الجمعة، 10 أغسطس 2018

رسالة لم ترسل يوما


أود أن أخبرك شئ لكن أرجوك لا تنزعجى ، لقد أصبحت بائسا ، منهك القوى ، صارت الأيام تمر على ثقيلة ، لا أشتهى مذاقا لأى شئ ، أصطنع الابتسامات عندما ألاعب الصغار ، أمزح مع الأصدقاء حتى لا أبدو أمامهم مكتئبا ، أبتسم إليك وأتودد وتتعالين على وتتمنعين ، كأنى مرض جلدى تخشين أن تصيبك منه عدوى إن اقتربت ، تفرين حتى إن رأيتنى أقترب ، يتكدر وجهك إن تلاقت الأنفاس ، أعلم يقينا أنك تعدينني ذنبا يؤرق نومك ، ويؤخر رزقك ، ويضعف بدنك ويمرض أحبابك ويذهب راحة بالك .
أتعلمين جاء وقت سألت الله فيه كثيرا ان يقبضنى إليه حتى تنعمين بالراحة ويهدأ قلبك وتستقر حياتك ، أعلم أنك تودين الابتعاد عنى بكل ما أوتيت وكلما هممت بفعل ذلك تشاهدين ضعفى فتبقين حتى لا أذبل أكثر ، تعلمين أنك الروح لى ، فتشفقين على حالى وتعطفين على وتبقين بالقرب وتستعينين على ضعفى بالتمنع .
 لم أكن هكذا قبلا فصرت بحبك ذاك الذى تتمنين التخلص منه ، لو أن لى على قلبى حكما صدقينى لن أتردد لحظة فى إبعاده عن كل طريق يمكن أن تتعثرين به فيه حتى لا تحزن عيناك إن رأتنى ولا أن يتكدر وجهك إن صادفنى وحتى لا تذكرين ذاك الذى تمنيت كثيرا التخلص منه .
أتظنين أن من السهل على سماعى لحديثك عنه ومقدار ما يعدكم بتقديمه لك لو وافقت على العودة إليه مجددا وأظل أنا أسألك البقاء قربى ، أتعلمين كم سقطت فى عين نفسى من فرط حالى معك حتى أننى لم أعد أحتمل أن أنظر فى المرآة ، فذاك الذى ألقاه لا أعرفه ، عرفته قبلا قويا لا يخضعه حب امرأة حتى أتيت أنت فحطمت تلك القلاع التى ظن أنها محصنة ، أعلم أنه لن يزعجك أيا مما قلت فلديك مما يشغلك عن ذلك الكثير الكثير ...   

الأربعاء، 1 أغسطس 2018

لم نعد صغارا " 10 "


أتطلع إلى الأفق ، يفر الوقت ممتطيا جوادا عربيا أصيلا ، تتكدس الرؤى وتتراكم الذكريات ، تتأتى الأحداث تترا فلا أنا صرت أنا ولا الأيام أصبحت كتلك التى اشتهيتها ، الزمن قاس يا أبى والأرض الطيبة لم تعد إلى سابق سيرتها الأولى فلا العيون تشبهها ولا الطيب رائحتها ، كانت قديما تنبت منها الحياة فأصبحت قحطا تأكل أبناءها ..
كنت قد انتقلت إلى مكان سابقا مكثت فيه بضع سنوات ، مساحة جيدة تفوق حاجتي حينها مما اضطرني إلى إغلاق غرفة كاملة لخلوها من الأثاث ، جيران بعضهم طيب صحبته وشركة للتمويل العقاري يرتادها الكثير من المزعجين .
أسبوعان فقط كانا كافيين لأتعرض لأول حالة سطو على مكتبي في عصر خميس لن أنساه ، إعادة ترتيب أوراق وصبر على قدر يخفى من الحكمة ما تعجز عقولنا عن استيعابه وتمهيد لإجتهاد ربما يعطى ثماره لاحقا ..
أوقات ثقيلة كليلة شتاء على ضال تاه فى صحراء ، اتخذ من السماء غطاء ومن الرمال مسكنا ومن زواحفها صاحبا ..
أوقات تمر سريعة كبرق خاطف برائحة ليلة عرس عاشقين اقتناصاها من الأيام رغما ، أحتاج إلى أفكار لتطوير ذاتى ، أستعن بالله وأعمل ، ما من سبيل سوى العمل سائلا الله التوفيق ، لا تأتى الأيام بجديد ، فما يأتى يكاد يكفى لمقابلة النفقات وكثيرا ما تكون اليد قصيرة ، فى الصباح والمساء أقطع تلك المسافة من مسكنى إلى عملى سيرا ، على كل ليست من المسافات التى تكل منها الأبدان ولكنها تكفى فقط لتدوين فصل فى رواية أبطالها احتجزوا فى سجن لا جدران له ..

الأحد، 1 يوليو 2018

لم نعد صغارا " 9 "

يمضى الوقت ، تغرب الشمس ويطل القمر على استحياء متواريا خجلا من نجوم لاحقته ، صعودا ونزولا لعدد كثير من درجات السلم ، المكتب فى الطابق الأخير ، السلم ضيق المساحة من تلك الأبنية العمودية التى يرهقك قطعها ، الشقة المجاورة اتخذها بعض الشباب الذين يعملون فى المحال التجارية القريبة مسكنا لهم ، دوما يثيرون صخبا وضوضاء ، مؤخرا تم ابعادهم عن تلك الشقة  وفى الجهة اليسرى شقة تسكنها العائلة التى استأجرت منهم مكتبى ، رجل وزوجته ... وأولاد مزعجين ....جدا .
رغم قصر المدة التى مكثتها فى هذا المكان إلا أنى استطعت اكتساب صداقة كل الموجودين فى هذا المكان حتى أولئك الذين لا يروقون لى أصبحوا يلقون إلى التحية بوجوه مبتسمة ، حتى فى اليوم الذى غادرت فيه هذا المكان منتقلا الى مكان أخر ساعدنى الجميع فى نقل وحمل اشيائى وانزالها من الطابق الأخير قدر ما استطاعوا ..
لا أتعجل تحصيل النتائج ، أتركها تأتى فى الوقت الذى قدره الله لها فحتما سيأتى الخير محمولا فوق ظهر جواد قوى ثابت الخطى ، أحاول بذل الجهد وتنفيذ كل عمل يوكل إلى بجد واجتهاد وبأسرع وقت فإذا فرغت منه شرعت فى إنجاز غيره  ، لست من أولئك الذين يحبون تأجيل الأعمال ولا التراخى فى الانتهاء مما وجب الانتهاء منه وإنما كنت دوما شغوفا بالعمل والمطالعة ، أسعى لإنجاز مهامى وتعلم كل جديد ، مازال أمامى الكثير لأتعلمه يحتاج الى جهد فوق الجهد لتحصيله ..
رغم أن الأعمال التى أوكلت إلى فى تلك الفترة ليست كثيرة ولكنها بفضل الله كانت كافية لسد احتياجاتى الأساسية ورغم أنى لم استطيع ادخار شيئ فى خلالها إلا أنى ممتنا لفضل الله وعطائه على إذ لم يجعلنى فى حاجة الى اقتراض ما يقيت أسرتى ويسد حاجتهم .
قبيل انتصاف العام أخبرنى مؤجر الشقة أنهم يمرون بضائقة مالية وسيقومون ببيع تلك الشقة وبالفعل أمامهم مشترى وقد أبرموا اتفاقا مبدئيا فيما بينهم على ذلك ، أسرة يرغبون فى شراء الشقة يجعلون منها سكنا لفتاهم الذى يدرس فى المعهد الكائن فى هذه الناحية ، بدأت أبحث مجددا عن مكان لى حتى لا أتسبب فى مشاكل فى إتمام اتفاق البيع فقد وعدت المؤجر بذلك ، والسعى والبحث خطوات لا تنتهى وكأنها قدر تلاحقنى خطواته !

الأحد، 29 أبريل 2018

ذات صباح


متكاسلا أرفع الغطاء عن جسدى ، أفتح عينى ببطء اختلس النظر الى رسل الضوء التى تسللت الى غرفتى على غفلة من ستائر نوافذها ، أستنشق نسيم الصبح ، الحمد لله الذى أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور.

الجسد مثقل بالوجع من فرط أيام مغلفة بالمشقة ، وكأن كل ضلع فيه يتألم منفصلا عن رفقائه ، العظام تزاحمت حتى نفذت الفواصل بينها فتخبطت ، الرأس أمست مقرا لصداع الدنيا وكأن بداخلها بركان يفور ، العقل مشتت هنا وهناك ما بين حديث هذا ومطالب ذاك ، والقلب فارق الكل ورحل إليه وقد تركه ..

آتى النوم على كل هذا فاستيقظت لا أذكر سوى رائحة الصباح وعينيك ... سلام الله لك !



السبت، 27 يناير 2018

خاطرة



هى تلك الوحدة التى تحيطك ، عزلتك الاختيارية المرغم أنت عليها ، الذكريات التى تغلف سماءك ، الأشواق المتصارعة داخلك ، الأوجاع التى تتخلل شرايينك ، هى تلك الأشياء التى تذوقت برهة حلاوتها ثم رحلت وخلفت لك كل ذاك الوجع !

لا تقع ضحية الحب يا صغيرى فإنه أشد الأعداء فتكا وأيسرهم طرقا وأصعبهم معرفة ، لا تقع فى طريقه ضحية إلا وآتى على كل ما فيها ، أفسد جمال وقتها أذهب راحة بالها وقتل الطمأنينة بنفسها !

إياك أن تضعف ، لا يغرنك الحلاوة التى تستشعرها فى بدايته فما أنعم ملمس الأفعى وما أقوى لدغتها وما أقسى سمها !

يا صغيرى اقبض على قلبك براحة يدك ، لا تدعه يتسلل مبتعدا رغما عنك ساعيا خلف إيماءات الحب ، لا تدعه ينبض لتلك النظرات فالنظرة سهم مسموم يا بنى .

يا صغيرى لا أريد أن أراك مفتونا ذهب عقلك وشرد ذهنك وتبدلت أحوالك وذبلت أزهارك وأنت فى أوج شبابك !

دع كل تلك الأشياء تمر كسحب عابرة لا تحرك الجبال الرواسى بل تصطدم بها فتخر متساقطة تقبل أقدامها ، لا تدعها تتخذ من قلبك مرتعا لها تلهو به حيث هوت ، كن قويا يا صغيرى فالحب وهن لا شفاء منه !

السبت، 17 يونيو 2017

لم نعد صغارا " 8 "

أعود إلى مكتبى ، ألقى التحية على البائعين بالمحال التجارية المجاورة لمكتبى ، أقف قليلا مع شاب حسن الخلق والخلقة يعمل نائبا لمدير احدى دور العرض القريبة منى ، أصعد الدرج ، مكتبى فى العمارة الثانية فى الطابق الملاصق للسماء ، صالة واسعة وغرفتى وحمام صغير ، أثاث بسيط ، مكتبة ومكتب وانتريه ، كل قطعة من هذا الأثاث اقتنيتها وحدها ، فى البدء كان كرسيا ومكتبا صغير ودولاب من ضلفتين لحفظ الملفات أعارنى إياهم صديق لى ، أعدتهم له بعد أن يسر الله لى الأمور ووسع فى الرزق ، فى البدء كان المكتب غرفة حيطانها خشبية فى مكتب أصدقاء لى فى منطقة سكنية ، لم يستمر وجودى معهم إلا ستة أشهر لظروف ألمت بهم فانتقلت الى حيث المكتب الحالى ، ستمائة جنيها كانت هى الأجرة الشهرية المطلوب منى دفعها ، سخان استانلس لاعداد المشروبات الساخنة وبعض الأكواب .
 أفتح الباب وأشرع النوافذ وأتجهز لصلاة الظهر ، المسجد زاوية صغيرة تجمع المصلين بالسوق التجارى ونادرا ما يمتلئ بالمصلين ، يؤذن ويؤم المصلين دوما الشاب حسن الخلق الذى اشرت إليه مسبقا وأحيانا أحل محله ، محل لبيع المصنوعات الجلدية يديره شيخ كبير السن ومقابله محل لتجارة الأجهزة الطبية وبجواره مقهى يعد  قبلة الكثيرين فى هذا السوق وخصوصا من رواد دار العرض ومحال أخرى لتجارة مستلزمات الكهرباء ومكتبة وسوبرماركت شهير أحتل واجهة السوق .
أنظف المكتب من الغبار الذى استقر فى كل أرجائه ، أعد كوبا من الشاى ، أنظر من النافذة لاطالع السائرين فى تلك المساحات المترامية من الرمال التى لا تنتهى ، سلوايا فى تلك الأوقات العمل والقراءة وعندما يقترب النهار من أخره أطل من النافذة لأستنشق بعض الهواء الخالى من الكدر وأقلب عينى فى السماء ... سبحانك ما خلقت هذا باطلا .
مازال عملائى قليلون ونادرا ما يزورنى أحد وإن أتى أحدهم يكون منهكا لمشقة الصعود إلى الطابق الأخير ، أذكر يوما هاتفنى أحد أصدقائى وأخبرنى أنه قادم لزيارتى وانت هذه مرته الأولى التى يقدم فيها لمكتبى وفى الوقت المتفق عليه حدثنى قال أنه يطرق الباب ولا أحد يجيب فأخبرته أن باب المكتب مفتوحا وربما يكون ذهب الى عنوان خاطئ ، ثم سألنى عن رقم العمارة فأخبرته وعلمت منه أنه دخل العمارة الأولى وصعد الى طابقها الأخير ووجب عليه النزول مجددا ثم الصعود لمكتبى ، أذكر أنه مازارنى بعدها إلا مرة واحدة ربما .

الأربعاء، 14 يونيو 2017

فضفضة

ألتقى بزميلة لى تعمل فى مكان بالقرب منى أخبرتنى أن مكتب بجوارهم تتوافر لديه فرص عمل وكنت فى حينها أبحث لأحد أصدقائى عن فرصة عمل مناسبة ، هاتفت صاحب المكتب وحددت موعدا للقائه فى المساء ، ذهبت إليه ومعى صديقى ، تحدثت مع الرجل " رحمه الله " وكان طيب القلب ، جميل الهيئة ، تألفه بمجرد رؤيته ، تناقشنا كثيرا وفى نهاية الليلة طلب منى مساعدته فى إنجاز بعض الأعمال واتفقنا على عمل لصديق طرف أحد أصدقاء الرجل ، كنت ألتقيه دوما مساء ومرات قليلة جمعتنا أوقات النهار .
تبدلت الأحوال واختلفت السير وهرولت الأيام كأنها تفر من نار تطاردها ولازلنا نعمل سويا حتى ازدادت الضغوط فى مقر عملى فاستأذنت الرجل على أن أساعده وقت احتياجه وكانت هذه الأوقات التى قضيناها سويا قد تركت أثرا فى مكانه وعمله فتوسعت الأمور وارتفعت حجم التعاملات وأصبح هناك من يعمل برفقته غيرى فخف العبء عليه ولو شيئا يسيرا .
الكثير من الذكريات جمعتنا سويا ، ساندوتشات ملك الكبدة ، أيس كريم العبد ، السير ليلا فى شوارع القاهرة ، لجان العمل والفحص ، أحاديثنا المسائية ، افطار رمضان ، مقابلات لاختيار الراغبين فى العمل وضحكات صافية انقطع وجودها برحيله .
تشغلنى الدنيا وتدور بى الدوائر ، يهاتفنى الرجل فأعلم أنه مريض ، أتصل عليه يوميا للاطمئنان ، زيارات متتالية إلى الأطباء وكل يوم تتغير الأمور ، الكثير من الأشعة والتحاليل ولا جديد .
يقدم الشهر الكريم وكعادته يستعد لأداء عمرة رمضان التى أصبحت أحب الأشياء إلى قلبه كل عام منذ سنوات عدة ، أهاتفه وأقول له عجل بالشفاء كى تدرك العمرة فيجيبنى يارب يتقبل منك .
مرت ثلاثة أيام وفى منتصف اليوم وبينما أتابع بعض الأعمال علمت بوفاة الرجل وأدمى قلبى أن الوفاة كانت من يومين ولم أعرف ولم يتسنى لى تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير ، بكاء هستيرى وساعات لم أستطع خلالها تمالك نفسى والله منه الصبر وإليه يرجع الأمر.
كان ينتظر أن يذهب لأداء العمرة فإذا المقدر له أن يذهب للقاء ربه .
لازالت تلك اللافتة موضوعة على مكتبه تصدح بإسمه وكأنه مازال حيا بيننا ...رحم الله أستاذى فمهما توالت السنوات ذكراه فى القلب باقية .
يا أبى قلبى ضعيف لا يقوى على تحمل ألم الفراق أو الغياب فكيف بألم الفقد الذى لا يتبعه رؤية أبدا .

السبت، 25 مارس 2017

لم نعد صغارا " 7 "

ألتفت بالسيارة ناحية اليمين حيث تصطف المصالح متتالية ، المبنى الثالث هناك هو الذى أقصده ، أركن السيارة فى الجهة القصوى مثلما إعتدت دوما عندما أجدها خالية ، ألملم أوراقى وهاتفى ومفاتيحى ، أغادر السيارة وأتجه إلى الطابق الثالث لأنهى بعض الأعمال والإجراءات مع الموظفين هناك .
ساعات أقضيها متنقلا بين هذا وذاك ، يوفقنى الله فتنجز بعض الأعمال وأخرى تتأجل إلى حين ، ألتقى كثيرا ممن أعرف وتحية باليد وكلمات متعجلة تكون هى كل الحديث .
تمر الأيام ببطء مثقلة بأطنان من الذكريات التى تتكدس أكواما فوق بعضها يوما بعض يوم ، مشقة يتبعها راحة وراحة تغلبها المشقة ووجع يحمل بين جنبيه فرح وسرور يباغتك فى قدومه ورحيله ، تتغير الوجوه وتتبدل الأماكن ومعها تتقلب المشاعر من حال إلى حال .
بعض النسيان يأتى على شيئا من الذكريات فيخف حمل الأيام شيئا يسيرا يدفعها سرعة إلى الأمام فى انتظار ما يحمله لها الغيب .
حال المدينة يتغير وتزداد أعداد قاطنيها وتصبح وجهة للكثير يصاحب ذلك غلاء فاحش فى الأسعار وتضخم فى قيمة كل شئ عدا البشر .
أماكن ذات شهرة واسعه قدمت إلى المدينة فبدلت طقوس ساكنيها ، اللافتات الاعلانية المنتشرة على واجهات المعارض التجارية والمقاهى أخف دليل على ذلك .
تشتعل الحروب وتنتشر وتعلو الفتنة فى البلدان المجاورة فيحل على المدينة ضيوف جدد ، جنسيات مختلفة وثقافات متنوعة غير الثقافة المتأصلة فى بنيان هذا الشعب .
تتداخل الثقافات وتختلط الأنساب وينصهر المجتمع فى بعضه ، يحافظ الضيوف على ثقافتهم بينما يتشبع شعبنا من ثقافتهم ويطليها بصبغته الخاصة .
المبانى كقاطنيها شاخت بعد أن رحل عنها أول من وضع لبنتها ، برحيله فقدت الكثير من بريقها رغم محاولات الخلفاء إخفاء ذلك ، أمر عليها فأتطلع إلى وجوهها وأسمع أناتها ولا يسمعها سوى من عشقها وجرى حبها فى شرايينه .
يتبدل مكان عملى من هنا لهناك فألتقى بأناس جدد ، تتوطد علاقتنا فتستعد الذاكرة لتحمل المزيد مجددا .

ها نحن على أعتاب حقبة زمنية جديدة !

الأربعاء، 20 يوليو 2016

لم نعد صغارا 6

فتاتات ترعيان قافلة من البقر يعبرن الطريق ، إحداهن فى المقدمة وصاحبتها فى الخلف وبعض الأبقار يعلو خوارها ، كلب يلهث ، يتنقل يمينا ويسارا ويشق الصفوف محاولا ضبط النظام  ينبح على كل غريب يقترب ، الفتاة بالخلف تشير بعصاها ناحية البقرات التى تبطئ الخطى أو تتخلف عن الركب ، تجد إحداهن وجدت عشبا صغيرة فألقت برأسها ناحيته وهمت بإلتهامه ، إنتظرت حتى إلتقطته ثم أشارت إليها بعصاها لتواصل السير ، كلا الفتاتان ترتديان ثيابا بدوية ألوانها مميزة ، غطت جسدهما كاملا ومساحة صغيرة تركت للتمكن من الرؤيا ، كل منهما يمتطى حمارا ، يقتعدان على فرش مصنوعة من خرق بالية ، للفرش جعبتين يمينا ويسارا ، يحملان فيهما زادهما وشرابهما لساعات النهار ، على الراعى الغوص فى أعماق الصحراء للوصول إلى أماكن فيها من الكلأ والعشب ما يكفى لإطعام رعيته وليست هذه المنطقة بالمرعى المفضل للكثيرين لندرة العشب بها ، البدو اعتادوا حياة الترحال والعيش منعزلين عن غيرهم ، لذا التوسع فى هذه المدينة يزعجهم كثيرا وكل يوم يحملون خيامهم ورحالهم ويبتعدون أكثر وأكثر .
اعتدت مرور هؤلاء الرعاة من أمامى كل صباح فمواعيدهم ثابتة لا تتغير ، فقط ربما تتبدل القافلة ، أغنام وماعز أحيانا ، أبقارا فى كثير من الأوقات ونادرا ما ما تكون إبل .
تقف السيارات منتظرة عبور الموكب ، تمر الأنعام مخلفة وراءها الكثير من الغبار ، تدور الفتاة التى بالخلف حول القافلة حتى تتأكد من عبور الكل للطريق ثم تتبعهم وتمنح الوقوف الضوء الأخضر لعبور الطريق .
تحركت السيارات وارتفع ضجيجها مجددا وكأنهم كانوا مرغمين على الصمت خلال فترة عبور القافلة ، انتظرت قليلا حتى انتهى الضجيج وعبرت متما سيرى ، أشعة الشمس تصطدم بالرمال فتعود الى الهواء ملتهبة ، الأرض تتسع عن اليمين خالية من اى بناء وعن اليسار ظهيرا صحراويا ترك حرما لمجموعة من الفيلات الفاخرة .
مجموعة من البنوك والهيئات تطل على استحياء ، تخدش بخجل صمت المكان ، تقابلها حديقة شاسعة المساحة ، اصطفت فيها الأشجار ، تارة متقابلات وتارة متفرقات وبعض الأعشاب الصغيرة نبتت فيما بينها ، رسم دخولها الذى لا يتعدى جنيهات قليلة جعلها متنفسا لقاطنى المدينة وخاصة أولئك الذين لا يجنون قيمة اشتراكات الأندية سواء باهظة أو متوسطة أو حتى منخفضة القيمة فالبعض لا يحصل سوى قوت يومه ويتم باقى يومه نوما حتى لا يكسره الجوع وتؤلمه الحاجة .
يقدم المرء منا إلى هذه المدينة ساعيا خلف قوته فتأخذ منه كل شئ ، تسلب منه عمره وزهرة شبابه ، يفنى شبابه فى محاولة تحصيل ذلك الذى من أجله سعى ، يخلف كل شئ وراءه ، أهله ودياره ، أصحابه وأحبابه ،  يقدم الى هنا طامعا فى حياة كريمة ، كانوا يسمونها قلعة الصناعة فى أيام مضت ولازال البعض يتغنى بذلك المسمى كعادة أهل بلادنا عندما يصيبهم العجز لا يجدون أمامهم مأوى سوى التفاخر بما كان يوما .
أنا أيضا فعلت ذلك ، خلفت كل شئ ورائى وقدمت إلى هنا رغبة فى تحصيل علم نفسى تشتاق إليه وفى بناء مكان أحلم بتشييده ، وفى بلوغ منزلة لطالما إجتهدت لأستحقها ، اخترت الطريق الأصعب ، التعليم وسيلة للحياة ، كنت أقيم فى مكان عملى ، أسافر إلى أسرتى فى نهاية كل أسبوع لأطمئن عليهم وأبدل ثيابى وأكحل عينى برؤية أبى وأمى وإخوتى وأريح روحى مما علق بها خلال تلك الأيام .
وحيدا وسط الأوراق والكتب ، أعيش فيما يشبه المكتبه ، أصف الوسائد وأستلقى عليها عندما يغلبنى النوم وعندما تصطدم أشعة الشمس برأسى أغادر مضجعى وأستعد لمواصلة عمرى ، فى الجهة الأخرى لمقر عملى مجموعة من المحال التجارية أقتات منها ما يسد حاجتى ويحفظ لى ما تبقى فى الجسد من حياة ، سيدة بصحبة زوجها يمتلكون مطعما أحصل منه على زادى من الفول والفلافل والخبز وشرائح البطاطس أحيانا وأحيانا أبدل طعامى فأشترى جبن أو مربى من البقال الملاصق للمطعم ، سنوات لم تتغير طقوسى حتى قدم أحدهم إلى منطقة قريبة من المبنى الذى أعمل به وكان شابا طيبا يدير " عربية فول " ودوما الفول الذى تشتريه من أصحاب " العربات " يكون له طعما مميزا ، ومن يوم تعرفت عليه وتوطدت صداقتنا  وأصبحت زبونه الدائم كل صباح لكنى لم انسى مطعمى القديم فكنت أزورهم كل حين .

الوجبات الأخرى كان لها نفس السمت غير أنها كانت تحتاج منى إلى السير مسافة حتى أصل إلى سوق قريب أقتات منه بعض الخضروات وأقوم بإعدادها وتجهيزها وطهيها حيث أقيم ، أقطع البطاطس والباذنجان الى شرائح طولية وأقوم بوضعهما فى الزيت بعد تسخينه جيدا وأنتظر حتى يحمر لونهما ثم أخرجهما بعد تصفية الزيت العالق بهما ، أقطع الطماطم والخضروات الى قطع متساوية وأصفها حول الطبق فى دوائر متتالية تعلوها أعواد الجرجير، أسخن أرغفة الخبز ، بعض الملح ينثر على الطعام يزيده لذة ، أصبح طعامى جاهزا ، أبحث عن جرائد قديمة أستخدم صفحاتها كفراش للأرض التى أضع عليها الطعام ، ثم أتناول رزقى ، بسم الله .

السبت، 9 يوليو 2016

شاخت البلدة

كنا صغارا نلهو فى كل فج وناحية ، نجرى من هنا لهناك ، لا تعوقنا حواجز ، أحيانا يخيفنا نباح كلب يشق ثوب الظلام ، أحيانا يزعجنا توبيخ أحدهم لنا أمرنا بأن نلعب بعيدا عن بيته قائلا لعبكم يثير الغبار والأتربة فتفسد علينا بيوتنا ، نستيقظ مبكرين نهرول لدروسنا قبل موعد المدرسة ، كان يقول لنا أستاذنا يسعدنى رياضتكم الصباحية رغم ما تسببونه من إزعاج لجيران المدرسة ، ما إن ينتهى الدرس فى فصول التقويم التى كان مكانها المدرسة حتى يبدأ طابور الصباح يليه الانصراف الى الفصول وبدء الحصص وفى الفسحة نسارع الى المرأة الطيبة التى كانت دوما موجودة أمام باب المدرسة نشترى منها العيش والطعمية ، قروش قليلة تكفيك للحصول على وجبة دسمة شهية ، فى الحقيقة كانت هناك سيدتان دوما تتانفسان فى تقديم المأكولات والساندوتشات لنا وكنا عادة ما نؤثر إحداهما على الأخرى تلك التى سميتها المرأة الطيبة .
 كانت كل الأيام مفعمه بالسعادة رغم ما قد نلاقيه فيها من عثرات أحيانا ، كانت أمطار الشتاء تحول بين وبين ممارسة شغفنا باللعب أيام ، فما أن يحل موسم الأمطار حتى يتبدل زى الأرض ويصير التراب طينا وفى البلدة وأمثالها يمكث الطين أياما حتى يجف وتعود الأرض صالحة لممارسة شغفنا مجددا .
كانت المدرسة تقع فى أقصى القرية بجوار ترعة صغيرة تم ردمها الآن وحتى المدرسة كانت ملكا لأحدهم وتم إنشاء غيرها الآن وأعيد مبنى المدرسة القديمة إلى مالكها ليتقاسمها الورثة ولاتزال على حالها آيلة للسقوط يحفظها من ذلك الأجيال التى خرجت منها تحمل منارة العلم لكل الأرجاء .
فى هذا الوقت كانت أغلب بيوت البلدة من طوب لبن وأقلها من ارتدى ثوب الحداثة وانتقل إلى المسلحات الخرسانية وبعضها خضبته الألوان لتطيل عمره وتبهج مظهره فيسر الناظرين .
كانت الوجوه فرحة مستبشرة ، يسبق الأمل خطاها ، الجميع يعرف للجميع قدره ولا يخفى أمر أحدهم على أخيه ، يوقرون الكبير وينزلونه منزلته ، لصاحب العلم مكانته وللساعى للخير منزلته ، حتى أولئك الذين شذوا عن الطريق وسلكوا مسالكا أخرى فى تجارة غير مشروعة كانوا يتعاملون باحترام مع كل أهل القرية ، لا يتعدون ولا يظلمون ولا يأتون على حق أحد ، لهم حالهم ولباقى أهل القرية حالهم .
يهل علينا رمضان فتتزين القرية وفى الليل يطوف الصغار بالفوانيس فى شوارع القرية مرددين "حلو يا حلو رمضان كريم يا حلو" ، الفوانيس لم تكن كتلك التى نراها هذه الأيام ، وعاء من صفيح تتوسطه شمعة ما إن ينتهى عمرها حتى تستبدلها بأخرى جديدة وقل من وجدته يحمل فانوسا مصنوعا من البلاستيك ، يعمل "بحجارة القلم" وتتسوطة لمبة صغيرة تستمد إضائتها من تلك البطاريات ، وبعد إنتصاف الليل يطوف المسحراتيه بالبلدة كلها ينبهون النومى لميقات السحور ، يكفيك لشكرهم أن تمنحهم قسطا من تلك الحبوب التى تخرجها زكاة لفطرك وأسرتك وإن تزد فأنت صاحب فضل كبير .
يأتى العيد فترتدى البلدة ثوبا جديدا يليق ببهجة هذا اليوم ، فى بيتنا كان الأمر مختلفا فوجب علينا الاستيقاظ مبكرا جدا ، كان أبى قد اعتاد وصديق له تجهيز مصلى العيد دوما وفى هذا الوقت كان المصلى يقام فى مكان متسع بالقرب من الطريق الرئيسى الذى يمر بجوار البلدة ويصلها بالقرى الأخرى ، عند الفجر أسمع صوت صديق أبى يطرق علينا الباب ويذهب أبى معه وأسرع لأدركهما هناك ، يقومون بتجهيز المصلى وبسط الفرش المصنوعة من حصير ليصلى عليها الناس وتركيب مكبرات الصوت ودقائق ويبدأ قدوم المصلين ، نردد التكبيرات حتى موعد الصلاة ، يقدم الإمام يرتدى عباءته الجديدة ، يطل النور من وجهه ، يصلى ثم يخطب فيثلج صدور الحاضرين ، تنتهى الخطبة ويتصافح الجميع ويترك الكل خلافاته خلف ظهره فلا صوت يعلو فوق سلام العيد وطهر القلوب ، ينصرف الحضور ، نجمع الفرش ونعيدها إلى المسجد ويعيد أبى وصاحبه مكبرات الصوت ثم يبدأ يومنا وفى الحقيقة "كل العيد صلاة العيد" .
شيئا فشيئا تغيرت الأمور ، مكان المصلى باعه أصحابه وأقيمت مكانه مبانى شاهقة ، واتخذ مكانا أخرا كمصلى للبلدة على ترعة تم ردمها وكوبرى خشبى لم تعد هناك حاجة إليه فأزيل عند الردم ، يقوم على إعداد المصلى وتجهيزه شباب يحبون الخير ويسارعون إليه ، وإمام أخر يأتى ليؤم الناس فى الصلاة وأحيانا يكون من خارج البلدة مثلما اعتدنا فى الأونة الأخيرة .
تتوالى السنون فتتغير البلدة ويتغير كل شئ فيها ، المبانى والوجوه ، حتى تلك الطيبة التى كانت تغلف الوجوه تغيرت وحل محلها سمات أخرى ، يجاهر الناس بالمساوئ وكأنها أشياء عادية لا ريب فيها ولا عيب ، الطيبون رحلوا وحل محلهم من لا يوقر ولا يعرف لأحد فضله ولا مكانته ، لم يعد الأمن هو السائد ولم تعد الأمور بخير كما كانت يوما .
أصبحت البلدة كأوكار متفرقة ، كل منها يتزعمها جماعة مختلفة تعادى تلك المتزعمة للمنطقة الأخرى ، لم يعد هناك أدابا فى الخصومة حتى صار كل شئ عند النزاع مباح ، أصبحنا نسير فى طرقات البلدة وكأننا غرباء عنها ، لا نعرف تلك الوجوه فهى قطعا لا تشبهنا ، الأفراح بجوار المآتم وهذا لا يشبهنا ، سباب وشتائم بألفاظ وعبارات قبيحة وهذا لا يشبهنا ، تعدى وانتهاك للحرمات والخصوصيات وهذا لا يشبهنا ، تجارة غير مشروعة فى الشوارع والحوارى والزقاق جهارا نهارا وهذا لا يشبهنا .
ألم يكفى هؤلاء أن أهلهم وذويهم أفسدوها قبلا وأساءوا إليها حتى صار جل اهلها يخشى من إخبار أحدهم أنه من اهل هذه البلدة حتى لا يوصم بالسوء ؟! ، ألم يكفهم أوقات الرعب والموت التى يعانيها أهل القرية عند حدوث صراعات بين هؤلاء وأمثالهم ؟! ألم يكفهم أن أى من أبناء البلدة كلما مر على كمين شرطة وطالعوا فى بطاقته مقر إقامته يعاملونه كمشتبه فيه ؟! ألم يكفهم أن الصغار شبوا على مطالعة الأسلحة بأنواعها أينما حطت أعينهم ؟! ألم يكفهم أنهم جعلوا البلدة مرتعا لرواد الإجرام والاتجار فى المحظورات يرتعون فيها ليل نهار ؟! ألم يكفهم أنهم أساءوا إلى كل البلدة حتى لو لم يفعلوا ذلك عملا بأيديهم وإنما أساءت إليها أفعالهم وما اشاعوه عنها من سمعة وشهرة حتى صار اسمها مقرونا بالسوء فى كل مكان ؟!
أم آن لهم أن يكفوا عن هذه الأفعال ويسلكوا مسالكا جديدة يبدأون بها صفحات تحمل الخير فى طياتها وبين سطورها وحواشيها أو على الأقل يتنحوا جانبا على أطراف البلدة وبين الزراعات كما كانوا قبلا فلا يؤذون الناس برؤية أولئك القادمين إليهم ولا أن تعكر أنافهم سمومهم ولا تفسد أعينهم رؤية أسلحتهم ولا يروعون صغارهم ونساءهم ؟!.
أزيلت المبانى الطينية وحل محلها الخرسانات وزين الكثير منزلهم بكل ما استطاعوا من زينة وظنوا أنهم بذلك يحصنونها ويجعلونها أفضل ويبدو ان برحيلها رحل معها الكثير من الخير الذى كمن فيها وقطنها لأعوام وسنوات لا تحصى .

شاخت البلدة رغم أنها ارتدت ثوب الحداثة وكثر فيها الشباب وارتفعت المبانى وتعددت المدارس وكثرت المساجد ورغم كل ذلك قل الخير الساكن فى النفوس برحيل القلوب الطيبة ، تراها تحسبها عروسا زينوها لعرسها وهى من داخلها تبكى ألما وحسرة ، شاخت البلدة رغم أن مظهرها شبابا مفعما بالحيوية .