السبت، 17 يونيو 2017

لم نعد صغارا " 8 "

أعود إلى مكتبى ، ألقى التحية على البائعين بالمحال التجارية المجاورة لمكتبى ، أقف قليلا مع شاب حسن الخلق والخلقة يعمل نائبا لمدير احدى دور العرض القريبة منى ، أصعد الدرج ، مكتبى فى العمارة الثانية فى الطابق الملاصق للسماء ، صالة واسعة وغرفتى وحمام صغير ، أثاث بسيط ، مكتبة ومكتب وانتريه ، كل قطعة من هذا الأثاث اقتنيتها وحدها ، فى البدء كان كرسيا ومكتبا صغير ودولاب من ضلفتين لحفظ الملفات أعارنى إياهم صديق لى ، أعدتهم له بعد أن يسر الله لى الأمور ووسع فى الرزق ، فى البدء كان المكتب غرفة حيطانها خشبية فى مكتب أصدقاء لى فى منطقة سكنية ، لم يستمر وجودى معهم إلا ستة أشهر لظروف ألمت بهم فانتقلت الى حيث المكتب الحالى ، ستمائة جنيها كانت هى الأجرة الشهرية المطلوب منى دفعها ، سخان استانلس لاعداد المشروبات الساخنة وبعض الأكواب .
 أفتح الباب وأشرع النوافذ وأتجهز لصلاة الظهر ، المسجد زاوية صغيرة تجمع المصلين بالسوق التجارى ونادرا ما يمتلئ بالمصلين ، يؤذن ويؤم المصلين دوما الشاب حسن الخلق الذى اشرت إليه مسبقا وأحيانا أحل محله ، محل لبيع المصنوعات الجلدية يديره شيخ كبير السن ومقابله محل لتجارة الأجهزة الطبية وبجواره مقهى يعد  قبلة الكثيرين فى هذا السوق وخصوصا من رواد دار العرض ومحال أخرى لتجارة مستلزمات الكهرباء ومكتبة وسوبرماركت شهير أحتل واجهة السوق .
أنظف المكتب من الغبار الذى استقر فى كل أرجائه ، أعد كوبا من الشاى ، أنظر من النافذة لاطالع السائرين فى تلك المساحات المترامية من الرمال التى لا تنتهى ، سلوايا فى تلك الأوقات العمل والقراءة وعندما يقترب النهار من أخره أطل من النافذة لأستنشق بعض الهواء الخالى من الكدر وأقلب عينى فى السماء ... سبحانك ما خلقت هذا باطلا .
مازال عملائى قليلون ونادرا ما يزورنى أحد وإن أتى أحدهم يكون منهكا لمشقة الصعود إلى الطابق الأخير ، أذكر يوما هاتفنى أحد أصدقائى وأخبرنى أنه قادم لزيارتى وانت هذه مرته الأولى التى يقدم فيها لمكتبى وفى الوقت المتفق عليه حدثنى قال أنه يطرق الباب ولا أحد يجيب فأخبرته أن باب المكتب مفتوحا وربما يكون ذهب الى عنوان خاطئ ، ثم سألنى عن رقم العمارة فأخبرته وعلمت منه أنه دخل العمارة الأولى وصعد الى طابقها الأخير ووجب عليه النزول مجددا ثم الصعود لمكتبى ، أذكر أنه مازارنى بعدها إلا مرة واحدة ربما .

الأربعاء، 14 يونيو 2017

فضفضة

ألتقى بزميلة لى تعمل فى مكان بالقرب منى أخبرتنى أن مكتب بجوارهم تتوافر لديه فرص عمل وكنت فى حينها أبحث لأحد أصدقائى عن فرصة عمل مناسبة ، هاتفت صاحب المكتب وحددت موعدا للقائه فى المساء ، ذهبت إليه ومعى صديقى ، تحدثت مع الرجل " رحمه الله " وكان طيب القلب ، جميل الهيئة ، تألفه بمجرد رؤيته ، تناقشنا كثيرا وفى نهاية الليلة طلب منى مساعدته فى إنجاز بعض الأعمال واتفقنا على عمل لصديق طرف أحد أصدقاء الرجل ، كنت ألتقيه دوما مساء ومرات قليلة جمعتنا أوقات النهار .
تبدلت الأحوال واختلفت السير وهرولت الأيام كأنها تفر من نار تطاردها ولازلنا نعمل سويا حتى ازدادت الضغوط فى مقر عملى فاستأذنت الرجل على أن أساعده وقت احتياجه وكانت هذه الأوقات التى قضيناها سويا قد تركت أثرا فى مكانه وعمله فتوسعت الأمور وارتفعت حجم التعاملات وأصبح هناك من يعمل برفقته غيرى فخف العبء عليه ولو شيئا يسيرا .
الكثير من الذكريات جمعتنا سويا ، ساندوتشات ملك الكبدة ، أيس كريم العبد ، السير ليلا فى شوارع القاهرة ، لجان العمل والفحص ، أحاديثنا المسائية ، افطار رمضان ، مقابلات لاختيار الراغبين فى العمل وضحكات صافية انقطع وجودها برحيله .
تشغلنى الدنيا وتدور بى الدوائر ، يهاتفنى الرجل فأعلم أنه مريض ، أتصل عليه يوميا للاطمئنان ، زيارات متتالية إلى الأطباء وكل يوم تتغير الأمور ، الكثير من الأشعة والتحاليل ولا جديد .
يقدم الشهر الكريم وكعادته يستعد لأداء عمرة رمضان التى أصبحت أحب الأشياء إلى قلبه كل عام منذ سنوات عدة ، أهاتفه وأقول له عجل بالشفاء كى تدرك العمرة فيجيبنى يارب يتقبل منك .
مرت ثلاثة أيام وفى منتصف اليوم وبينما أتابع بعض الأعمال علمت بوفاة الرجل وأدمى قلبى أن الوفاة كانت من يومين ولم أعرف ولم يتسنى لى تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير ، بكاء هستيرى وساعات لم أستطع خلالها تمالك نفسى والله منه الصبر وإليه يرجع الأمر.
كان ينتظر أن يذهب لأداء العمرة فإذا المقدر له أن يذهب للقاء ربه .
لازالت تلك اللافتة موضوعة على مكتبه تصدح بإسمه وكأنه مازال حيا بيننا ...رحم الله أستاذى فمهما توالت السنوات ذكراه فى القلب باقية .
يا أبى قلبى ضعيف لا يقوى على تحمل ألم الفراق أو الغياب فكيف بألم الفقد الذى لا يتبعه رؤية أبدا .

السبت، 25 مارس 2017

لم نعد صغارا " 7 "

ألتفت بالسيارة ناحية اليمين حيث تصطف المصالح متتالية ، المبنى الثالث هناك هو الذى أقصده ، أركن السيارة فى الجهة القصوى مثلما إعتدت دوما عندما أجدها خالية ، ألملم أوراقى وهاتفى ومفاتيحى ، أغادر السيارة وأتجه إلى الطابق الثالث لأنهى بعض الأعمال والإجراءات مع الموظفين هناك .
ساعات أقضيها متنقلا بين هذا وذاك ، يوفقنى الله فتنجز بعض الأعمال وأخرى تتأجل إلى حين ، ألتقى كثيرا ممن أعرف وتحية باليد وكلمات متعجلة تكون هى كل الحديث .
تمر الأيام ببطء مثقلة بأطنان من الذكريات التى تتكدس أكواما فوق بعضها يوما بعض يوم ، مشقة يتبعها راحة وراحة تغلبها المشقة ووجع يحمل بين جنبيه فرح وسرور يباغتك فى قدومه ورحيله ، تتغير الوجوه وتتبدل الأماكن ومعها تتقلب المشاعر من حال إلى حال .
بعض النسيان يأتى على شيئا من الذكريات فيخف حمل الأيام شيئا يسيرا يدفعها سرعة إلى الأمام فى انتظار ما يحمله لها الغيب .
حال المدينة يتغير وتزداد أعداد قاطنيها وتصبح وجهة للكثير يصاحب ذلك غلاء فاحش فى الأسعار وتضخم فى قيمة كل شئ عدا البشر .
أماكن ذات شهرة واسعه قدمت إلى المدينة فبدلت طقوس ساكنيها ، اللافتات الاعلانية المنتشرة على واجهات المعارض التجارية والمقاهى أخف دليل على ذلك .
تشتعل الحروب وتنتشر وتعلو الفتنة فى البلدان المجاورة فيحل على المدينة ضيوف جدد ، جنسيات مختلفة وثقافات متنوعة غير الثقافة المتأصلة فى بنيان هذا الشعب .
تتداخل الثقافات وتختلط الأنساب وينصهر المجتمع فى بعضه ، يحافظ الضيوف على ثقافتهم بينما يتشبع شعبنا من ثقافتهم ويطليها بصبغته الخاصة .
المبانى كقاطنيها شاخت بعد أن رحل عنها أول من وضع لبنتها ، برحيله فقدت الكثير من بريقها رغم محاولات الخلفاء إخفاء ذلك ، أمر عليها فأتطلع إلى وجوهها وأسمع أناتها ولا يسمعها سوى من عشقها وجرى حبها فى شرايينه .
يتبدل مكان عملى من هنا لهناك فألتقى بأناس جدد ، تتوطد علاقتنا فتستعد الذاكرة لتحمل المزيد مجددا .

ها نحن على أعتاب حقبة زمنية جديدة !

الأربعاء، 20 يوليو 2016

لم نعد صغارا 6

فتاتات ترعيان قافلة من البقر يعبرن الطريق ، إحداهن فى المقدمة وصاحبتها فى الخلف وبعض الأبقار يعلو خوارها ، كلب يلهث ، يتنقل يمينا ويسارا ويشق الصفوف محاولا ضبط النظام  ينبح على كل غريب يقترب ، الفتاة بالخلف تشير بعصاها ناحية البقرات التى تبطئ الخطى أو تتخلف عن الركب ، تجد إحداهن وجدت عشبا صغيرة فألقت برأسها ناحيته وهمت بإلتهامه ، إنتظرت حتى إلتقطته ثم أشارت إليها بعصاها لتواصل السير ، كلا الفتاتان ترتديان ثيابا بدوية ألوانها مميزة ، غطت جسدهما كاملا ومساحة صغيرة تركت للتمكن من الرؤيا ، كل منهما يمتطى حمارا ، يقتعدان على فرش مصنوعة من خرق بالية ، للفرش جعبتين يمينا ويسارا ، يحملان فيهما زادهما وشرابهما لساعات النهار ، على الراعى الغوص فى أعماق الصحراء للوصول إلى أماكن فيها من الكلأ والعشب ما يكفى لإطعام رعيته وليست هذه المنطقة بالمرعى المفضل للكثيرين لندرة العشب بها ، البدو اعتادوا حياة الترحال والعيش منعزلين عن غيرهم ، لذا التوسع فى هذه المدينة يزعجهم كثيرا وكل يوم يحملون خيامهم ورحالهم ويبتعدون أكثر وأكثر .
اعتدت مرور هؤلاء الرعاة من أمامى كل صباح فمواعيدهم ثابتة لا تتغير ، فقط ربما تتبدل القافلة ، أغنام وماعز أحيانا ، أبقارا فى كثير من الأوقات ونادرا ما ما تكون إبل .
تقف السيارات منتظرة عبور الموكب ، تمر الأنعام مخلفة وراءها الكثير من الغبار ، تدور الفتاة التى بالخلف حول القافلة حتى تتأكد من عبور الكل للطريق ثم تتبعهم وتمنح الوقوف الضوء الأخضر لعبور الطريق .
تحركت السيارات وارتفع ضجيجها مجددا وكأنهم كانوا مرغمين على الصمت خلال فترة عبور القافلة ، انتظرت قليلا حتى انتهى الضجيج وعبرت متما سيرى ، أشعة الشمس تصطدم بالرمال فتعود الى الهواء ملتهبة ، الأرض تتسع عن اليمين خالية من اى بناء وعن اليسار ظهيرا صحراويا ترك حرما لمجموعة من الفيلات الفاخرة .
مجموعة من البنوك والهيئات تطل على استحياء ، تخدش بخجل صمت المكان ، تقابلها حديقة شاسعة المساحة ، اصطفت فيها الأشجار ، تارة متقابلات وتارة متفرقات وبعض الأعشاب الصغيرة نبتت فيما بينها ، رسم دخولها الذى لا يتعدى جنيهات قليلة جعلها متنفسا لقاطنى المدينة وخاصة أولئك الذين لا يجنون قيمة اشتراكات الأندية سواء باهظة أو متوسطة أو حتى منخفضة القيمة فالبعض لا يحصل سوى قوت يومه ويتم باقى يومه نوما حتى لا يكسره الجوع وتؤلمه الحاجة .
يقدم المرء منا إلى هذه المدينة ساعيا خلف قوته فتأخذ منه كل شئ ، تسلب منه عمره وزهرة شبابه ، يفنى شبابه فى محاولة تحصيل ذلك الذى من أجله سعى ، يخلف كل شئ وراءه ، أهله ودياره ، أصحابه وأحبابه ،  يقدم الى هنا طامعا فى حياة كريمة ، كانوا يسمونها قلعة الصناعة فى أيام مضت ولازال البعض يتغنى بذلك المسمى كعادة أهل بلادنا عندما يصيبهم العجز لا يجدون أمامهم مأوى سوى التفاخر بما كان يوما .
أنا أيضا فعلت ذلك ، خلفت كل شئ ورائى وقدمت إلى هنا رغبة فى تحصيل علم نفسى تشتاق إليه وفى بناء مكان أحلم بتشييده ، وفى بلوغ منزلة لطالما إجتهدت لأستحقها ، اخترت الطريق الأصعب ، التعليم وسيلة للحياة ، كنت أقيم فى مكان عملى ، أسافر إلى أسرتى فى نهاية كل أسبوع لأطمئن عليهم وأبدل ثيابى وأكحل عينى برؤية أبى وأمى وإخوتى وأريح روحى مما علق بها خلال تلك الأيام .
وحيدا وسط الأوراق والكتب ، أعيش فيما يشبه المكتبه ، أصف الوسائد وأستلقى عليها عندما يغلبنى النوم وعندما تصطدم أشعة الشمس برأسى أغادر مضجعى وأستعد لمواصلة عمرى ، فى الجهة الأخرى لمقر عملى مجموعة من المحال التجارية أقتات منها ما يسد حاجتى ويحفظ لى ما تبقى فى الجسد من حياة ، سيدة بصحبة زوجها يمتلكون مطعما أحصل منه على زادى من الفول والفلافل والخبز وشرائح البطاطس أحيانا وأحيانا أبدل طعامى فأشترى جبن أو مربى من البقال الملاصق للمطعم ، سنوات لم تتغير طقوسى حتى قدم أحدهم إلى منطقة قريبة من المبنى الذى أعمل به وكان شابا طيبا يدير " عربية فول " ودوما الفول الذى تشتريه من أصحاب " العربات " يكون له طعما مميزا ، ومن يوم تعرفت عليه وتوطدت صداقتنا  وأصبحت زبونه الدائم كل صباح لكنى لم انسى مطعمى القديم فكنت أزورهم كل حين .

الوجبات الأخرى كان لها نفس السمت غير أنها كانت تحتاج منى إلى السير مسافة حتى أصل إلى سوق قريب أقتات منه بعض الخضروات وأقوم بإعدادها وتجهيزها وطهيها حيث أقيم ، أقطع البطاطس والباذنجان الى شرائح طولية وأقوم بوضعهما فى الزيت بعد تسخينه جيدا وأنتظر حتى يحمر لونهما ثم أخرجهما بعد تصفية الزيت العالق بهما ، أقطع الطماطم والخضروات الى قطع متساوية وأصفها حول الطبق فى دوائر متتالية تعلوها أعواد الجرجير، أسخن أرغفة الخبز ، بعض الملح ينثر على الطعام يزيده لذة ، أصبح طعامى جاهزا ، أبحث عن جرائد قديمة أستخدم صفحاتها كفراش للأرض التى أضع عليها الطعام ، ثم أتناول رزقى ، بسم الله .

السبت، 9 يوليو 2016

شاخت البلدة

كنا صغارا نلهو فى كل فج وناحية ، نجرى من هنا لهناك ، لا تعوقنا حواجز ، أحيانا يخيفنا نباح كلب يشق ثوب الظلام ، أحيانا يزعجنا توبيخ أحدهم لنا أمرنا بأن نلعب بعيدا عن بيته قائلا لعبكم يثير الغبار والأتربة فتفسد علينا بيوتنا ، نستيقظ مبكرين نهرول لدروسنا قبل موعد المدرسة ، كان يقول لنا أستاذنا يسعدنى رياضتكم الصباحية رغم ما تسببونه من إزعاج لجيران المدرسة ، ما إن ينتهى الدرس فى فصول التقويم التى كان مكانها المدرسة حتى يبدأ طابور الصباح يليه الانصراف الى الفصول وبدء الحصص وفى الفسحة نسارع الى المرأة الطيبة التى كانت دوما موجودة أمام باب المدرسة نشترى منها العيش والطعمية ، قروش قليلة تكفيك للحصول على وجبة دسمة شهية ، فى الحقيقة كانت هناك سيدتان دوما تتانفسان فى تقديم المأكولات والساندوتشات لنا وكنا عادة ما نؤثر إحداهما على الأخرى تلك التى سميتها المرأة الطيبة .
 كانت كل الأيام مفعمه بالسعادة رغم ما قد نلاقيه فيها من عثرات أحيانا ، كانت أمطار الشتاء تحول بين وبين ممارسة شغفنا باللعب أيام ، فما أن يحل موسم الأمطار حتى يتبدل زى الأرض ويصير التراب طينا وفى البلدة وأمثالها يمكث الطين أياما حتى يجف وتعود الأرض صالحة لممارسة شغفنا مجددا .
كانت المدرسة تقع فى أقصى القرية بجوار ترعة صغيرة تم ردمها الآن وحتى المدرسة كانت ملكا لأحدهم وتم إنشاء غيرها الآن وأعيد مبنى المدرسة القديمة إلى مالكها ليتقاسمها الورثة ولاتزال على حالها آيلة للسقوط يحفظها من ذلك الأجيال التى خرجت منها تحمل منارة العلم لكل الأرجاء .
فى هذا الوقت كانت أغلب بيوت البلدة من طوب لبن وأقلها من ارتدى ثوب الحداثة وانتقل إلى المسلحات الخرسانية وبعضها خضبته الألوان لتطيل عمره وتبهج مظهره فيسر الناظرين .
كانت الوجوه فرحة مستبشرة ، يسبق الأمل خطاها ، الجميع يعرف للجميع قدره ولا يخفى أمر أحدهم على أخيه ، يوقرون الكبير وينزلونه منزلته ، لصاحب العلم مكانته وللساعى للخير منزلته ، حتى أولئك الذين شذوا عن الطريق وسلكوا مسالكا أخرى فى تجارة غير مشروعة كانوا يتعاملون باحترام مع كل أهل القرية ، لا يتعدون ولا يظلمون ولا يأتون على حق أحد ، لهم حالهم ولباقى أهل القرية حالهم .
يهل علينا رمضان فتتزين القرية وفى الليل يطوف الصغار بالفوانيس فى شوارع القرية مرددين "حلو يا حلو رمضان كريم يا حلو" ، الفوانيس لم تكن كتلك التى نراها هذه الأيام ، وعاء من صفيح تتوسطه شمعة ما إن ينتهى عمرها حتى تستبدلها بأخرى جديدة وقل من وجدته يحمل فانوسا مصنوعا من البلاستيك ، يعمل "بحجارة القلم" وتتسوطة لمبة صغيرة تستمد إضائتها من تلك البطاريات ، وبعد إنتصاف الليل يطوف المسحراتيه بالبلدة كلها ينبهون النومى لميقات السحور ، يكفيك لشكرهم أن تمنحهم قسطا من تلك الحبوب التى تخرجها زكاة لفطرك وأسرتك وإن تزد فأنت صاحب فضل كبير .
يأتى العيد فترتدى البلدة ثوبا جديدا يليق ببهجة هذا اليوم ، فى بيتنا كان الأمر مختلفا فوجب علينا الاستيقاظ مبكرا جدا ، كان أبى قد اعتاد وصديق له تجهيز مصلى العيد دوما وفى هذا الوقت كان المصلى يقام فى مكان متسع بالقرب من الطريق الرئيسى الذى يمر بجوار البلدة ويصلها بالقرى الأخرى ، عند الفجر أسمع صوت صديق أبى يطرق علينا الباب ويذهب أبى معه وأسرع لأدركهما هناك ، يقومون بتجهيز المصلى وبسط الفرش المصنوعة من حصير ليصلى عليها الناس وتركيب مكبرات الصوت ودقائق ويبدأ قدوم المصلين ، نردد التكبيرات حتى موعد الصلاة ، يقدم الإمام يرتدى عباءته الجديدة ، يطل النور من وجهه ، يصلى ثم يخطب فيثلج صدور الحاضرين ، تنتهى الخطبة ويتصافح الجميع ويترك الكل خلافاته خلف ظهره فلا صوت يعلو فوق سلام العيد وطهر القلوب ، ينصرف الحضور ، نجمع الفرش ونعيدها إلى المسجد ويعيد أبى وصاحبه مكبرات الصوت ثم يبدأ يومنا وفى الحقيقة "كل العيد صلاة العيد" .
شيئا فشيئا تغيرت الأمور ، مكان المصلى باعه أصحابه وأقيمت مكانه مبانى شاهقة ، واتخذ مكانا أخرا كمصلى للبلدة على ترعة تم ردمها وكوبرى خشبى لم تعد هناك حاجة إليه فأزيل عند الردم ، يقوم على إعداد المصلى وتجهيزه شباب يحبون الخير ويسارعون إليه ، وإمام أخر يأتى ليؤم الناس فى الصلاة وأحيانا يكون من خارج البلدة مثلما اعتدنا فى الأونة الأخيرة .
تتوالى السنون فتتغير البلدة ويتغير كل شئ فيها ، المبانى والوجوه ، حتى تلك الطيبة التى كانت تغلف الوجوه تغيرت وحل محلها سمات أخرى ، يجاهر الناس بالمساوئ وكأنها أشياء عادية لا ريب فيها ولا عيب ، الطيبون رحلوا وحل محلهم من لا يوقر ولا يعرف لأحد فضله ولا مكانته ، لم يعد الأمن هو السائد ولم تعد الأمور بخير كما كانت يوما .
أصبحت البلدة كأوكار متفرقة ، كل منها يتزعمها جماعة مختلفة تعادى تلك المتزعمة للمنطقة الأخرى ، لم يعد هناك أدابا فى الخصومة حتى صار كل شئ عند النزاع مباح ، أصبحنا نسير فى طرقات البلدة وكأننا غرباء عنها ، لا نعرف تلك الوجوه فهى قطعا لا تشبهنا ، الأفراح بجوار المآتم وهذا لا يشبهنا ، سباب وشتائم بألفاظ وعبارات قبيحة وهذا لا يشبهنا ، تعدى وانتهاك للحرمات والخصوصيات وهذا لا يشبهنا ، تجارة غير مشروعة فى الشوارع والحوارى والزقاق جهارا نهارا وهذا لا يشبهنا .
ألم يكفى هؤلاء أن أهلهم وذويهم أفسدوها قبلا وأساءوا إليها حتى صار جل اهلها يخشى من إخبار أحدهم أنه من اهل هذه البلدة حتى لا يوصم بالسوء ؟! ، ألم يكفهم أوقات الرعب والموت التى يعانيها أهل القرية عند حدوث صراعات بين هؤلاء وأمثالهم ؟! ألم يكفهم أن أى من أبناء البلدة كلما مر على كمين شرطة وطالعوا فى بطاقته مقر إقامته يعاملونه كمشتبه فيه ؟! ألم يكفهم أن الصغار شبوا على مطالعة الأسلحة بأنواعها أينما حطت أعينهم ؟! ألم يكفهم أنهم جعلوا البلدة مرتعا لرواد الإجرام والاتجار فى المحظورات يرتعون فيها ليل نهار ؟! ألم يكفهم أنهم أساءوا إلى كل البلدة حتى لو لم يفعلوا ذلك عملا بأيديهم وإنما أساءت إليها أفعالهم وما اشاعوه عنها من سمعة وشهرة حتى صار اسمها مقرونا بالسوء فى كل مكان ؟!
أم آن لهم أن يكفوا عن هذه الأفعال ويسلكوا مسالكا جديدة يبدأون بها صفحات تحمل الخير فى طياتها وبين سطورها وحواشيها أو على الأقل يتنحوا جانبا على أطراف البلدة وبين الزراعات كما كانوا قبلا فلا يؤذون الناس برؤية أولئك القادمين إليهم ولا أن تعكر أنافهم سمومهم ولا تفسد أعينهم رؤية أسلحتهم ولا يروعون صغارهم ونساءهم ؟!.
أزيلت المبانى الطينية وحل محلها الخرسانات وزين الكثير منزلهم بكل ما استطاعوا من زينة وظنوا أنهم بذلك يحصنونها ويجعلونها أفضل ويبدو ان برحيلها رحل معها الكثير من الخير الذى كمن فيها وقطنها لأعوام وسنوات لا تحصى .

شاخت البلدة رغم أنها ارتدت ثوب الحداثة وكثر فيها الشباب وارتفعت المبانى وتعددت المدارس وكثرت المساجد ورغم كل ذلك قل الخير الساكن فى النفوس برحيل القلوب الطيبة ، تراها تحسبها عروسا زينوها لعرسها وهى من داخلها تبكى ألما وحسرة ، شاخت البلدة رغم أن مظهرها شبابا مفعما بالحيوية . 

الخميس، 11 فبراير 2016

لم نعد صغارا 5

أنعطف يمينا فى طريق جديد عن يمينه مسطحات خضراء تطل من خلفها المبانى بحذر وعن اليسار فاصل الطريق ثم الشارع الموازى ثم صحراء ممتدة تقطعها بعض الأبنية على استحياء .
مسجد صغير يقف على ناصية طريق جديد ، اعتدت أن أرى سيارات الأجرة تصطف أمامها وقد استغل سائقوها اتساع المكان وخلوه من الماره إلا نادرا فيمسحون سياراتهم مما غشيها من أتربة ويستخدمون الصنابير المعدة لرى المسطحات الخضراء فى غسيل وتنظيف سياراتهم ثم يغادرون المكان وقد خلفوا وراءهم بقعة كبيرة من المياه فى أرض لا ترى المياه إلا حينما تهديها السماء غيثا .
عجيب أمر هذه المدينة رغم حداثة عهدها بالدنيا إلا أنها قد صبغت بحنتها سريعا فتجدها صنفت أحياء للأثرياء فى المناطق المميزة وبمساحات لا تصل العين الى منتهاها ، شاهقة فارهة ، وكهوف للفقراء لا تكفيهم مأوى دون زاد ، قصور فاحشة الزينة ومساكن شاخت وأهداها الصرف الصحى قناعه فتبدو للناظرين كعجوز شمطاء حالت عليها الأحوال وتخلت عنها الدنيا وتركت للديدان والقوارض لتلهو فيها كما يحلو لها ، لم تمر عليها سنوات عشر وأصبحت آيلة للسقوط بفعل نشع الصرف وفساد الخامات وجشع النفوس وخراب الذمم .
تسقط من عينى دمعة ، أتلقف منديلا من العلبة الساكنة أمامى ، دوران سريع لليسار ، على اليمين نادى تجرى به بعض الترميمات وأعمال الصيانة وربما إضافات أخرى لمبانيه ، تحيطه مساحة كبيرة لم تشغل سوى بالرمال الصفراء ، كثبان رمالية تتوالى وتتداخل وتتشاكل فى هيئات مختلفة ، أحيانا تجتمع وكثيرا تتفرق كقطيع فقد وجهته ، أقطع الطريق على عجل ، سوق تجارى ، محال لتجارة مواد البناء ، صيدلية ، محل لبيع المخبوزات والبقالة ، أقفاص خضروات وفاكهة ، شبكة كهرباء تتقدمها بوابة حديدية قديمة ، سورها متآكل سقط الطلاء عن بعض أجزائه ، صحراء تتلوها صحراء ، كثبان رملية ساكنة بلا حراك كجثة لفظتها الأرض فتركت لتذروها الريح معها حيث رحلت .
مركز تجارى متهالك رغم حداثة بنائه ، مكون من عدة طوابق ، الطابق الأرضى مكون من محلات والطوابق العلوية شقق للاغراض المختلفة ، هجره مُلاكه مؤقتا لكساد التجارة ، طريق يهجره الماره دوما ، إتخذه البعض سبيلا للقبلات العابرة ولمس الأيدى التى لا يستطيع النيل منها فى أماكن أخرى إلا خلسة ، بعض الذين اعتادوا اصطياد الفرائس ،الأماكن الخالية دوما ملاذا امنا للشياطين ،  نادى صغير ، خلوه من الرواد يمنح المتواجدين به تلك المساحة التى يحتاجونها لاختلاس النظرات واللمسات والقبلات فى غفلة متعمدة من العاملين به وربما لولا تلك المساحة لما أتوا إلى هذا المكان .
بناية صغيرة تعلوها لافتة تحمل اسم أحد البنوك ، على الجهة الأخرى بدأت البنايات تطل من خلف مسطحات خضراء ، أشجار وحشائش منبثقة تتوسطها تكسوها قطرات الندى ، المبانى تتوالى بارتفاعات متساوية فى أكثرها ، المنطقة الوسطى بين الطريقين تركت خاوية ، ربما يتم زراعتها مستقبلا ، سور يحيط مساحة كبيرة هذه المرة لنادى اخر ، يقولون أن رسوم الاشتراك به أصبحت ألافا كثيرة هذه الأيام .

مفترق طرق جديد ووجهات مختلفة والكل يسعى نحو رزقه ، الأحلام لا تولد مكتملة ولكنها تأخذ وقتا لتتشكل ويكتمل بنيانها فيصبح حلمك واضحا جليا وتصف اللبنات فى سبيل الوصول إليه ، مدرسة للتعليم الأساسى ، يقابلها منطقة يسكنها أثرياء هذه المدينة ، تبدو المدرسة عتيقة فى زيها القديم ومقابلها تبدو القصور آنفة من تلك الرؤى التى تفسد عليها مزاجها وتخدش رونقها وتطفئ بهجتها ، بالطبع أبناء الساكنين هنا لا يلتحقون بالمراحل التعليمية بتلك البناية أو شبيهاتها وإنما أماكنهم محجوزة مسبقا فى تلك البنايات التى تتقاضى أرقاما شهرية يصعب على الكثير من قاطنى هذه المدينة جنيها من عمله عاما بأكمله .

الأربعاء، 27 يناير 2016

لم نعد صغارا (4)

محطة للتزود بالوقود اصطفت حولها السيارات من كل جانب ، إعتدنا على نقصان الوقود وندرته دوما فلا تستطيع مد سيارتك بما يكفيها من غذاء إلا بعد أن يجف حلقها من العطش ، مرغما أخاك لا بطر ، رغم الزيادات المتتالية التى أضافوها الى أسعار الوقود إلا أن معاناة عدم توفره مازالت مستمرة وأصبح من يمتلك سيارة يعانى الندم من المشقة التى يكابدها حتى يستطيع السير بسيارته ويكاد يقيم حفلا ويعد مؤدبة يدعوا اليها كل من يعرف إذا ابتسم له نصيبه واستطاع تزويد سيارته بما يكفيها من وقود فى هذه الأيام .
هذه المنطقة دوما خاوية رغم أنها تعد من المناطق الخدمية إلا أنها لا تدب فيها الحياة إلا عندما تهب عربات الوقود لتزويد المحطة بحصتها التى تأتيها على استحياء وبالطبع يكون العاملون بالمحطة قد أخبروا السائقين وهؤلاء الذين يمرون عليهم باستمرار ومعارفهم وغيرهم فضلا عما يتم توزيعه وبيعه فى السوق السوداء وهذه طامة أخرى ، فما هى الا أوقات قليلة تفرغ فيها السيارة حمولتها ويبدأ الصراع حول أحقية التزود أولا وهذا قبل ذاك وهكذا كعادة هذا الشعب دوما يصارع شيئا فإذا لم يجد من ينشب معه خلاف صنع خلافا مع ذاته رغم الابتسامة التى دوما ما تغطى وجوه أكثره .
أتخطى الجموع الواقفة بصعوبة فالمساحة التى تركوها خالية فى الطريق لا تكفى لمرور سيارة ، على بعد أمتار قليلة تجذب عينى جموع أخرى من الناس ، أنظر إليهم أعرف سبب تجمعهم ، هنا منفذ لتوزيع الخبز المدعم وهذه المنافذ شحيحة فى هذه المدينة لكن تجمعهم لا يدوم إلا لحين انتهاء حصة المنفذ من الخبز ، أتخطاهم وأتم سيرى ، مستشفى تقطن يمين الطريق طليت واجهتها حديثا وأضيف إليها قسما جديدا انتشرت دعايته على واجهتها وأضيف إليه زجاج واجهات أزرق اللون يجذب انتباه الماره من هنا ، أنعطف يمينا من أمام المشفى ، أساسات مسجد ، أعمدته وقبته ، خرسانات فقط ، سنوات أمر عليها وهى على حالها ، لم تجد من يتم البناء رغم أننا فى بلد معروف عن أهلها أنهم يقدسون دور عبادتهم ويقدمونها على كل شئ لكن يبدو أن الواقع هو صدق المثل الدارج " اللى يعوزه البيت يحرم ع الجامع " .
 جموع أخرى تشبه المظاهرة وكأن كل المدينة تجمعت هنا ولم يخلفوا وراءهم سوى هؤلاء الذين اصطفوا أمام محطة الوقود ومنفذ توزيع الخبز ، أحاول الاقتراب فأفشل ، هنا الطرق اغلقت تماما واصطفت الجموع وتلاحمت وتداخلت فاختلط الحابل بالنابل والذكر بالأنثى وبعض السيارات مصطفة فى الجوانب المحيطة ، لا عجب فى تجمعهم ، هنا مستودع توزيع اسطوانات الغاز ، رغم أن المدينة زودت بمد خطوط الغاز إلا أن الخطوط التى تم مدها لم تغطى المدينة بأكملها وتركت أماكن كثيرة خالية الوفاض بخلاف تلك الأماكن التى تضاف كتوسعات للمدينة باستمرار ، كنت أمر هنا عند انتصاف الليل فأجد الاسطوانات الفارغة تملأ المكان سلسلت مع بعضها وصفت بترتيب أسبقية الحضور ، أقام أصحابها دوريات كل مجموعة تأتى تجلس بجوارها بعض الوقت فإذا أتت السيارة يقوم الحضور باستبدال الاسطوانات الموجودة ويبلغون أصحابها للقدوم لاستلام ما يخصهم ، فى ليل الشتاء يتجمعون يجمعون بعض الأخشاب ويشعلون فيها النار يستعينون بها على الصقيع الذى غلف جو المدينة التى تبدو للناظرين هادئة ويعدون عليها بعض أكواب الشاى تعينهم على سهر الليل فى انتظار تحقق الأمل ، تتوالى الأيام والليالى وربما الأسابيع حتى تنتهى التظاهرة ويحصل كل منهم على حاجته وتعود الأوضاع إلى طبيعتها مجددا إلا الأسعار تكون قد اكتسبت زيادة جديدة تثقل كاهل المواطنين .

أعود بالسيارة إلى الخلف لأول تقاطع وأدور من هناك عائدا حتى بدء الطريق الذى انعطفت من عنده فألتحق مرة ثانية بالطريق الرئيسى وأقطع مسافات تحفنى الصحراء من الجهتين ، أنعطف يمينا ثانية ، بدأت المساكن تظهر على الساحة من جديد ، اصطفت المبانى على الجانبين ، لا يسمح هنا بالارتفاعات الشاهقة ، المبانى على اليمين تقف على حافة الطريق مباشرة ، زخرفت واجهاتها وزينت للناظرين ، أما المبانى فى الجهة الأخرى فغلفت بحدائق تحيطها فلا ترى العين سوى ما ارتفع من البيت عن الأشجار التى تحيطه التى انتشرت خلف الأسوار المحددة لكل مسكن ، هنا يهتمون بتوفر المسطحات الخضراء ، يقضون فيها بعض الأوقات التى تتركها لهم المدينة دون أن تشغلهم بحاجتهم ومشقتهم وراء لقمة العيش ، تعينهم بعملياتها الضوئية على تنقية الهواء من الملوثات التى تنتجها المصانع التى غصت بها المدينة ، وتهدي ألوانها وروائحها لهم الراحة التى يسعون للحصول عليها ، يفتحون صدورهم ويشبعون رئاتهم بحاجتها من الهواء النقى .

الخميس، 21 يناير 2016

لم نعد صغارا (3)

خطوات قليلة تفصلنى عن المسجد ، "اللهم اجعل فى قلبى نورا وفى لسانى نورا وفى صدرى نورا وفى سمعى نورا وفى بصرى نورا ومن خلفى نورا وعن يمينى نورا وعن شمالى نورا ومن فوقى نورا واجعل لى نورا يارب العالمين " ، أدخل المسجد مستفتحا بالدعاء ، أضع حذائى فى مكانه المعتاد ، سنوات لم أبدل هذا المكان إلا إذا وجدت غيرى شغله ، خلف العمود الأخير فى الجانب الأيمن من المسجد اصف قدمى لركعتى تحية المسجد وخلالهما يقيم المؤذن الصلاة ، أنهى صلاتى وأصطف بجوار المصلين الواقفين كاللبنات المرصوصة وقد خشعت قلوبهم وسكنت أرواحهم وارتقت أفئدتهم واطمأنت نفوسهم بأيى الذكر الحكيم .
أختم الصلاة وأسير رويا ألتفت هنا وهناك أطمئن على نظافة جنبات المسجد كعادتى كلما تواجدت ، أسلم على خادمى المسجد وأسألهما إن كان هناك شئ يحتاجونه لمتابعة عملهم ثم أحمل حذائى وأخرج ، أقلب بصرى فى السماء ، أفتح صدرى ، أستنشق نسيم الجنة الذى يهب مع كل صلاة صبح ، أصبحنا وأصبح الملك لله .
أعود إلى مسكنى ، أفتح الباب برفق حتى لا يحدث ضجة تيقظ الأطفال ، أهمس فى أذن زوجتى أن قومى للصلاة ، أتطلع إلى الصغيرين وأقبل وجهيهما سائلا الله لهما السعادة ، أذهب الى المطبخ ، أشعل الموقد لتجهيز مشروب الصباح ، أنتظر حتى تغلى المياه وأصبها فى الكوب المخصص لى فيمتزج السكر بالماء بالقهوة باللبن ويصبح وجه الكوب كزبد البحر .
أسير الى مكتبى ، أحضر مصحفى وقلمى وأوراقى والكتاب الذى حان وقت مطالعته ، أرتشف بعضا من مشروبى بينما أقرأ بعض ما يتيسر لى من كتاب الله المجيد ، أنتقل بعد ذلك الى الكتاب فألتقط أخر ما توقفت عنده فى القراءة وأتذكر ما سبق من أحداث سريعا ثم أواصل الاستمتاع ، أمر على بعض الكلمات والفقرات التى تنفذ إلى داخلى فأقتبسها وأدونها فى أوراقى معنونا لها بمقتبسات من كتاب ... أتم القراءة حتى يقترب موعد التوجه الى العمل فأعيد كل شئ مكانه بعد أن أدون أخر ما توقفت عند قرائته وأستعد لمغادرة البيت .
أفتح السيارة وأضع حاسوبى على الكرسى الأمامى المجاور لى ، أخرج فوطة التنظيف ، أزيل ما علق بالسيارة من أتربة ، أطمئن على أن جميع العدادات تعمل ، أطمئن على عجلات السيارة وأتأكد من كفاية الوقود و كفاية الزيت الموجود لمساعدة محركاتها على العمل ، أشغل السيارة ، أتركها فترة ليتقوى المحرك ويصبح قادرا على السير ، عادة ما يفعل الجميع مثلى مع سياراتهم القديمة ، كعمليات الإحماء التى يجريها اللاعبون قبل البدء فى مباراياتهم ، دقائق قليلة تصبح بعدها محركات السيارة جاهزة ، أرتدى نظارتى الشمسية بُنية اللون ، أرجع بالسيارة خطوات الى الخلف وأعيد ضبط وجهتها ، متوكلا على الله أتحرك ، "سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون" .
أشق طريقا ممهدا نسبيا ، عن يمينه تصطف المبانى وعن شماله صحراء خاوية اغتصبت أكوام القمامة بعضا منها ، بعض القاطنين أصلحوا أمام منازلهم ونثروها أشجارا فتبدو من بعيد كسياج يطل على الرمال الصفراء وحارس يعيق تمددها أكثر وأكثر .

أنعطف يمينا لأمتار قليلة ثم أنعطف يسارا متخللا لشارع ضيق ، تركت بالوعات الصرف فيه دون تغطية جيدة ، أسير فيه برفق ينتهى بمساحة ترابية ، أنعطف يمينا إلى الطريق الرئيسى مسافة قصيرة ،  تقاطع للطرق انعطف فيه ناحية اليسار مجددا شاقا مجموعة الطرق المتداخلة والتى تصطف فيها السيارات متكتلة وكأنها ديوكا شبت بينهم معركة للتو فكل وجهاتهم متداخلة والكل يرمى بمقدمة سيارته طامعا فى المرور أولا ، الأصوات تعلو متلاطمة فى بعضها ولا توجد نقطة نظام ، رائحة المخبوزات تفوح من مخبز بالقرب من التقاطع ولافتة واهنة تعلن اسم المنطقة .

الثلاثاء، 19 يناير 2016

لم نعد صغارا (2)

النوم رسول النسيان ، يقدم إلينا ويحمل فى جعبته الراحة مما نعانى والسلام والأمن مما نخاف ، يتسلل إلى داخلنا ببطئ حتى يتملك منا كليا فتستسلم له كل جوارحنا وفى أحيان كثيرة من شدة الاعياء والارهاق نسأل الله أن يعجل ببعثه إلينا وفى بعض الأوقات يكون أوان بعثته لم يحن بعد فيتأخر علينا لحين ولوج وقته ، يأخذنا إلى حيث هناك ، عوالم أخرى وشخصيات وأماكن ربما لم نلقها يوما وربما كانت معنا وفارقتنا وربما لازالت تحيا معنا وربما لم يخطر ببالنا يوما أن نلتقيهم وربما تكون مفاجآته لنا مع عوالم لم نشاهدها قبلا ، عوالم من الجن أو عوالم من الملائكة أو عوالم من الجماد وحكايات من الأساطير ، وحيوانات شرابها اللهب ومشاعر وقودها الندى ، محطات قديمة ومبانى مهدمة وألبسة غير التى نعرف ، أحداث ربما بعضها حدث فى التاريخ يوما فى أوقات غير التى نحياها وربما يكون بعضها لم يحدث بعد وربما بعضها هذا وقته وأحيانا تصادق رؤى النوم أحداث اليقظة ، زخم الكلمات والرؤى والأحداث ، الكل فى آن واحد ، بعض الرؤى نتمنى ألا تنتهى وبعضها نصحو من نومنا وقد نسيناه وكأن لم يكن وبعضها يترك فينا من آثاره الكثير.
أحيانا يعاندنا فلا يقرب ديارنا وكأنه يعاقبنا لطول سهرنا ومجافتنا له ، يجعلنا ننفق الكثير والكثير فى سبيل زيارته لنا ولو لوقت ضئيل ، كل ما يهمنا أن يأتى ، ألا يعلم أن دقائق قليلة منه كفيلة بتغيير كل الإعياء والمشقة التى كابدناها فى يومنا ، نختبئ فيه من أوجاعنا وخسائرنا ، يريحنا من آثام كثر اقترافها ويهون على الأخرين مغبة أفعالنا بهم .
نم يا صغيرى ، أقذف تلك الكرة بعيدا وهرول خلفها ، بيت المكعبات تهدمت أسواره ، الأميرة تتبعها الساحرة تبغى سرقة شعرها ، الأقزام يحيطون الجميلة يحمونها من كل من يكيد لها شرا ، جيرى وتوم يتصارعان فى حكايات جديدة ، الأيس كريم الذى تحبه فى الثلاجة ، مدرستك ترسم لك نجمه فى كشكولك وتلصق لك فى صفحة الكتاب ملصق سبايدرمان المفضل لك ، دراجة جميلة وبابا فى سباق سيارات مع الأخرين ، اصدمهم بابا ، هيا اسبقهم ، بسرعة ..بسرعة بابا .
يبكى الصغير فتصحو أمه من النوم متكدرة تلقمه ثديها عساه ينام ثانية ، يعلو صراخه فتنظر فى ملابسه وتغادر الفراش تنظفه وتبدل له الحفاضه ، تلاطفه وتلاعبه فيضحك بعلو صوته ، تطفئ الأنوار فيبكى مجددا فتلقمه ثديها مرة أخرى فيعاندها قليلا ثم فى النهاية يستسلم لرغبتها وينام مضطرا ، تفرد الأغطية التى سقطت من على ومن على صغيرنا الأخر ، تُقبل الصبى وتضم الرضيع إلى حضنها وتنام .
يصحو الصبى ويطرق على وجهى ببطئ يخبرنى أنه عطشان ، أمد يدى أحضر زجاجة الماء ، يشرب حتى يرتوى وأطلب منه أن ينام مجددا وأغطيه لكنه كعادته يكره الأغطية فيقذفها بقدمه فأعيد الكرة مجددا ، غطى نفسك جيدا حتى لا تبرد فليل الشتاء قاسى ، على مضض يقبل أن يغطى جسده ويحيط وجهى بكفيه الصغيرين ويبتسم ويطلب منى أن أشترى له بعض ما يحب فى الصباح فأعده بأن أفعل ..

تطرب مسامعى ابتهالات الفجر وينادى على رسول النوم ويشتد البرد فأتدثر فى الألحفة فتغفو عينى ثم أغالب شيطانى وأنزع الغطاء عن جسدى وأقوم الى الصلاة ، نسيم الفجر طيب خالى من الملوثات ، صافية هى الأجواء لم تكدرها بعد أثام الخلق ، الكثير غارق فى نوم عميق وبعض من اصطفاهم الله استيقظوا ملبين نداءه ، على عجلة يتلهفون لزيارته ، يطيب لهم ذكره ، وجوههم أسرجة منيرة تشق عتمة الليل ، "وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا " .

الجمعة، 15 يناير 2016

لم نعد صغارا (1)

انقضى وقت الرياضة الأسبوعى وعاد كل منا الى منزله ، اغتسال سريع وأداء لصلاة المغرب ، تناول لوجبة الغداء تبعها شاى ساخن يعدل برودة الجو بعض الشئ .
صلاة العشاء يتبعها نزهة سريعة بالسيارة لاحضار بعض المسليات التى نستعين بها على قضاء الليل ، برامج منوعات ، ومباراة فى كرة القدم مملة كالعادة ، الصداع يتسلل ببطئ الى رأسى ثم تتعالى أمواجه شيئا فشئ .
شئ يطرف عينى لا اعلم ما هو تحديدا ، بأطراف أصابعى احاول ازالة ما استقر بعينى ، المحاولة أدت الى احمرار عينى ودب الألم فيها ليشغلنى وجعها عما لحق برأسى ، أذهب الى المرآة أحاول رؤية الشئ الذى سكن عينى ولكنى أعود بخفى حنين ، أمسح عينى بطرف قماشة ثم أدخل إلى مكتبى يصحبنى ألم عينى وبقايا صداع يغلف رأسى ...
قلمى وأوراقى بجوار حاسوبى أستعين بثلاثتهم على قضاء ما تبقى من الوقت قبل أن تلفحنى رياح النوم .
نام طفلى الصغير بينما أخيه الأكبر يتنقل بين شاشة الحاسب وشاشة التلفاز ، فى صراع دائم مع أمه عن أى القنوات يستقر الأمر عليها ، هى تريده أن يدعها تشاهد المسلسلات المدبلجة التى ملأت الشاشات أو فيلم او مسرحية وهو يريدها أن تصحبه فى رحلته بين قنوات الأطفال وكل فاصل يتنقل فيه الى قناة أخرى ، الفار الطباخ ، توم وجيرى ، لوجينى ، تنة ورنة ، أندى ، تيمون وبومبه ، سيمبا ، القوقع السريع ، الى اللانهائية وما بعدها ، باظياطير ، السندباد ، سلاحف النينجا ، روبنزون ، الخارقون ، السنافر ..... صرت أحفظ اسماء الأبطال والأحداث التى تجرى فى كل فيلم عن ظهر قلب .
يختلفان فيقدم الصغير الى مكتبى ويطلب منى أن أحدث أمه لتبدل له القناة ويذهب ويجئ وأنا عاكف على قلمى وأوراقى لا أبغى لهما فراقا ، أمه متمسكة بمشاهدة المسلسل وهو يتفق معها على شئ ويطلب منها أن تسألنى أن أسمح له مثلا باللعب على هاتفى لأنه مل من اللعب على حاسوبه ولم يفلح فى مفاوضاته مع امه لجعلها تترك المسلسل وتحقق له ما يريد ، يبقى الصغير برفقتى بعض الوقت يجئ ويروح ويكرر نفس السؤال ، ماما عاوزه تكلمك ، أذهب اليها فتخبرنى أنه يريد اللعب على هاتفى كما توقعت ...ارفض ، أبدل له القناة يرفض ويقول لا أريد مشاهدة ذلك الفيلم شاهدته من قبل رغم أن كل ما يشاهده شاهده مرات يفوق عددها عدد شهور عمره ، أغلق التلفاز وأعود الى مكتبى أكمل كتابتى ، فى الوقت الذى غضب فيه الصغير وغادر ليجلس بمفرده فى الصالة معلنا بذلك عن تأففه من رفضى للعبه بهاتفى .
أحيانا كثيرة يزعجنى بأسئلته وطلباته التى لا تنتهى لكنه يزعج أمه أكثر منى بمراحل ، كأن يسألها مثلا بعد منتصف الليل أن تحضر له نوعا معينا من الطعام فى الوقت الذى يكون فيه هذا النوع غير متوفر بالمنزل فتعرض عليه الانواع الموجودة واحدا واحدا ولكنه يقابل الكل بالرفض الى أن يقبل فى النهاية على مضض ، تحضر له الطعام ولا يتناول منه سوى لقيمات بسيطة لا تكفى لسد جوع رضيع ، تغضب أمه وتشتاط غضبا وتقسم باغلظ الأيمان أنها لن تصنع له شيئا مجددا ولو ظل يبكى أمامها حتى الصباح وفى اليوم التالى يعود لفعلته وتعود لتفعل ثم تقسم  مجددا ...
عندما تجبره على النوم يدعى أنه جوعان ثم يختار أنواع من الطعام تحتاج بعض الوقت لكى تجهز وعندما تقدم له امه وتجلس لتساعده فى تناول طعامه يرفض ويقول سآكل وحدى ويترك الطعام أمامه لوقت طويل ، يغلبنا النوم فننام ونصحو على صوت الرضيع باكيا فنجد الأخر مازال على حاله يعبث بالقنوات والطعام على حاله ينتظر من يتناوله ، وكأن جوعه رحل مع أول فرسخ من غوصنا فى النوم .

دوما الصغار يتشبثون بطلباتهم ولا يتنازلوا عنها إلا بعد أن يتحقق لهم ما أرادوا وتسسعفهم دموعهم دوما فى سعيهم لذلك فيضعف كل منا أمامهم ويحقق لهم مرادهم ، ليتنا مثل الصغار فى التمسك باحلامنا ولكن .......لم نعد صغارا .

بابا عاوز أنام ومش عارف أنام ومش لاقى حاجة اعملها ...حاضر أنا جايلك عشان تنام فى حضنى .