخطيت تلك البحيرة إلى الجسر الأخر أحمل الصبى فوق كتفى ، أغرق رأسى فى الماء حتى أغيب عن السطح ثم أرتفع ، أضرب الماء وكأنى أقاتل عدوى ، أتشبث بالحياة ولو كانت مسافة نسمة .
تخطى حاجز الخوف يا صغيرى ، الظلام كامن فى العقل وفى تلك الأشياء التى يبثونها فى وسائل الاعلام والصحف ومواقع التواصل والمناهج وبعض الكتب ، أما ما تراه فليس سوى كسوة يرتديها الكون ليلا كـ -لون قميص أبيك ، الرؤى يا صغيرى هى أحاديث عقولنا ، أفكارنا ، خواطرنا ، ما نشغل به ونفكر فيه ونبحث عنه ونسعى إليه ..
لا خوف يا صغيرى ، نخشى فقط أن تخيب آمالنا ، أن تضل الأحلام طريقها أثناء سيرنا إليها ، أن يغيب الطريق وتطول الرحلة ويرحل الآثر ..
السلام النفسى ، الطمأنينة ، الراحة ، أن يكون لك مسارك الخاص ، أن تسعى حتى يسعى الحلم خلفك فتجعله فى قبضة يدك ، أن تعانق متعتك ، أن تصل إلى ذاتك .
إذا أردت البكاء فافعل ، فى وقت أخر كنت لأزجرك قائلا .. إن البكاء غير لائق ولكن الآن وقد أدركت كل هذه الأشياء وصقلتنى كل تلك المواقف وحفرت داخلى السنوات علاماتها سأقول لك ابكى كما شئت حتى تغسل روحك وتمحو ما علق بنفسك من دنس .

السبت، 5 أكتوبر 2019

عن ... بعض...


الليل ... الوقت .... الحافلة ... الطريق .... وتلك الموسيقى
أبحث عن القلم ... عن النص الذى أفتقد... عن الكلمات التى غابت ...عن ذاك الذى كان ... ومضى .
أتصفح الأخبار ، كلها تشبه بعضها ... اعلانات .... مباريات ... هتافات وهتافات مضادة ، فتن وصراعات تشتعل ، تظاهرات ، عقارات فاخرة ، أسعار ومبالغ قد يموت البعض ولا يعرف ماهيتها ، شاليهات ، إنجازات ، تبرعات ، بهيه ، 57357 ، أبوالريش ، علاقات زوجية  ، البرود العاطفى ، أبراج ، اكتشاف المواهب ، إلغاء بعض القيود على العمرة وتخفيض الرسوم ، مهرجان الجونة وصور السجادة الحمراء تطغى على المواقع ، فريق يذهب للعب مباراة فى موعد ومدينة بينما الفريق الذى سيلاقيه فى نفس المباراة يذهب للقاء فى اليوم التالى فى مدينة أخرى وكل منهما يقول أنه على صواب ، اغانى ورقص فوق الدماء النازفة غدرا خيانة ..
كلمات أسافر معها إلى هذا البعد ، فى الزمن ، فى الوقت ، فى حب عاش به وتخلل مسامه ولا يستطيع منه فرارا ، ستون عاما وفوقها بضع أصبح عمره ولازال يبحث عن تلك التى كانت معه يوما ،  ينظر إليها وتسحره وتنظر إلى غيره وترتمى فى أحضانه ، لا يعرف عنها سوى اسمها أو ذاك الذى ظن أنه اسمها واسم أخيه أو ذاك الذى ظن أنه اسمه أيضا ..
الأيام تتغير والسنن تتوالى وتتداول بين الناس فلا يبقى شئ على حاله ولا يبقى العشق كما تخيلته وما خفى عنك فغيابه رحمة ، الأيام تصفعك أحيانا فلابد أن ينالك منها نصيبك فليس كل ما تراه صوابا يراه الأخرون مثلما تراه فالأمر نسبى خاصة إذا كان الحكم الهوى .
الحب لص برئ ، يسرق منك كل شئ أمام عينيك ، يلقى بك فى كل شئ وأنت صامت لا تملك من أمر نفسك شئ ، ينزع عنك عقل كخمر تسكر دون احتساء ، تظل تتبع خطواته وتأتمر بأمره ، لا تعى وجهتك ولا تملك الرفض ، مستسلما ومسالما ، تفعل كل شئ عن طيب خاطر ولحظة أن تدرك ذلك تكون قد انتهيت أو بالأصح يكون قد انتهى منك ، تملك منك كل شئ حتى أصبحت مدمنا عاشقا ، علامات العشق تخضب ملامحك ، جسدك واهن ، عقلك مشتت ، تركيزك غائب ، مفرط فى الشراب ، مفرط فى الهوى ، مفرط فى الموت ، الحب يا ولدى داء لا دواء منه .  

السبت، 28 سبتمبر 2019

الليل


الليل فى هذه المدينة صاخب ، صاخب كـ ضجيج سوق العاهرات ، مفعم بالمتعة ، تفوح منه رائحة العفن ، الظلم أفسد كل شئ ، حتى تلك الزروع الخضراء أصبحت تخشى أن ترى النور ، تختبئ فى باطن الأرض تستظل بأى شئ وكل شئ خشية أن يصيبها الفزع .
الليل هادئ يا أبى ، يغلفه الصمت كـ سكون المقابر وصراخ الموتى وأنين المفقودين ، كـ ألم الأسرى وقهر الفقراء وبكاء اليتامى ونظرات الجوعى .
الليل أفسد بهجته الحمقى ، تركوا المنافقين يعيثون فى الأرجاء فسادا ، المنافقون غمروا الدنيا صياحا وعويلا ، كذبا وافتراء ، حتى أضحى لون كل شئ أسود برائحة بيض فاسد ، اختلط كل شئ حتى ضل النبلاء طريقهم .. والتاريخ لا يسطره من صنعه .
الليل يا أبى كـ صحراء موحشة ، ألقيت وسطها وحدى ، السماء تكشف سوءتها ، عارية خالية من الأقنعة ، متعثر الخطى ، مشتت التفكير ، تائه ، حائر ، عابس الوجه ، متبلد المشاعر ، صخب أبواق السيارات يصم أذنى ، ضجيج السفن ، صفير قطارات وأنين المكلومين ، من اين أتى كل هذا فى هذه البقاع الخاوية ، الخالية ، أكاد لا أرى أناملى ، الظلام هو السيد الآن ، يحكم قبضته ، ضائع أنا تحت أكوام مكدسة من الرؤى ، من المشاهد المقتطعة من أفلام رخيصة ، كــ نص غير مكتمل ، تاهت ملامحه ، لا تعرف له بداية ولا نهاية ، لا تعرف سبب مهده ولا حقيقة وجوده ، الظلم قاسى والوطن دوما هو الفريسة ، والنتائج يتحملها الضعفاء  .
الليل محطم ، تدهور بشكل بالغ ، لأول مرة أراه يبكى ، وكأنه لا يعرف ماهيته ، الظلم حطم كبرياءه ، جعل منه هشا احمقا لا يملك من امر نفسه شئ ، كـ دمية فى يد أحمق غبى متغطرس ، يظن أنه يمتلك كل شئ ، يعرف كل شئ ، يحكم فى كل شئ ، رغم أنه لا شئ ، هى فقط مرآة حمقاء كاذبة تزين للبعوض أنهن فراشات .

الخميس، 26 سبتمبر 2019

لتلك اللحظة


أغيب عند هذا الجانب المظلم ، أسترق السمع إلى البحر تداعب موجاته شاطئه ، تهزمنى الدموع رغم إبتسامة قنعت بها ملامحى ، تواريت عن مرأى القمر ، نزعت ثيابى ، ألقيت بنفسى دفعة واحدة فى جوف تلك الموجات ، تركت لها نفسى ، تغرقنى ، تلقى بى هنا وهناك ، تدفعنى إلى أى وجهة تفضلها أو تهواها .
المياه باردة ، أشعر أن جسدى كـ نار تلظى ، الدموع تطفو على السطح ، أنسحب إلى الأعماق ، إلى نقطة لا أعلم مداها وأعود فأطفو ، هشا كـ زبد البحر لا قوة لى ولا حيلة .
الضوء أسود ، الموج أزرق ، الليل حالك ، الموج أصم ، أبكم ، غبى كـ ثور هائج ، وديع كـ حمل ، قوى كـ نمر ، ضعيف كـ هر ، مخادع كـ ذئب ، وفى كـ ذئب ...
البحر مخيف ، البحر خائف ، يهرب مبتعدا عنى ويتلقانى كـ عناق أب ، يبوح لى بكل ما سمع ، يقص على أسراره ، عن أولئك الذين حاول أن يبقيهم آمنين فأبوا ، عن أولئك الذين خدعوا فقبلوا وعن أولئك الذين يحاكون حالى .
الظلام يؤلف ، أجرى على الشاطئ حتى كأنى اسابقه وأعود حتى كأنى خشيت فقدانه ، أجرى أكثر وأكثر ، أرغب فى أن أقطع كل هذا الشاطئ حتى ينتهى ، أنفث كل هذا الغضب ، أنسى كل تلك الأشياء ، الأحداث ، الأشخاص ، حتى أنسى أنى نسيت ...
أفر... لا أعلم من أى شئ  ، أختبئ فى جوف الظلمة وأصدح بأعلى صوت ، الصوت رحمة والبكاء دواء ..
الليل يمضى ، الوقت ينتهى ، الموج يغيب ونسينى فى جوفه ...