الخميس، 4 يونيو، 2015

طفولة

صبى صغير يحمل على كتفه شكائر الرمال فيصعد بها الى الطابق السادس حيث الشقة المطلوب ترميمها ، مرات متواليات ، رمال وأسمنت وطوب ، ينسال العرق على جبهته فيغطى عينيه ، يشعر بالتعب ، ينظر الى الوقت الذى انقضى فيراه وكأنه لا يمر ، النهار فى أوله ، الله المعين ، بعض الراحة قد تفيد ، رشفات من الشاى ، عليك التوكل يا كريم .
يواصل العمل ، ينقى الرمال جيدا من السن والزلط المختلط بها عن طريق الهزاز ، يضع الأسمنت على الرمال ويخلطهما ببعضها جيدا حتى تختلط ألوانهما فلا تستطيع التفرقة بينها ، يعدها فى شكل دائرى ويجعل فيها فراغا فى المنتصف يصب فى داخله الماء شيئا فشيئا ثم يلقى بأطراف الرمال والاسمنت المختلطة على المياه حتى يختلط الجميع ويمتزج بالماء جيدا ويعيد الخلط مرات ومرات حتى تصبح جاهزة للاستخدام .
يضع " المونة " ناتج مزج الاسمنت والرمال بالماء فى القصعة " الاداة المستخدمة فى نقل المونة " ويحملها الى البناء الذى يبدأ فى صف اللبنات متجاورات بعد أن أنهى تهيئة المكان وتنظيفه من الأتربة وصب عليه القليل من الماء حتى يسهل تقبله للمونة .
ينقل اللبنات ويضعها بالقرب من البناء وينزل الى الطابق الأرضى ليحمل الأسمنت والرمال ثانية ويصعد بالمتبقى منها مرات ومرات ، تسعون درجة سلم أو يزيد قليلا كان عليه تخطيها صعودا وهبوطا مرات ومرات حتى ينتهى من عمله .
يصعد الدرجات وتعلو الشمس فتنهمر قطرات العرق تغسل كده وتعبه وابتسامة مرهقة سكنت على ثغره ، ونبضات تسأل الله المعونة .
تعد المونة بالطلب فكلما أوشكت على الانتهاء جهز غيرها حتى انقضى العمل والآن أصبح عليه تنظيف مكان العمل جيدا وحمل بقايا الرمال وكسر الطوب وشكائر الأسمنت الفارغة الى الأسفل مجددا ، والأخير تنظيف الأدوات المستخدمة فى العمل وتجفيفها جيدا حتى لا يصيبها الصدأ .
ينظف بدنه بمهل فتتساقط بقايا الرمال والأسمنت وحنة الطوب الحمراء من تحت شلالات الماء وتسقط معها جزء من الوجع الذى صاحب يومه ، تتساقط حبات المياه من فوق رأسه وبدنه محملة بمزيج من الألوان التى خضبت بدنه ، يغمض عينيه ويفرغ كل ما لحق به ، يبتسم شاكرا لانتهاء اليوم  ، يبدل ثيابه ويخرج وكأنه ولد من جديد  .
رقبته تؤلمه وقد تركت فيها الأثقال بصمتها وكتفه مازال يشعره أنه مثقل بلبنات كثر ويده وكأنها مخدرة لا يقوى على تحريكها كثيرا .
الأسمنت بدل هيئة يده فأصبح جلدها يبدو شاحبا وأصبح ملمسها خشنا كغزل الصوف يخشى ان صافح أحدهم أن يجرح يده .
يتناول لقيمات بسيطة يتبعها كوب من الشاى ، قام إلى كتبه  فتصفحها وتأكد من عدم وجود واجبات لم ينتهى منها وأعد حقيبته بجدول اليوم القادم فى المدرسة ولم ينسى أن يضع ما حصل عليه من أجرة عن يوم عمله فى حقيبته ليدفعه الى المدرس نظير الدرس الذى حل موعد سداده .
جلس على اريكته مضجعا يشاهد التلفاز فغلبه النوم فاستسلم له .



12 رأيك يهمنى:

زهــــراء يقول...

حكايه من ارض الواقع قد نسمع عنها او نقراها ويصعب علينا البطل شويه ويا عينى غلبان وكلام من ده واحيانا تضطرنا الظروف ان نتقابل مع هذا الشخص وقتها نكتشف مدى روعته الانسانسه حينما نتحدث معه وبالصدفه البحته قابلت مثل ذاك الانسان منذ خمسة ايام ودعوت له كثيرا وكنت اتعامل معه على انه مهندس كبير وليس مجرد عامل بسيط وكانت المفاجاه حينما دخلت المطبخ وجدت اثار دم على الارض واكتشفت ان رجله انجرحت جرح كبيييييييييييييييير وهو لازال يشتغل ويكمل عمله اتصدمت من المنظر قولت له ارتاح شويه كده غلط قالى خلاص غسلتها بشوية مايه
عن جد تحيه لهؤلاء الشباب الذى هم بالفعل رجال

مشكور على نقل قصه واقعيه جدا جدا

فارسه وجوادها يقول...

مقطوفه رائعه كفاح يتمخض عنه الطفل الرجل للاسف كثيرة هي في وطني للاسف لان الضريبه التعليم والعلم اصبح اولويه يمكن اهمالها فكيف اهتم بدروسي وانا جائع .....تحاكي الواقع دوما استاذي

norahaty mo يقول...

الله معه واكثر من أمثاله

mrmr يقول...

مسلسل واقعى تكرر ومازال يتكرر ولن ينتهى ابدا
وحشتنى المدونات والتدوين والتعليق

Haytham Kilany يقول...

الاطفال اوجاع الوطن

Emtiaz Zourob يقول...

طفولة معذبة ، لكنها تصنع منهم رجال الغد

أعجبتني وآلمتني في نفس الوقت.

مدونة رحلة حياه يقول...

@زهــــراء
من الجيد الآن ان ننقل الواقع بوجهات النظر الأخرى فربما يتغير الأمر ولو قليلا

مدونة رحلة حياه يقول...

@فارسه وجوادها
فكيف أهتم بدروسى وأنا جائع
صدقتى

مدونة رحلة حياه يقول...

@norahaty mo
اللهم امين

مدونة رحلة حياه يقول...

@mrmr
ومازال وسيظل إلى أن نكف الناس حاجتهم

مدونة رحلة حياه يقول...

@Haytham Kilany
بل الوطن وجعهم

مدونة رحلة حياه يقول...

@Emtiaz Zourob
نعم يولدون ويحيون ويموتون رجالا